كنت قد وضعت مقالة عن " نقد الترجمة" وثم نشرتها لاحقا على صفحات هذا الملتقى الكريم.. سعيت أن أؤصل فيها لمفهوم "النقد" عندما يتعلق الأمر بتقييم " العمل المترجم"، وتزامن ذلك مع توجيه دعوة لي لحضور حلقة نقاشية بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر بحضور نخبة من أساتذة الترجمة والأدب وضمت لجنة النقاش أستاذاي الأستاذة الدكتورة آمال مظهر أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة ، والأستاذ الدكتور أحمد عتمان أستاذ الأدب اليوناني ورئيس الجمعية المصرية للأدب المقارن، وكذا الدكتورة عبير عبد الحافظ أستاذة الأدب الإسباني بجامعة القاهرة، والدكتورة فاطمة خليل أستاذة الأدب الفرنسي بجامعة حلوان. وكان موضوع الحلقة هو استعراض عمل مترجم، ومناقشة مترجمته فيما قدمته... ولأنني مغرق بالبحث في ما يتعلق بنشاط الترجمة وصناعتها عامة وبنقد الترجمة وتقييمها وما يرتبط بذلك من أطر نظرية وممارسات عملية تطبيقية على وجه الخصوص. لذا فقد حرصت على حضور هذه الحلقة والاطلاع على النصين الأجنبي الأصلي والعربي المترجم، والحق أني رغم قصر المدة بين استلامي للدعوة وموعد الحدث إلا أنني استطعت أن أقرأ النص الأصلي والنص المترجم، ووجدت الكثير من النقاط التي استوقفتني ولو أنه كان لي فسحة من الوقت لاتخذت هذا النموذج القيم موضوعا لدراسة متسفيضة... لكن لأن ما لا يدرك كله لا يترك كله، ركزت في ترجمة العناوين فقط داخل هذا العمل.
المؤلفة... المترجمة:
النص الأصلي هو مجموعة قصصية تحمل عنوان "Interpreter of Maladies" "ترجمان الأوجاع" وتضم تسع قصص قصيرة كتبت باللغة الإنجليزية كتبتها أديبة أمريكية الجنسية هندية الجذور هي "جومبا لاهيري" لتعرض حياة مجموعة من الهنود المغتربين في الولايات المتحدة الأمريكية وبعضاً من ملامح الحياة في الهند، لتعكس عمق اختلافات الثقافات ومفاهيم الاغتراب والبحث عن الهوية، وصدرت طبعتها الأولى عام 1999، ونالت المؤلفة عنها العديد من الجوائز أهمها جائزة "بن/هيمنجوي" في العام 1999، وجائزة بوليتزر للأدب في العام 2000، واختيرت كأفضل عمل أدبي للعام لمجلة "نيويوركر" الأمريكية في العام 2000، وكانت سببا في إدراج اسم "لاهيري" ضمن قائمة مجلة "نيويوركر" لأفضل عشرين مؤلف خلال القرن الحادي والعشرين.
أما المترجمة فهي المصرية "مروة هاشم"، وهي دارسة للأدب الانجليزي، وعملت بالصحافة من خلال ممارستها للترجمة وصدر لها ترجمات عدة منها: "فن الحياة"، "تقنيات الأداء المسرحي..بناء الشخصية"، و"عبودية الكراكيب" و"كيف تصبح ممثلاً موهوباً .. حول أسلوب فن التمثيل"، "الحلقة المفقودة"، "ظلال الاستهلاك"، "التطريز في الهند وباكستان" ولها تعاون نشط مع المركز القومي بمصر ومشروع كلمة للترجمة بالامارات، وهو جهة اصدار ترجمة هذه المجموعة القصصية
وقبل أن أنتقل إلى تناول النماذج التي عرضت لتحليلها ونقدها كأمثلة تطبيقية، لابد وأن أشير إلى نقاط هامة، لعل أولها هو " الدائرة النسوية" التي أحاطت بهذا العمل، فمالمؤلفة والمترجمة امرأتين، وهذه أحدى النقاط التي لا يمكن تجاهلها في خضم ما يمكن أن يقال حول هذا العمل، فقد تبدى التقارب الوجداني واضحا بين المترجمة والمؤلفة، ليس على مستوى الإعجاب أو الرفض، بل على مستوى الصوت النسوي الذي ظاهره الكلمة وصداه الشعور، فأن يترجم المرء عملا هو أمر لا يقتصر على استبدال الكلمات بمكافئاتها بل يذهب إلى تقمص حالة المؤلف أثناء وضعه لمؤلفه، واستحضاره لكل المؤثرات المحيطة بالنص ومؤلفه وقت صياغته، وهذا يؤكد على ضرورة اتساع آفاق الإدراك والشعور عند المترجم خاصة مع المترجم الذي يتعامل مع نصوص أدبية مفعمة بأحاسيس ومشاعر مصوغة بألفاظ وتراكيب مزدانة بصور تعبيرية وجمالية، وتصطبغ بصبغة ثقافية. ليس معنى هذا أن "النوع" عامل مؤثر في العلاقة بين المؤلف والمترجم، وإنما قدرة المترجم على استيعاب السمات الفكرية والوجدانية للمؤلف أو المؤلفة هي المعيار.
كذا فمن بين النقاط التي تستوجب الملاحظة والتقييم ما يتعلق بمؤلفة النص وتكوينها الثقافي، فنحن لسنا أمام نص يعبر عن ثقافة "أحادية"، بل إننا أمام نص تمتزج فيه ثلاث ثقافات هي الهندية والإنجليزية والأمريكية، وهذا الثالوث الثقافي له من الخصوصية ما يمثل تحديا أمام المترجم، ومن خلال قدرته على الحفاظ على نسب هذه الصبغات الثقافية يمكننا أن نقيم جودة ترجمته، ويمكن الذهاب إلى أعمق من هذا المستوى، فنتعمق في قياس مدى تفادي المترجم لسلطة اللغة المنقول إليها ( وفي حالتنا هذه فإن العربية هي اللغة الهدف المنقول إليها)، وذلك من خلال طرح سؤال بسيط يمكن صياغته في القول: هل ترجم المترجم النص الأصلي ترجمة، أم قام بتعريبه تعريبا؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال يكمن تقييم حفاظ المترجم على نكهة ومذاق العمل الأصلي، فالنقل إلى لغة ما يأخذ مستويين: أولهما الترجمة وفيه يلتزم المترجم بالمحتوى الفكري والثقافي والوجداني للنص الأصلي، وثانيهما التوطين أي صياغة المحتوى الفكري والثقافي والوجداني وفق قواعد وثقافة اللغة المنقول إليها، فيستشعر المتلقي وكأنه أمام تأليف باللغة المنقول إليها، وهذه قضية قد يتسع المجال لطرح أبعادها في غير هذا الموضع.
كذا فبالنظر إلى النتاج الترجمي الذي قدمته المترجمة، فسنجد أننا أمام تنوع على مستوى العموم والتخصص، وكذا على مستوى المجالات، فهي ما بين علمية وأدبية وعلمية متأدبة، وعامة وتخصصية، ولكن ترجمة هذه المجموعة القصصية تتفرد بأنها ترجمة لعمل أدبي واضح المعالم وفق معايير التصنيف، فهي بذلك ترجمة تخصصية أدبية، وهي الترجمة الوحيدة التي تعاملت مع عمل أدبي بصورة مباشرة، وهذا يأخذنا إلى قياس مدى معرفة المترجم بالآداب وأصولها ومحدداتها، فالقول بأن قدرات المترجم واحدة عند تعامله مع كل أنواع النصوص هو ضرب من سوء الفهم لجوهر عملية الترجمة، ودور المترجم فيها، ويحضرني هنا الإشارة إلى التفاوت والتخصص بين النصوص، وما يتعلق بالمترجم "الكشكول" الذي يمكنه أن يترجم كل أنواع النصوص بذات الدقة والمستوى؟! ولكننا هنا أمام حالة - المترجمة- تستوجب أن نقيم مستوى كفاءة ترجماتها في المجالات المختلفة... وللأسف لم يتح لي الاطلاع على باقي الترجمات، فقصرت بحثي على التعامل مع ترجمتها الأدبية.
الأفكار الرئيسية في العمل:
حينما ننظر إلى الموضوعات الرئيسية التي تناولتها المجموعة القصصية جملة نجدها تبدأ وتنتهي عند موضوعات ثلاثة هي:
(1) الهجرة والاندماج والثقافة: يبرز هذا من خلال عرض تجارب شخصيات المجموعة وردود أفعالهم تجاه مجتمع مختلف وثقافة جديدة، وما يتعلق بهذا الانتقال من السعي للانصهار ضمن مجتمع جديد، وارتباط هذا بالفرص المتوقعة، والثمن الذي يدفعه المهاجر، وقدرته على النجاح في التعايش في أرض جديدة وعلاقة هذا بقضية الهوية والثقافة. إضافة إلى قضية التمسك بالتقاليد أو نبذها.
(2) الحب والزواج: تمزج المؤلفة علاقة معقدة تربط بين الحب والزواج، فهي تجعل من الزواج سببا للسعادة وتقاسم الأسرار إلا أن شخصياتها تعيش بعيدة عن تحقيق هذا السبب بل نرى مساحات واسعة تفصل طرفي العلاقة، فهناك حد مميز لكل طرف مهما تبدت عليهما مظاهر الزواج التقليدية أو ظهرت بعض الخلجات الوجدانية لدى الشخصية، وفي بعض الأحيان قد تنتهي حالة التوازي بين الطرفين إلى حالة التقاء يجمع الشتيتين عند التجارب المفجعة كموت الابن مثلا.
(3) التواصل: حيث تعبر المؤلفة من خلال السياقات والشخصيات عن التواصل الإنساني، وتركز على مدى أهمية تواجده بين المنخرطين في العلاقات، ومغبة غياب هذا التواصل وخطر سوء الفهم، ونجدها تترك مساحات للشخصيات لتفصح عن مكنوناتها وأسرارها وتتخلص من حالة الغموض وخداع الذات.
المؤلفة... المترجمة:
النص الأصلي هو مجموعة قصصية تحمل عنوان "Interpreter of Maladies" "ترجمان الأوجاع" وتضم تسع قصص قصيرة كتبت باللغة الإنجليزية كتبتها أديبة أمريكية الجنسية هندية الجذور هي "جومبا لاهيري" لتعرض حياة مجموعة من الهنود المغتربين في الولايات المتحدة الأمريكية وبعضاً من ملامح الحياة في الهند، لتعكس عمق اختلافات الثقافات ومفاهيم الاغتراب والبحث عن الهوية، وصدرت طبعتها الأولى عام 1999، ونالت المؤلفة عنها العديد من الجوائز أهمها جائزة "بن/هيمنجوي" في العام 1999، وجائزة بوليتزر للأدب في العام 2000، واختيرت كأفضل عمل أدبي للعام لمجلة "نيويوركر" الأمريكية في العام 2000، وكانت سببا في إدراج اسم "لاهيري" ضمن قائمة مجلة "نيويوركر" لأفضل عشرين مؤلف خلال القرن الحادي والعشرين.
أما المترجمة فهي المصرية "مروة هاشم"، وهي دارسة للأدب الانجليزي، وعملت بالصحافة من خلال ممارستها للترجمة وصدر لها ترجمات عدة منها: "فن الحياة"، "تقنيات الأداء المسرحي..بناء الشخصية"، و"عبودية الكراكيب" و"كيف تصبح ممثلاً موهوباً .. حول أسلوب فن التمثيل"، "الحلقة المفقودة"، "ظلال الاستهلاك"، "التطريز في الهند وباكستان" ولها تعاون نشط مع المركز القومي بمصر ومشروع كلمة للترجمة بالامارات، وهو جهة اصدار ترجمة هذه المجموعة القصصية
وقبل أن أنتقل إلى تناول النماذج التي عرضت لتحليلها ونقدها كأمثلة تطبيقية، لابد وأن أشير إلى نقاط هامة، لعل أولها هو " الدائرة النسوية" التي أحاطت بهذا العمل، فمالمؤلفة والمترجمة امرأتين، وهذه أحدى النقاط التي لا يمكن تجاهلها في خضم ما يمكن أن يقال حول هذا العمل، فقد تبدى التقارب الوجداني واضحا بين المترجمة والمؤلفة، ليس على مستوى الإعجاب أو الرفض، بل على مستوى الصوت النسوي الذي ظاهره الكلمة وصداه الشعور، فأن يترجم المرء عملا هو أمر لا يقتصر على استبدال الكلمات بمكافئاتها بل يذهب إلى تقمص حالة المؤلف أثناء وضعه لمؤلفه، واستحضاره لكل المؤثرات المحيطة بالنص ومؤلفه وقت صياغته، وهذا يؤكد على ضرورة اتساع آفاق الإدراك والشعور عند المترجم خاصة مع المترجم الذي يتعامل مع نصوص أدبية مفعمة بأحاسيس ومشاعر مصوغة بألفاظ وتراكيب مزدانة بصور تعبيرية وجمالية، وتصطبغ بصبغة ثقافية. ليس معنى هذا أن "النوع" عامل مؤثر في العلاقة بين المؤلف والمترجم، وإنما قدرة المترجم على استيعاب السمات الفكرية والوجدانية للمؤلف أو المؤلفة هي المعيار.
كذا فمن بين النقاط التي تستوجب الملاحظة والتقييم ما يتعلق بمؤلفة النص وتكوينها الثقافي، فنحن لسنا أمام نص يعبر عن ثقافة "أحادية"، بل إننا أمام نص تمتزج فيه ثلاث ثقافات هي الهندية والإنجليزية والأمريكية، وهذا الثالوث الثقافي له من الخصوصية ما يمثل تحديا أمام المترجم، ومن خلال قدرته على الحفاظ على نسب هذه الصبغات الثقافية يمكننا أن نقيم جودة ترجمته، ويمكن الذهاب إلى أعمق من هذا المستوى، فنتعمق في قياس مدى تفادي المترجم لسلطة اللغة المنقول إليها ( وفي حالتنا هذه فإن العربية هي اللغة الهدف المنقول إليها)، وذلك من خلال طرح سؤال بسيط يمكن صياغته في القول: هل ترجم المترجم النص الأصلي ترجمة، أم قام بتعريبه تعريبا؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال يكمن تقييم حفاظ المترجم على نكهة ومذاق العمل الأصلي، فالنقل إلى لغة ما يأخذ مستويين: أولهما الترجمة وفيه يلتزم المترجم بالمحتوى الفكري والثقافي والوجداني للنص الأصلي، وثانيهما التوطين أي صياغة المحتوى الفكري والثقافي والوجداني وفق قواعد وثقافة اللغة المنقول إليها، فيستشعر المتلقي وكأنه أمام تأليف باللغة المنقول إليها، وهذه قضية قد يتسع المجال لطرح أبعادها في غير هذا الموضع.
كذا فبالنظر إلى النتاج الترجمي الذي قدمته المترجمة، فسنجد أننا أمام تنوع على مستوى العموم والتخصص، وكذا على مستوى المجالات، فهي ما بين علمية وأدبية وعلمية متأدبة، وعامة وتخصصية، ولكن ترجمة هذه المجموعة القصصية تتفرد بأنها ترجمة لعمل أدبي واضح المعالم وفق معايير التصنيف، فهي بذلك ترجمة تخصصية أدبية، وهي الترجمة الوحيدة التي تعاملت مع عمل أدبي بصورة مباشرة، وهذا يأخذنا إلى قياس مدى معرفة المترجم بالآداب وأصولها ومحدداتها، فالقول بأن قدرات المترجم واحدة عند تعامله مع كل أنواع النصوص هو ضرب من سوء الفهم لجوهر عملية الترجمة، ودور المترجم فيها، ويحضرني هنا الإشارة إلى التفاوت والتخصص بين النصوص، وما يتعلق بالمترجم "الكشكول" الذي يمكنه أن يترجم كل أنواع النصوص بذات الدقة والمستوى؟! ولكننا هنا أمام حالة - المترجمة- تستوجب أن نقيم مستوى كفاءة ترجماتها في المجالات المختلفة... وللأسف لم يتح لي الاطلاع على باقي الترجمات، فقصرت بحثي على التعامل مع ترجمتها الأدبية.
الأفكار الرئيسية في العمل:
حينما ننظر إلى الموضوعات الرئيسية التي تناولتها المجموعة القصصية جملة نجدها تبدأ وتنتهي عند موضوعات ثلاثة هي:
(1) الهجرة والاندماج والثقافة: يبرز هذا من خلال عرض تجارب شخصيات المجموعة وردود أفعالهم تجاه مجتمع مختلف وثقافة جديدة، وما يتعلق بهذا الانتقال من السعي للانصهار ضمن مجتمع جديد، وارتباط هذا بالفرص المتوقعة، والثمن الذي يدفعه المهاجر، وقدرته على النجاح في التعايش في أرض جديدة وعلاقة هذا بقضية الهوية والثقافة. إضافة إلى قضية التمسك بالتقاليد أو نبذها.
(2) الحب والزواج: تمزج المؤلفة علاقة معقدة تربط بين الحب والزواج، فهي تجعل من الزواج سببا للسعادة وتقاسم الأسرار إلا أن شخصياتها تعيش بعيدة عن تحقيق هذا السبب بل نرى مساحات واسعة تفصل طرفي العلاقة، فهناك حد مميز لكل طرف مهما تبدت عليهما مظاهر الزواج التقليدية أو ظهرت بعض الخلجات الوجدانية لدى الشخصية، وفي بعض الأحيان قد تنتهي حالة التوازي بين الطرفين إلى حالة التقاء يجمع الشتيتين عند التجارب المفجعة كموت الابن مثلا.
(3) التواصل: حيث تعبر المؤلفة من خلال السياقات والشخصيات عن التواصل الإنساني، وتركز على مدى أهمية تواجده بين المنخرطين في العلاقات، ومغبة غياب هذا التواصل وخطر سوء الفهم، ونجدها تترك مساحات للشخصيات لتفصح عن مكنوناتها وأسرارها وتتخلص من حالة الغموض وخداع الذات.
تعليق