
كان الليلُ يغمرُ شوارع الضباب حين وصلَتْ إلى محطة القطار ،وجلست على حديد المقعد
البارد ، تتناثر الوجوه حولها في مكان يبدو مستعصياً على تجانس اللغات واللهجات بين
عرب وأجانب من مختلف بقاع الأرض ،
في مدينةٍ تقدّم نفسها لأي عابر سبيل ليشعرُ أنها بهجته الخاصة ، وملاذه الآمن ، يمارس
قدراتهُ التعبيريّة المتشكّلة في قالب إنسانيّ محللةً من الأُطُر الموروثة .
وكأن كل ما يحدث في العالم يجد له صدى هنا... إنعكاساً تارة ، ونموذجاً تارة اخرى .
وكأنها محطة تحويلٍ دوليّة ، لتجارب كل خروج عن النّسق ،من بين شعوب مشغولة
بتأمين مائها وخبزها ...ودفن قتلاها .
وها هي ..واحدة من اولئك الخارجين عن النسق ..والذين لم يتورّعوا عن خدش لوحة الوصايا
والتّنصًل من تعاليم ذلك الموروث المُعتّق، في مجتمعات ما زالت تتفيّأ ظلال ماضيها المُحنّط .
لم يكن ذلك التنصّل والتمرد هدفاً في حدّ ذاته ، ولكنها لا تدّعى أنه كان مسألة ليست ذات بال
حين تَعلّقَ الأمر بعصفورٍ غرّد على وردة الروح ذات ربيع ، فَصَحّى عبيرها .
أستاذ جامعيّ في نفس مجال عملها ..وفنان استطاع ان يقتحم عوالم الفن في زمن قياسيّ ،
أثبت فيها مهارة وخبرة شاهقة في تطويع الفرشاة والألوان ،
كان يملك شفافيّة المشاعر ، وكثافة الإحساس، إلى جانب مخزون لا ينضب من تلك الكلمات
التي يتغيّر بها مجرى حياة .
عينان عميقتان، يتلألأ فيهما شعاع النفس المتمرّسة القويّة ، وثقة بالنفس استطاعت
أن تُلقي عن كاهله نصف هموم الحياة ، تجلّتْ في هذا الإسترخاء العاطفيّ على ساحلٍ
امتدّ من القلب إلى القلب ، مترعاً بهذا السّحر الأسطوريّ الذي يُحلّل الذات ويجزؤها
ليعيدها إلى أصلها الحقيقيّ.. نقيّة من أي غبَش ... ويعرّيها من قيود الإنزواء
في قباء الرهبة والتردّد .
كل هذا وسِواه جعل قلبها يسبح في نغمة لونيّة متدرّجة الظلال ليرسم لصورتهِ
إطاراً لا يخصُّ سواها .
وسط حياة أنيقة مترفة كانت تحياها مترعة بالوحشة والوجوم ..
بعد رحيل لمسة الأمومة الحانية .
ما جعل قلبها وكوامنها العاطفيّة تنساحُ هذا الإنسياح االذي افتقد بعض الضوابط العقليّة .
لتصطدم بصرامة عائلة عريقة الأصول عقيمة التفكير ، ترى أن عليها أن تنأى بدمائها
النفيسة عن التَّماهي مع تلك الدماء العاديّة المفتقِدة لتلك الكرات الماسية التي تميّزها
عن بقيّة الدماء..!
كل هذا لأنها حاولتْ أن تتذارى بِبعض الحرية ، مع التحلّل من كل ما يمكن أن يُضلّل واقعها
بِهيمنة كوامن الآخرين المعمِّمَة ، لكسرمصداقيَّتها الخاصة وصولاً إلى تطبيق فلسفة وحدة
القرار والمصير .
لأول مرة حاولت ان تكون مباشرة دون الإلتفاف على الصفة العائلية .
متجرّدة من اعباء هذا الموروث الذي حاول تصنيفها – بإجتهادات فرديّة --ككيان يستدعي
التطويع أو الإجتثاث .
وامام هذا الإنغلاق الصّلب والتشكُّل النهائي ، توقفتْ كل محاولات الإقناع لديها ..وبات
قرارها رهن أول فرصة للتنفيذ .
تغادر القطار ..تمشي على مهل ، فما من داعٍ للإستعجال فليس ثمة من هو بالإنتظار ،
شعورٌ رماديّ قاتم يجتاحها وهي تغلق الباب خلفها ، نافذة بعرض الحائط تستقبلها ،
تقترب منها ..تزيح الستارة ، وقد التفّتْ الشوارعُ في ضباب كثيف ...
تتساقط كآبة الليل حولها ، تتأمل الرذاذ ينثال بهدوءٍ وسط أضواء الرصيف الباهتة ،
خافت ..هاديء بلا ضجيجٍ يُجفّلُ النوافذ الغافية .
تعيد إغلاق الستارة ، تقترب من البيانو..تداعب أصابعهُ بضربات عشوائية تكسر بها
هذا السكون المطبق على المكان ، ما يحوّلُ الإنسان إلى حارسٍ ليليّ على نفسه
لايعرف إلا اليقظة العسكريّة ، في أجواء شتويّة الكآبة ..!
تسترخي في مقعدها الوثير ، تصغي إلى ثرثرة الذكريات من جديد ..فالليل طويل ، وفي
بلاد الضباب يتدرّج الليل بطيئاً مُتمهّلاً..حيث هواجس النفس والنوم ضداّن لا يلتقيان على
وسادة واحدة .. في قلبٍ دائم التلفُّت إلى الوراء ، قلبٌ كانت تعجبُ من تسامح القدر معه
أن غضّ الطّرف عن سعادته كل هذا العمر الممتدّ على مسافة عشرين عام ...
حين لم يكن أمامهما منذ البدء لتلك العلاقة واختيارهما لها بإصرارقلبيْن يعرفان ما يريدان ..
إلاّ استكمالها بصورتها الحلوة والفاجعة ، ومصيرها المضيء والمظلم، بعد أن اصبحا
مُحاصريْن بكل مستحيلات المكان والزمان ، ملاحقيْن بكل العيون التي تعرف حكايتهما
ولا يعرفانها ....
ولم يعُد مُجدياً ذلك التأرجح على حبال معقّدةٍ حاولا حلّ عقدها سيَلاناً على وضعهما ..
بما يتوافق وما في أغوارهما من تناغم وانسجام ..ما جعل قناعتهما تترّسخ
بأن لا فكاك من تلك المنغصات إلا بالبعد الجغرافيّ ، والذي أرسلت نظراتها فيه إلى البعيد
البعيد ...
فطالت نظراتها ، حتى قصُرَ نظرها ...وأصبح انشغالها بالحاضروالآتي الواعد
بمسرّاتٍ دافئة كافية لإنسياب الأحلام المتجمدة فيها ...يُعمي عيونها عن الماضي وما
فيه ومن فيه ...!
فحلّقتْ خلف القلب بعيداً ..وغرقتْ في ثنايا ضباب دافيء حنون ، محاولة الإندماج في
مجتمعها الجديد ، كي تشعر أنها تعيش حياة حقيقية ، وهي تعلم في قرارة نفسها أنها
مجرد محطة مؤقتة تنتظر فيها بعض الوقت ريثما تهدأ العاصفة هناك .
لكن العاصفة لم تهدأ بل ازدادتْ عصفاً ، وصلَ حدّ القطيعة ، والتي لمستها حين
حاولت وصْلَ حبال الود بعودتها بعد بضع سنين ، لتُقابل بالتجاهل والتنكُّر حتى لحقوقها
الشرعيّة فيما ترك الوالدُ والجدّان ...، وتجاهُل جعل زيارتها كزيارة سائح لآثارٍ وأطلال
خرجتْ من حياته، لتدخل التاريخ بحكم المؤبّد .
فقرّرت ترك الأمور معلّقةً على شماعة الإحتمالات ، حتى أصبحت تلك الإحتمالات وانتظارها
إطاراً جميلاً لصورة واقعها المُعاش .متخذة من استقرار أركان حياتها ، وإخلاص الشريك ،
ووضعهما الماديّ المستقرّ ،درعاً تصدّ به سهام الشوق ، وقذائف الخوف من مجهولٍ لا تدرك
أبعاده ، خصوصاً أن الأقدار شاءت حرمانها من نعمة الأمومة .
كثيراً ما كانت تتسائل في نفسها بِحيرة وألم ..مسترجعة موقف عائلتها الحاقد رغم مرور السنين .
(..لو فكّروا قليلاً ..لو حاولوا ان يعدلوا..لو أعادوا تقييم ما كانوهُ لها ، وما كانتهُ لهم ..لو عرفوا
أنها لم تنسَهُم يوماً ، وان عمراً عاشتهُ بينهم ، ستظلُّ سنينهُ تمطرُ فوق حياتها إلى الأبد .)
وأنها تحتاجهم في حياتها ، رغم وجودها في كنف هذا الفارس النبيل ، الواقف في وجه الرياح
كفارس إسبارطيّ حياتهُ معلّقة على ذؤابةِ رمحِه ، يرى أنهما أكبرمن أن يستجديا الحب أو الرضا
من أحد ، يُجدّدُ لها العهد مع كل صباح جديد ..بأنه سيظل يحبها حتى آخر يوم في عمره ..
كم كانت تظنه بعيداً ذلك اليوم ..، بعيدٌ .. بُعْدَ يوم القيامة ، والذي تسبقه إشاراتٌ وعلامات صغرى
ثم كبرى ...!
لم تكن تعرف أن إسناد الروح إلى الروح كَوسادة للأمان ، لن يطول ..وأن ليس من طبع الأقدار
منح الأمان الأبديّ ، وأن القلب قد يتحوّلُ ما بين ليلة وضحاها ، إلى مرفأ قابلٍ للإنكسار ..بعيداً
عن وهم السعادة بمعناهُ المُطلق .
هاهو لأول مرة يغيب .. دون استئذان ، أوإشعارٍ بعودة ما ..
يُغلق باب غربتها عليها ، ويُلقي بالمفتاح في بحر بعيد ..في يومٍ ما حسبتْ يوماً له حساباً
ولا توقّعتهُ بكل هذا القُرب .
وها هي يد الأقدار تمتدُّ لتمحو المكتوب في الهوية ، في حياة كان فيها هو البحر والسفينة
والمرساة ، لكنه رحل بكل أحمالِه ، وتركها في مهب القدر ..تُحاور الماضي فلا يسمع ..
والحاضر مختنقٌ في عمق المأساة ، والمستقبل خرافة مجهولة الأبطال .
تُحاولُ أن تتكيء على طيفهِ ..فتهوي إلى قاع الأوهام ...،وحيدة كشجرة مهجورة بين
أذرع العاصفة على سهل مفتوح ، مقطوعة لا جذور ولا فروع ،كأن الحياة قرّرتْ أن
تُهيّئها للجفاف فأطفأتْ من حولها الأضواء ، وقطعتْ تيّار الدّفء عن قلبها ..
وحدّدت إقامتها على هذا الشاطيء الموحش .
عامٌ طويلٌ مرّ منذ رحيلهِ ..عامٌ ثقيل يدبُّ في سنينها كألف عام ،والوقت جامدٌ لا يتحرك .
عامٌ كاملٌ من السّير فوق الزجاج المطحون ،على درب غربة القلب والروح ...
وبغربة كل الذين لا يستطيعون فعل أيّما شيء إلاّ اجترار العذاب ..راحت تتساءل ..وتسأل
الموت ..لماذا وهو العارف بهشاشة وضعها ،وشفافية أغوارها ..حرمها قوة كتف كانت
تتكيء عليها بكل عمرها وثقل غربتها !
ثم تخاطب قلبَها ، وتتوسّلهُ العودة من هناك ..بكل أحماله التي لا يمكن إغفالها .
وباتساع وجع لا مجال لمخاتلتهِ ، مع الحرص على عدم تغييب خارطة الحكاية ، ومهابط
الأحزان .
لكن القلب يرفض الإستجابة ..ويزداد التصاقاً بزمان ومكان ووجوه ٍألِفَها ..
ما زال هناك يُناور صخور الصّدور ..لعلً قطرة ندىً تنبجسُ منها ، أو برعم يخضرُّ فيها .
فللقلبِ الحزين مهاراته في اقتناء الهزائم والخسارات ، واحتواء الجراح ..حين يكون قد تشبّعَ
بروقاً ورعوداً ، ولم يعُدْ فيه ما يُصعَق، بعد أن تحلّلَ إلى رمادٍ تذروه رياح الغربة بعيداً ...
فلا يحطُّ إلاّ على غياب ...!!
نجاح عيسى / 18/ 4/ 2013
تعليق