ليلة (البيضا) الأخيرة
قال الشاعر الألماني شيلر : الأرواح العظيمة تعاني في صمت
وأقول : الأقلام العظيمة تلتزم الصمت ، حين يكون الموقف أعظم
فأي كلام يقال يا بيضاء ، حين تصبح الأجساد طريقاً للحفاظ على ابتسامتك ، وصرختك ، وأغنيتك .
.
.
.
وأقول : الأقلام العظيمة تلتزم الصمت ، حين يكون الموقف أعظم
فأي كلام يقال يا بيضاء ، حين تصبح الأجساد طريقاً للحفاظ على ابتسامتك ، وصرختك ، وأغنيتك .
.
.
.
حواجزٌ لا نهائية أمامه ، ارتفاعاتٌ وانخفاضات ، شمسٌ حارقةٌ في بداية مايو ، شمسٌ أبت أن تكون باردة على الأجساد ، أو لطيفة كما يجب لها أن تكون في مثل هذا الوقت من العام .
لكنه كان يلبس قميصاً بأكمام ، يرتجف جسده كأنه في سيبيريا ، ويتقي أمطاراً وهمية ليس لها أي أثرٍ في المكان ، يسمع صوت الرعد وحده ، فيجفل ، ويرى البرق خاطفاً فيغمض عينيه ألماً ، يمضي في طريقه متسلقاً ، يبحث عن غايته ، رأى نفسه بروميثيوس يواجه غضب الآلهة ، سمع عن عقابه لأنه يحب أن يقرأ ، لطالما رأى في الأساطير اليونانية فرصة ليطير معهم ، ويرى جبروت أبطالهم ، قال لنفسه يوماً : حتى آلهتهم تموت ، وتمتم في أعماقه ما لم يسمعه غيره : فلمِ آلهتنا لا تموت ؟ وتذكر قاتله.
قالت له أمه –ذات حياة – أما يكفينا ما حدث ؟
فقال رغم طفولته : أما كفى بسطام جرح عنترة !
لم ترد ، ولم تمنعه من الخروج ، ولم تمنع عنه فطور الصباح أو كأس الشاي ، ما كان أصلاً يملك غير حنجرته ، عرفه الحي كله بصوته ، قالوا له : ربما لو كان الظرف يختلف لأصبحت مطرباً .
فقال : لو كان الظرف يختلف لما غنيت .
كان يغني كل يوم ، وهم يهتفون وراءه ، ويبكون . حتى عندما جاء أحد المخبرين ، قال لوالده همساً :
احفظ لسان ابنك قبل أن ..
ولم يكمل .. لكن قاووش لم يفارق ذاكرة الوالد ، فرد بصوت كالمبحوح ، سأفعل .
ولم يفعل ، ذاك أن طفولة أحمد كانت تخترق الحواجز كلها ، لتفرض على الكون رجولة لا تعترف بسن البلوغ ، ووقفة لا تعرف قوانين الانحناء ، وصلابة تكسر كل فيزياء الكون .
جرب أهل الحي أن يصمتوا ، أن يتوقفوا عن الغناء لليلة ، كانت الليلة بالصدفة ليلة زفاف (منى) ، غنت لها صديقتها : "يا عروس ريتها مباركة الحنة "
وسمعت صوت انفجارٍ فأكملت :" يلي سبيتي الحواري الساكنة الحنة " أو الجنة .. لم تدرِ أيهما أقرب ..
صرخت نساء البلدة فيها : اصمتي يا أنتِ ، خلّي الليلة تمضي على خير
قالت العروس : لن يسمعوا هتافنا ، ثم أنه موال عرسٍ لا أكثر .
ردت الجدران : سيسمعون .
وصمَّت الجدران أذنيها حين سمعت صراخ الحضور ، ثم تكسر كبرياؤها حين دوت القذائف في الأجساد الحية ، ثم انهارت خجلاً حين رأت عذرية منى تسقط أمام قاتليها ، قال الجدار للجدار :
ليتهم قتلوها .
فقال الجدار : بل ليتهم قتلوه قبل أن يراها هكذا .
ولم يخيبوا ظنهما ، فقتلوهما ..
ومن يومها ، لم يعد يُسمع صوت الغناء في القرية وما عاد أحمد يبتسم .
بعد دقائق طويلة ظنها دهراً ، وصل أحمد إلى قمة التلة ، نظر حوله حتى رأى أمه .
كانت هناك ، في نهاية تلٍ كبير صنع من الأجساد المسجاة ، عن يمينها جارته أم وائل ، وعن يسارها يد زوجها وشيء من بقاياه ، والسماء كانت تمطر رصاصاً ، والأرض تقطر دماً ، والبلدة تنضح صمتاً ، والأشياءُ ، والأشلاءُ ، والترابُ امتزجوا ، لتصبح الأرض أكبر ، والتربة أقسى ، والبيضا تحمل الألوان كلها إلا اسمها .
لم يعانق والدته ، ولم يحتضن الجسد المسجى ، لأن الرأس وحدها كانت بارزة بين الأجساد ، جلس ورأسها بين ذراعيه ، ألقى نظرة طويلة إلى الأفق الأحمر ، وصدح بالغناء وحده ، كما لم يفعل من قبل أبدا ..
***
أحمد عيسى
تعليق