مرتبك هذا الصباح ، القلق يغلف الأجواء رغم حبات الندى العالقة على أوراق ياسمينة متيمة بحب الشام .. ليس من عادة الشمس النوم حتى ساعة متأخرة من الضحى ، ربما هي متخفية خلف الضباب ، أو لعله ليس ضبابا بل ضبابية في الرؤيا.. أوتخافُ أن يصطادها قناص بهوية أسد؟
قبل اشتعال الثورة ، كانت تجمعنا هناك في ساحة الدار مناسبات لا تنسى.. كانت الحكايا والمواويل والطرائف تزين المساءات ، عبث الأطفال وصراخهم في الأفراح والأعياد لا زال يتردد صداه حتى فترة قريبة ، لكن هذا كله حزم حقائبه وسافر في المدى ، تاركا مكانه لفراغ ينتهكه أزيز طائش وتفجيرات جبانه..
لم أكن أعلم ماذا يعمل بالضبط ، كل ما أعلمه أنه كان قيادة قطرية في حزب البعث يعمل بوظيفة رسمية مع الداخلية ، كان رؤوما محبا لطيفا ، علاقته بأمي كانت مثالية ، أبي ليس له مثيل..
بعد اندلاع الثورة تعصب وانحاز تماما لكل ما يؤيد النظام الحاكم .. قتل الكثير من أهل أمي.. وكان في كل مره يمنعنا من المشاركة في تقديم واجب العزاء والمواساة ، فكانت أمي تبكي وتضمني أنا واختي وأخي بصمت ، ونشاركها الحزن
الأمريكان اغتصبوا النساء في العراق وقاموا بتعرية الرجال في أبو غريب.. لكن في سوريا ارتكب النظام الفعلين.. صبح أمس تم نسف بيت خالتي بالكامل ، وذبح الكثير من أهل قرية أمي.. التي بدأت بالصراخ والعويل ، إذ لم يعد البكاء بصمت يجدي.. حينها اكتشفت أن أمي سنية ، بينما والدي كان من الطائفة العلوية..
وقامت معركة إسقاط حقيقية بين أبي وأمي .. في البداية انفصلت عنه في غرفة مستقله ، ثم تطور الأمر وطلبت الطلاق .. صرخ أبي: ( إي بطلقك بطلقك)
وذات مساء ماطر عاد قبل موعده ، كان يخفي شيئا ما ، يمشي بشكل مضطرب ، لفت نظري فتبعته بهدوء.. وبعد أن دخل غرفته وقفت خلف النافذ المطلة على البحرة.. أزحت الستار قليلا فرأيته يسن سكينا كبيره!.. تلبسني الرعب.. ركضت إلى أمي ، ضممتها وطلبت منها أن نهرب ، لكنها بسملت وبدأت بقراءة آيات من القرآن تحفظها ، رجوتها جثوت عند أقدامها لكنها لم تصغ..
انفتح الباب بقوة محدثا صوتا مخيفا سحب من أحشائي صرخة مدوية ، استيقظ أخي سالم ذو الست سنوات وأختي مي ذات الأربع سنوات بهلع يملأ عيونهما.. أبي يتقدم مزمجرا "ولك تعي بدي طلقك هلى ".. سحبها من شعرها ونحن نصرخ نمسك بأطرافها.. لم أحتمل المشهد ، وقت وضع السكين على رقبتها جريت بلا وعي إلى خارج المنزل..
تابعت وتتبعت على مدار عدة ليال قوافل النازحين ، بين الوديان والأحراش والضباع ، أتحسس رقبتي وكأن الحياة تحولت لنافورة دماء ، العناية الإلهية وضعتني بطريق عجوز شهم ، كانت ملابسي خفيفة ، وكنت أنتفض وجسدي النحيل ، السماء تبكي حالنا بغزارة والأرض زلقة ، الطين الملتصق بحذائي كان أكثر من أن أستطيع التحرك به بسهولة..
حين فتحت عيني وجدتني في خيمة ، ارتعدت وبدأت أجول بناظري وأنا أحاول الاعتدل جالسة ، لم أستطع ، صرخت من شدة الألم ، زاد رعبي حينما لمحت دماء على ملابسي وقد تمزقت من عدة جهات ، ربت على كتفي: يا ابنتي، انتفضت .. مد يده برصاصة.. احتفظي بهذه فقد استخرجناها من فخذك..
أين.. أمي؟.. سالم ، مي.. أين هم؟ وشرعت بالبكاء من جديد..
في مخيم على حدود الأردن ، بمساعدة عصا انتصبت على باب الخيمة ، هالني ما رأيت.. من خارج الوعي باتجاه الباب الرئيسي ، هنا الكثير من الشيوخ والنساء والأطفال .. هربوا من ذبح إلى ذبح مجفف الدماء.
أزداد رعبي بعدما علمت أن النظام أرسل مجموعة شبيحة لإلقاء كميات من العقارب والثعابين على مقربة من المخيمات .. يا إلهي
هناك جثث الحرية.. وماء الخسارة هنا يلطم وجه الأرض ووجه الريح حزنا على بلاد كانت لنا!.. جثث العدالة والحقوق والمبادئ والاخلاق ، جثث كثيرة تنظر للإبادة والمجازر تحت سكين
ثورة مصلوبة من أعلى إنسانية العقل إلى أسفل حيوانية الجنون..
أصرخ أين أمي؟..
قبل اشتعال الثورة ، كانت تجمعنا هناك في ساحة الدار مناسبات لا تنسى.. كانت الحكايا والمواويل والطرائف تزين المساءات ، عبث الأطفال وصراخهم في الأفراح والأعياد لا زال يتردد صداه حتى فترة قريبة ، لكن هذا كله حزم حقائبه وسافر في المدى ، تاركا مكانه لفراغ ينتهكه أزيز طائش وتفجيرات جبانه..
لم أكن أعلم ماذا يعمل بالضبط ، كل ما أعلمه أنه كان قيادة قطرية في حزب البعث يعمل بوظيفة رسمية مع الداخلية ، كان رؤوما محبا لطيفا ، علاقته بأمي كانت مثالية ، أبي ليس له مثيل..
بعد اندلاع الثورة تعصب وانحاز تماما لكل ما يؤيد النظام الحاكم .. قتل الكثير من أهل أمي.. وكان في كل مره يمنعنا من المشاركة في تقديم واجب العزاء والمواساة ، فكانت أمي تبكي وتضمني أنا واختي وأخي بصمت ، ونشاركها الحزن
الأمريكان اغتصبوا النساء في العراق وقاموا بتعرية الرجال في أبو غريب.. لكن في سوريا ارتكب النظام الفعلين.. صبح أمس تم نسف بيت خالتي بالكامل ، وذبح الكثير من أهل قرية أمي.. التي بدأت بالصراخ والعويل ، إذ لم يعد البكاء بصمت يجدي.. حينها اكتشفت أن أمي سنية ، بينما والدي كان من الطائفة العلوية..
وقامت معركة إسقاط حقيقية بين أبي وأمي .. في البداية انفصلت عنه في غرفة مستقله ، ثم تطور الأمر وطلبت الطلاق .. صرخ أبي: ( إي بطلقك بطلقك)
وذات مساء ماطر عاد قبل موعده ، كان يخفي شيئا ما ، يمشي بشكل مضطرب ، لفت نظري فتبعته بهدوء.. وبعد أن دخل غرفته وقفت خلف النافذ المطلة على البحرة.. أزحت الستار قليلا فرأيته يسن سكينا كبيره!.. تلبسني الرعب.. ركضت إلى أمي ، ضممتها وطلبت منها أن نهرب ، لكنها بسملت وبدأت بقراءة آيات من القرآن تحفظها ، رجوتها جثوت عند أقدامها لكنها لم تصغ..
انفتح الباب بقوة محدثا صوتا مخيفا سحب من أحشائي صرخة مدوية ، استيقظ أخي سالم ذو الست سنوات وأختي مي ذات الأربع سنوات بهلع يملأ عيونهما.. أبي يتقدم مزمجرا "ولك تعي بدي طلقك هلى ".. سحبها من شعرها ونحن نصرخ نمسك بأطرافها.. لم أحتمل المشهد ، وقت وضع السكين على رقبتها جريت بلا وعي إلى خارج المنزل..
تابعت وتتبعت على مدار عدة ليال قوافل النازحين ، بين الوديان والأحراش والضباع ، أتحسس رقبتي وكأن الحياة تحولت لنافورة دماء ، العناية الإلهية وضعتني بطريق عجوز شهم ، كانت ملابسي خفيفة ، وكنت أنتفض وجسدي النحيل ، السماء تبكي حالنا بغزارة والأرض زلقة ، الطين الملتصق بحذائي كان أكثر من أن أستطيع التحرك به بسهولة..
حين فتحت عيني وجدتني في خيمة ، ارتعدت وبدأت أجول بناظري وأنا أحاول الاعتدل جالسة ، لم أستطع ، صرخت من شدة الألم ، زاد رعبي حينما لمحت دماء على ملابسي وقد تمزقت من عدة جهات ، ربت على كتفي: يا ابنتي، انتفضت .. مد يده برصاصة.. احتفظي بهذه فقد استخرجناها من فخذك..
أين.. أمي؟.. سالم ، مي.. أين هم؟ وشرعت بالبكاء من جديد..
في مخيم على حدود الأردن ، بمساعدة عصا انتصبت على باب الخيمة ، هالني ما رأيت.. من خارج الوعي باتجاه الباب الرئيسي ، هنا الكثير من الشيوخ والنساء والأطفال .. هربوا من ذبح إلى ذبح مجفف الدماء.
أزداد رعبي بعدما علمت أن النظام أرسل مجموعة شبيحة لإلقاء كميات من العقارب والثعابين على مقربة من المخيمات .. يا إلهي
هناك جثث الحرية.. وماء الخسارة هنا يلطم وجه الأرض ووجه الريح حزنا على بلاد كانت لنا!.. جثث العدالة والحقوق والمبادئ والاخلاق ، جثث كثيرة تنظر للإبادة والمجازر تحت سكين
ثورة مصلوبة من أعلى إنسانية العقل إلى أسفل حيوانية الجنون..
أصرخ أين أمي؟..
تعليق