أين أمي...!../وفاء عرب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • وفاء الدوسري
    عضو الملتقى
    • 04-09-2008
    • 6136

    أين أمي...!../وفاء عرب

    مرتبك هذا الصباح ، القلق يغلف الأجواء رغم حبات الندى العالقة على أوراق ياسمينة متيمة بحب الشام .. ليس من عادة الشمس النوم حتى ساعة متأخرة من الضحى ، ربما هي متخفية خلف الضباب ، أو لعله ليس ضبابا بل ضبابية في الرؤيا.. أوتخافُ أن يصطادها قناص بهوية أسد؟
    قبل اشتعال الثورة ، كانت تجمعنا هناك في ساحة الدار مناسبات لا تنسى.. كانت الحكايا والمواويل والطرائف تزين المساءات ، عبث الأطفال وصراخهم في الأفراح والأعياد لا زال يتردد صداه حتى فترة قريبة ، لكن هذا كله حزم حقائبه وسافر في المدى ، تاركا مكانه لفراغ ينتهكه أزيز طائش وتفجيرات جبانه..
    لم أكن أعلم ماذا يعمل بالضبط ، كل ما أعلمه أنه كان قيادة قطرية في حزب البعث يعمل بوظيفة رسمية مع الداخلية ، كان رؤوما محبا لطيفا ، علاقته بأمي كانت مثالية ، أبي ليس له مثيل..
    بعد اندلاع الثورة تعصب وانحاز تماما لكل ما يؤيد النظام الحاكم .. قتل الكثير من أهل أمي.. وكان في كل مره يمنعنا من المشاركة في تقديم واجب العزاء والمواساة ، فكانت أمي تبكي وتضمني أنا واختي وأخي بصمت ، ونشاركها الحزن
    الأمريكان اغتصبوا النساء في العراق وقاموا بتعرية الرجال في أبو غريب.. لكن في سوريا ارتكب النظام الفعلين.. صبح أمس تم نسف بيت خالتي بالكامل ، وذبح الكثير من أهل قرية أمي.. التي بدأت بالصراخ والعويل ، إذ لم يعد البكاء بصمت يجدي.. حينها اكتشفت أن أمي سنية ، بينما والدي كان من الطائفة العلوية..
    وقامت معركة إسقاط حقيقية بين أبي وأمي .. في البداية انفصلت عنه في غرفة مستقله ، ثم تطور الأمر وطلبت الطلاق .. صرخ أبي: ( إي بطلقك بطلقك)
    وذات مساء ماطر عاد قبل موعده ، كان يخفي شيئا ما ، يمشي بشكل مضطرب ، لفت نظري فتبعته بهدوء.. وبعد أن دخل غرفته وقفت خلف النافذ المطلة على البحرة.. أزحت الستار قليلا فرأيته يسن سكينا كبيره!.. تلبسني الرعب.. ركضت إلى أمي ، ضممتها وطلبت منها أن نهرب ، لكنها بسملت وبدأت بقراءة آيات من القرآن تحفظها ، رجوتها جثوت عند أقدامها لكنها لم تصغ..
    انفتح الباب بقوة محدثا صوتا مخيفا سحب من أحشائي صرخة مدوية ، استيقظ أخي سالم ذو الست سنوات وأختي مي ذات الأربع سنوات بهلع يملأ عيونهما.. أبي يتقدم مزمجرا "ولك تعي بدي طلقك هلى ".. سحبها من شعرها ونحن نصرخ نمسك بأطرافها.. لم أحتمل المشهد ، وقت وضع السكين على رقبتها جريت بلا وعي إلى خارج المنزل..
    تابعت وتتبعت على مدار عدة ليال قوافل النازحين ، بين الوديان والأحراش والضباع ، أتحسس رقبتي وكأن الحياة تحولت لنافورة دماء ، العناية الإلهية وضعتني بطريق عجوز شهم ، كانت ملابسي خفيفة ، وكنت أنتفض وجسدي النحيل ، السماء تبكي حالنا بغزارة والأرض زلقة ، الطين الملتصق بحذائي كان أكثر من أن أستطيع التحرك به بسهولة..
    حين فتحت عيني وجدتني في خيمة ، ارتعدت وبدأت أجول بناظري وأنا أحاول الاعتدل جالسة ، لم أستطع ، صرخت من شدة الألم ، زاد رعبي حينما لمحت دماء على ملابسي وقد تمزقت من عدة جهات ، ربت على كتفي: يا ابنتي، انتفضت .. مد يده برصاصة.. احتفظي بهذه فقد استخرجناها من فخذك..
    أين.. أمي؟.. سالم ، مي.. أين هم؟ وشرعت بالبكاء من جديد..
    في مخيم على حدود الأردن ، بمساعدة عصا انتصبت على باب الخيمة ، هالني ما رأيت.. من خارج الوعي باتجاه الباب الرئيسي ، هنا الكثير من الشيوخ والنساء والأطفال .. هربوا من ذبح إلى ذبح مجفف الدماء.
    أزداد رعبي بعدما علمت أن النظام أرسل مجموعة شبيحة لإلقاء كميات من العقارب والثعابين على مقربة من المخيمات .. يا إلهي
    هناك جثث الحرية.. وماء الخسارة هنا يلطم وجه الأرض ووجه الريح حزنا على بلاد كانت لنا!.. جثث العدالة والحقوق والمبادئ والاخلاق ، جثث كثيرة تنظر للإبادة والمجازر تحت سكين
    ثورة مصلوبة من أعلى إنسانية العقل إلى أسفل حيوانية الجنون..
    أصرخ أين أمي؟..
    التعديل الأخير تم بواسطة وفاء الدوسري; الساعة 25-04-2013, 19:25.
  • وفاء الدوسري
    عضو الملتقى
    • 04-09-2008
    • 6136

    #2
    في أحيان كثيرة أعتقد أن ثمن اليقظة الظلام الدائم!..

    تعليق

    • وفاء الدوسري
      عضو الملتقى
      • 04-09-2008
      • 6136

      #3


      نحن ننجب الكثير من "الأقلام" لترسم مع كل حرف طعنة
      وكل كلمة لعنة
      خلف كل باب فضيحة
      فوق كل سطر فاعل
      تحت كل غطاء مفعول به
      وننجب القليل من "الكراهية" للمال
      للمكر للشياطين





      تعليق

      • وفاء الدوسري
        عضو الملتقى
        • 04-09-2008
        • 6136

        #4
        عندما حطم الظلام النافذة، وابتلعت الريح الباب.. توشحت الذاكرة بالبياض!..
        التعديل الأخير تم بواسطة وفاء الدوسري; الساعة 26-04-2013, 21:47.

        تعليق

        • وفاء الدوسري
          عضو الملتقى
          • 04-09-2008
          • 6136

          #5
          بعد يقظة الشمس انتفضت الحرية من تحت الظلام.. لكن بلا رأس!..

          تعليق

          • نادية البريني
            أديب وكاتب
            • 20-09-2009
            • 2644

            #6
            المبدعة وفاء
            الوضع منفّر هنا وهناك من المشرق إلى المغرب
            الوجوه فاغرة الأفواه:تدعو إلى السّلم إلى الحريّة إلى الحقّ في الحياة؟
            أين أمّي؟ الرّحم الذي أنبتني في أحشائه؟الوطن الجريح الذي يذبح كلّ يوم بيد أبنائه؟
            كيف نرنو إلى الخلاص؟وهناك في مطابخهم يعدّون وجبات من لحومنا ليأكلوها على مهل وهم يتوسّدون أرضنا ويتحفون سماءنا؟
            دمت بهذا الإبداع وفاء

            تعليق

            • محمد فطومي
              رئيس ملتقى فرعي
              • 05-06-2010
              • 2433

              #7
              نصّ يحلم بالثّورة التي أجهضتها ثورة.
              أعبّر عن إعجابي و أمضي.
              مدوّنة

              فلكُ القصّة القصيرة

              تعليق

              • يحيى البحاري
                أديب وكاتب
                • 07-04-2013
                • 407

                #8
                قصة تعبر عن عدم ترابط الأمة الواحدة وتباينها في الآراء والمذاهب ومعالجة ذلك بالفجور و الخصام.
                احترامي للأديبة وفاء

                التعديل الأخير تم بواسطة يحيى البحاري; الساعة 29-04-2013, 07:22.

                تعليق

                • عبد الرحيم محمود
                  عضو الملتقى
                  • 19-06-2007
                  • 7086

                  #9
                  أشيد بالقلم الذي كتب بلغة عالية الوتيرة راقية انتقاء الحروف والألفاظ ، هناك أرى انحيازا في الموقف يسوغه حرية الرأي ، وحرية التفسير ، وحرية الموقف ، وهذا من حقك ، ولكني لم أر صور اللحى التي تذبح وترفع التكبير من حناجر متعطشة للدم ولجهاد النكاح ، أشكرك للسماح لي بإبداء رأيي / تحيتي .
                  نثرت حروفي بياض الورق
                  فذاب فؤادي وفيك احترق
                  فأنت الحنان وأنت الأمان
                  وأنت السعادة فوق الشفق​

                  تعليق

                  • وفاء الدوسري
                    عضو الملتقى
                    • 04-09-2008
                    • 6136

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة نادية البريني مشاهدة المشاركة
                    المبدعة وفاء
                    الوضع منفّر هنا وهناك من المشرق إلى المغرب
                    الوجوه فاغرة الأفواه:تدعو إلى السّلم إلى الحريّة إلى الحقّ في الحياة؟
                    أين أمّي؟ الرّحم الذي أنبتني في أحشائه؟الوطن الجريح الذي يذبح كلّ يوم بيد أبنائه؟
                    كيف نرنو إلى الخلاص؟وهناك في مطابخهم يعدّون وجبات من لحومنا ليأكلوها على مهل وهم يتوسّدون أرضنا ويتحفون سماءنا؟
                    دمت بهذا الإبداع وفاء
                    قلم الرفعة، والألق، الجمال.. الأديبة: نادية البريني

                    مساؤك أيكٌ، ومروج،وساقية،وحدائق زهرٍ

                    لا عاقل هنا يوافق العقل ولا جاهل هناك يوافق الجهل العاقل.......
                    برأس السيف يرسم خطا مستقيما
                    ينطبق على مستقيم ولا ينطبق على خط معوج
                    خارج على المعوج وعلى المستقيم

                    محبتي تسبق تحيتي.. والشكر

                    تعليق

                    • وفاء الدوسري
                      عضو الملتقى
                      • 04-09-2008
                      • 6136

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
                      نصّ يحلم بالثّورة التي أجهضتها ثورة.
                      أعبّر عن إعجابي و أمضي.

                      بداية أشكرك على التثبيت الأستاذ: محمد فطومي

                      سرني إعجابك بالنص وثناؤك عليه فلك الشكر

                      نحن شعب نتقن الاختلاف قبل البناء حد الفرقة والحقد والتباغض
                      على سراب
                      على خيال الظل
                      على ماء بلا ماء

                      نحن شعوب الصمت حد الانفجار
                      ثم الثورات حد الجنون!..

                      كل التقدير
                      التعديل الأخير تم بواسطة وفاء الدوسري; الساعة 29-04-2013, 13:25.

                      تعليق

                      • وفاء الدوسري
                        عضو الملتقى
                        • 04-09-2008
                        • 6136

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة يحيى البحاري مشاهدة المشاركة
                        قصة تعبر عن عدم ترابط الأمة الواحدة وتباينها في الآراء والمذاهب ومعالجة ذلك بالفجور و الخصام.
                        احترامي للأديبة وفاء

                        شكراً لانطباعك الزاهي استاذ: يحيى

                        المقارعة بين الحق والباطل مستمرة إلى يوم الدين..
                        وليس الكل يتقبل الحق خاصة عندما يكون ضده..
                        فيثور ويثور ثم يخسر ويخسر..
                        حتى يتلاشى تماما ، ولا يبقى
                        سوى آثار جعجعات لا ترضي الضجيج!..

                        كل التقدير

                        تعليق

                        • وفاء الدوسري
                          عضو الملتقى
                          • 04-09-2008
                          • 6136

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة عبد الرحيم محمود مشاهدة المشاركة
                          أشيد بالقلم الذي كتب بلغة عالية الوتيرة راقية انتقاء الحروف والألفاظ ، هناك أرى انحيازا في الموقف يسوغه حرية الرأي ، وحرية التفسير ، وحرية الموقف ، وهذا من حقك ، ولكني لم أر صور اللحى التي تذبح وترفع التكبير من حناجر متعطشة للدم ولجهاد النكاح ، أشكرك للسماح لي بإبداء رأيي / تحيتي .
                          الشاعر:عبد الرحيم محمود

                          أشكرك على الإشادة ..
                          وشكرا لأنك لم تراني هنا مشروع أديبة!..

                          قلت: (لم أر صور اللحى التي تذبح وترفع التكبير من حناجر متعطشة للدم ولجهاد النكاح)

                          وأنا أيضا لم أرها ، فإن كنت تراها أنت فاكتب لنقرأ نصك!..

                          تحية وتقدير
                          التعديل الأخير تم بواسطة وفاء الدوسري; الساعة 30-04-2013, 13:22.

                          تعليق

                          • أمين خيرالدين
                            عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
                            • 04-04-2008
                            • 554

                            #14
                            المبدعة وفاء
                            الأم سوريا، والشعب هو الأخوة
                            هذا هو حالنا في الشرق والغرب
                            يخططون لنا ويحتلوننا ونذبح بعضنا بعضا
                            قصة محزنة ، لأحداث أكثر إيلاما البداية والسرد المتسلسل الرائع
                            والأحداث المتتالية بوتيرة مؤلمة ،
                            واللغة العذبة والقفلة الجميلة تزيد النص ابداعا جميلا ورفيعا
                            تخيم على الهدف علامة سؤال كبيرة
                            مَنْ القاتل ومن القتيل.. ولماذا.. وإلى متى...
                            ومع كل هذه الأسئلة تظل كلمة
                            كفى تلاحقنا
                            يكفي القصة روعتها الإبداعية والمتعة التي تتركها في نفس القارئ
                            وبعد القراءة يأتي الدعاء ألى الله والى العقل
                            أن يُصْلح الحال في سوريا الحبيبة وفي كل بلاد العُرب
                            إلى ما هو أحسن
                            تحياتي
                            التعديل الأخير تم بواسطة أمين خيرالدين; الساعة 01-05-2013, 09:06.
                            [frame="11 98"]
                            لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

                            لكني لم أستطع أن أحب ظالما
                            [/frame]

                            تعليق

                            • عبدالله محمد عبدالله
                              أديب وكاتب
                              • 10-02-2013
                              • 365

                              #15
                              الأخت وفاء
                              قصة من رحم الواقع أحسنت فيها رسمه وتصويره
                              بقلم إبداع
                              عشنا المرارة
                              "ولا بد لليل أن ينجلي"
                              من روائعك
                              فأحسنت
                              والسلام عليكم ورحمة الله وبركانه

                              تعليق

                              يعمل...
                              X