أريده على شكل امرأة أو بندقية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد الشرادي
    أديب وكاتب
    • 24-04-2013
    • 651

    أريده على شكل امرأة أو بندقية

    كانت طلائع الظلام تزحف على ما تبقى من فلول ضوء النهار، فبدت كتنين عملاق يبتلع بيضة عظيمة، و كنت جالسا في جوف بيتي القصديري السقف، بيتي الذي يجاور الخواء، و يطل من خلال نوافذه على صمت سميك. كل الأصوات التي تجرؤ على اختراقه تتناهى إلى سمعي عواء ذئاب ساغبة تتأهب لملاحقة طريدة شريدة.في إحدى الزوايا المسكونة بالألم...و الكآبة ، تنتصب شمعة تحاول عبثا محو العتمة التي تتساقط داخل البيت كسفا داجية تشذر ضوءها الباهت إلى بقع متنائية، فيتحول الليل إلى ضيف ثقيل، و وحش مرعب يقتات على وجع قلبي... يلتهم ما تبقى فيه من أقراص نور، ثم يبصقها نقطا سوداء في كل أعماقي. من السقف تتدلى عناكب سوداء في استعراض بهلواني مستفز، بينما أخرى تتراكض على الجدران...تمعن النظر في وجهي المتعب...تتهامس فيما بينها كأنها تدبر مكيدة ما. في الخارج جدجد يثقب طبلة أذني بصوته الحاد، المتواصل. و خفاش يرتطم بزجاج النافذة مصرا على أن يلفت انتباهي إلى وجهه الذميم.
    كنت جالسا أتأملني،و عيون الليل الداجية تراقبني، و مستنقع الصمت يغمرني كليا، و من ثنايا الظلام تتناسل أحزاني موجا قاتما يجرف آخر جزر السعادة في قلبي.
    كم أنا ضئيل و تافه في عمق هذا الخواء السحيق، الذي يقذفني في أحراش عزلة لامتناهية؟ وكم هو بارد،موحش،و مُعَادٍ هذا البيت اللعين. أأحرقه و أصعد الثلة.. أتفرج عليه و أقرأ أشعار هوميروس في إحراق طروادة؟

    يا إلهي الرحيم..
    أنا عبدك الضعيف الذي طوحت به،فتلقفه هذا الخواء.
    افرغ علي صبرا أستعين به على آلام وحدتي.
    و امنحني إقداما يحررني من هذا الخوف الذي يسكن دواخلي.
    و اجعل لي آية أهتدي بها في وحشة هذا التيه.

    بعد هذا الابتهال، غمرني شعور بالراحة. لكنه لم يكن سوى إحساس مؤقت، فالمتوحد يعيش الصراع الأبدي بين ذاته،و نفسه. كلما أطفأ نار الحرب بينهما أشعلت فتيلها الذات. كلما صب الماء على جذوة الجدال العنيف أطلقت شرارته النفس. من أعماقي المغمورة بالصمت، و الظلام، يأتيني صوت جارح كالسهام:

    - لن تنفعك ابتهالاتك مهما عظمت.العزلة مسخ من كائن اجتماعي إلى جرد لا يتقن إلا العيش في السراديب و الأنفاق. و حبائلها ستخنقك، و تشل فيك كل وظائف الحياة،فتصير كتلة لحم نخرة.اقرأ ما شئت من هذه الكتب،الملعونة منها،أو المباركة، التي يرضى عنها أسيادك من سدنة الفكر، أو التي لا يرضون عنها. كل هذا لن يجديك نفعا، حتى مذياعك هذا الذي لم تشغله لأسابيع، لن يشعرك بالأنس أبدا.

    هبت علي نسائمها. زارني طيفها. آه لو كانت معي! لتألقت بسمتها المشبعة بالبياض، و فتحت لي بابا مضيئة في جدار الظلام السميك، و أنقذت رغبتي في الضحك من الانقراض. لداعب صوتها المخملي أوتار قلبي...لضمتني إلى صدرها و دفأت جسدي المقرور...لملأت علي الدنيا و بددت وحشتي. لا أمان إلا عند شواطئها الدافئة. كيف السبيل إلى سواحلها المضمخة بعطر جسدها، و بحار من الصمت،و السواد تمنع وصالنا؟
    ترددت في استعمال المذياع خوفا من أن يزيدني عذابا على عذاباتي المزمنة.و مع ذلك لم أستطع أن أقاوم الفكرة.فجاءني صوت المذيعة ثقيلا كالرصاص:
    - إسرائيل تقصف غزة بكل أسلحة الموت، و القادة العرب يختلفون عن تاريخ و مكان القمة لـ ...؟
    خبر ولد في أعماقي شعورا، هو خليط من الرغبة في الضحك الممزوج بالعويل، و طرح الأسئلة:
    - كيف لهؤلاء الأقزام الذين تحركهم أياد معروفة من الخلف كعرائس بئيسة، كيف لهم أن يفيدوا الشعب...؟ حكام قرؤوا كتاب الله بالمقلوب، فصاروا أشداء فيما بينهم، رحماء بمن لعنهم الله في كل كتاب. انتدبهم الخلود ليحكموا؟! تمر بهم شعوبهم كلمى...جائعة...مهزومة، و وجوهم وضاحة، و ثغورهم باسمة.بعضهم قادته الصدف إلى سدة الحكم، و بعضهم ورثة بائسون لكيانات منهوكة، و مرهونة لغير شعوبها...ورثوا معها جنون نيرون، و سيف الحجاج... يستوزرون وزراء يتبارون في رفع أسوار المعتقلات... يتفانون في نصب المقاصل.
    حاصرتني أجواء البيت الكئيبة...ضغطت على أعصابي بشدة بالغة..لم أعد أتحمل الجلوس في جوفه الدامس، في انتظار نهار مل بياضه و تدثر بالسواد، ليتنكر لسنة التعاقب...ترجلت...وقفت بالباب...رفعت عيني إلى السماء.كان القمر هناك في كبدها متعبا...أمعنت فيه النظر...همست:
    - أنا لا أحبه هكذا مكورا...أريده على شكل امرأة أو بندقية.
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد الشرادي; الساعة 09-01-2014, 17:39.
  • ريما ريماوي
    عضو الملتقى
    • 07-05-2011
    • 8501

    #2
    رائعة.. فيها حزن ..
    بحاجة لناقد يحلل كل كلمة قيلت...
    يجب القراءة للنهاية لفهم عنوانها الغريب هذا...

    بورك القلم... عوفيت.. شكرا على الإمتاع.

    تحيتي وتقديري.


    أنين ناي
    يبث الحنين لأصله
    غصن مورّق صغير.

    تعليق

    • قاسم أسعد
      نزار الدمشقي
      • 10-04-2013
      • 242

      #3
      الفراغ وحش يأكل أروحنا وسطور اليأس لا زالت تكتب تاريخاً منذ قرون حتى لو إستحال القمر نهداً أو مدفع لا جدوى يا صديقي فلا زالت أقدمنا تخطو على الطين الطين لا التراب والقمر عالي ليس لنا منه إلا الغواية أو طلقة تنخز قلوبنا ....
      رائع هذا السرّد الجميل يمسك بالقارئ حتى أخر رشفة
      تقديري والتحية

      تعليق

      • حسن لختام
        أديب وكاتب
        • 26-08-2011
        • 2603

        #4
        دكّرني هذا النص المتقن بقصيدة "الغراب" لإدغار آلان بو. نص قوي أمسكني من رقبتي، وجعلني
        أرافقك، رغما عني، في محنتك ووحشتك وقلقك الوجودي،وأعيش معك هذا الصراع الأبدي بين اليأس والأمل، والأمل واليأس..والشك والحيرة، والخوف من المجهول
        أشكرك هلى هذا النص القوي والموجع، المضمخ بالحزن والقهر والخوف والقلق..لم يبق من أمل للسارد سوى ذكرى او طيف حبيبة يُنعش الذات المقهورة بالأمل، ويُحرّر الروح المعذبة من الأسر والألم
        محبتي وتقديري، أيها الجميل

        تعليق

        • محمد الشرادي
          أديب وكاتب
          • 24-04-2013
          • 651

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة ريما ريماوي مشاهدة المشاركة
          رائعة.. فيها حزن ..
          بحاجة لناقد يحلل كل كلمة قيلت...
          يجب القراءة للنهاية لفهم عنوانها الغريب هذا...

          بورك القلم... عوفيت.. شكرا على الإمتاع.

          تحيتي وتقديري.
          أهلا أختي ريما.
          أشكرك اختي على مرورك الجميل و إطرائك للنص.
          تحياتي

          تعليق

          • محمد الشرادي
            أديب وكاتب
            • 24-04-2013
            • 651

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة قاسم أسعد مشاهدة المشاركة
            الفراغ وحش يأكل أروحنا وسطور اليأس لا زالت تكتب تاريخاً منذ قرون حتى لو إستحال القمر نهداً أو مدفع لا جدوى يا صديقي فلا زالت أقدمنا تخطو على الطين الطين لا التراب والقمر عالي ليس لنا منه إلا الغواية أو طلقة تنخز قلوبنا ....
            رائع هذا السرّد الجميل يمسك بالقارئ حتى أخر رشفة
            تقديري والتحية

            اهلا أخي قاسم
            صحيح ما ذهبت إليه سيما و أن غربتنا مضاعفة: غربة في التاريخ المعاصر...غربة في الجغرافيا...غربة في السياسة ...غربة تطوقنا من كل جهة كسوار لا فكاك منه.
            سعيد لأن النص أعجبك.
            تحياتي

            تعليق

            • محمد الشرادي
              أديب وكاتب
              • 24-04-2013
              • 651

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة حسن لختام مشاهدة المشاركة
              دكّرني هذا النص المتقن بقصيدة "الغراب" لإدغار آلان بو. نص قوي أمسكني من رقبتي، وجعلني
              أرافقك، رغما عني، في محنتك ووحشتك وقلقك الوجودي،وأعيش معك هذا الصراع الأبدي بين اليأس والأمل، والأمل واليأس..والشك والحيرة، والخوف من المجهول
              أشكرك هلى هذا النص القوي والموجع، المضمخ بالحزن والقهر والخوف والقلق..لم يبق من أمل للسارد سوى ذكرى او طيف حبيبة يُنعش الذات المقهورة بالأمل، ويُحرّر الروح المعذبة من الأسر والألم
              محبتي وتقديري، أيها الجميل
              أهلا أخي حسن
              بالطبع هي مشاعر القهر التي عشتها في جبال الأطلس سنة 1982. العزلة عن الناس ... عن الأحبة ... عزلة فسطين في هذه السنة، عزلة توجت بحرب لبنان القذرة التي توجت بمأساة صبرا و شاتيلا.
              شكرا أخي حسن على مواكبة ما أكتب.
              تحياتي
              التعديل الأخير تم بواسطة محمد الشرادي; الساعة 20-12-2013, 14:14.

              تعليق

              • محمود قباجة
                أديب وكاتب
                • 22-07-2013
                • 1308

                #8
                القدير الشرادي
                نص موجع ينثر واقع تعيشه الامة
                أناس يقتلون تحت الركام و القذائف الفسفورية
                وحكام مختلفون على مكان اجتماع لهم معلوم النتيجة
                و الاسوا زعماء بلا شعوب تحبهم
                فرضوا انفسهم بالمشانق و السجون السرية





                راق لنا النص



                تقديري

                تعليق

                • سلمان الجاسم
                  أديب وكاتب
                  • 07-02-2011
                  • 122

                  #9
                  الأستاذ / محمد الشرادي
                  هكذا علمتنا نصوصك علينا أن نغوص في الأعماق... بداية من العنوان الذي جاء قفلة النهاية !! والذي أجده مطابقا جداً للنص ولرسالته ..
                  شدني نصك شدا .. وأعجبني السرد ، والذي زاد من إعجابي أكثر هدفك ورسالتك التي أوصلتها بجدارة .. واقع أمة مريض !! صراعات ... حكام طغاة !!
                  هل يا ترى قصدت المرأة هنا الحرية ؟!
                  لا أملك إلا أن أقول لك : أنت رائع أستاذ !!!

                  تعليق

                  • محمود عودة
                    أديب وكاتب
                    • 04-12-2013
                    • 398

                    #10
                    قصة قوية ومعبرة أحسست وانا اتابع القصة بشعور البطل بالوحدة والفراغ القاتل وسط اصوات الوحوش والطيور ومحاكاة القمر انما هي تعبر عن احساس الأنسان الفلسطيني بالوحدة لشعوره بانه وحيدا امام جبروت الهجمة الصهيونية وهذا ما شعرت به من العنوان والخاتمة وما ورد من خلال السرد بالقصف واجتماع القمة العربية ..
                    تحياتي لك على هذه القصة الرائعة
                    التعديل الأخير تم بواسطة محمود عودة; الساعة 27-12-2013, 17:04.

                    تعليق

                    • فاطمة يوسف عبد الرحيم
                      أديب وكاتب
                      • 03-02-2011
                      • 413

                      #11
                      الأستاذ محمد

                      نص ممتع ومحاكاة لواقع الأمة المؤلم

                      لو اخترقنا قلب كل مواطن شريف لقرأنا في دواخله هذه الملحمة من حرق الذات

                      لو كنت مكانت لاخترت عنوانا آخر أريده "امرأة تحمل بندقية "

                      نص ممتع وخاصة لغة السرد التي تجذب القلرئ لمتابعة القراءة بشغف

                      مع تقديري
                      التعديل الأخير تم بواسطة فاطمة يوسف عبد الرحيم; الساعة 05-01-2014, 11:09.

                      تعليق

                      • محمد الشرادي
                        أديب وكاتب
                        • 24-04-2013
                        • 651

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة محمود قباجة مشاهدة المشاركة
                        القدير الشرادي
                        نص موجع ينثر واقع تعيشه الامة
                        أناس يقتلون تحت الركام و القذائف الفسفورية
                        وحكام مختلفون على مكان اجتماع لهم معلوم النتيجة
                        و الاسوا زعماء بلا شعوب تحبهم
                        فرضوا انفسهم بالمشانق و السجون السرية




                        راق لنا النص



                        تقديري
                        أهلا اخي محمود
                        ليتهم لم و لن يجتمعوا فكلما اجتمعوا إلا و اجتمعوا على توسيع رقعة الخلافات...اجتمعوا الفتنة و المزيد من الانبطاح.
                        شكرا اخي على مرورك الجميل.
                        تحياتي

                        تعليق

                        • محمد الشرادي
                          أديب وكاتب
                          • 24-04-2013
                          • 651

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة سلمان الجاسم مشاهدة المشاركة
                          الأستاذ / محمد الشرادي
                          هكذا علمتنا نصوصك علينا أن نغوص في الأعماق... بداية من العنوان الذي جاء قفلة النهاية !! والذي أجده مطابقا جداً للنص ولرسالته ..
                          شدني نصك شدا .. وأعجبني السرد ، والذي زاد من إعجابي أكثر هدفك ورسالتك التي أوصلتها بجدارة .. واقع أمة مريض !! صراعات ... حكام طغاة !!
                          هل يا ترى قصدت المرأة هنا الحرية ؟!
                          لا أملك إلا أن أقول لك : أنت رائع أستاذ !!!
                          أهلا أستاذ سلمان
                          أشكرك أخي على مواكبة ما اكتب، و على مرورك المحفز دائما.
                          سعيد لأن النص أعجبك.
                          تحياتي

                          تعليق

                          • محمد الشرادي
                            أديب وكاتب
                            • 24-04-2013
                            • 651

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة محمود عودة مشاهدة المشاركة
                            قصة قوية ومعبرة أحسست وانا اتابع القصة بشعور البطل بالوحدة والفراغ القاتل وسط اصوات الوحوش والطيور ومحاكاة القمر انما هي تعبر عن احساس الأنسان الفلسطيني بالوحدة لشعوره بانه وحيدا امام جبروت الهجمة الصهيونية وهذا ما شعرت به من العنوان والخاتمة وما ورد من خلال السرد بالقصف واجتماع القمة العربية ..
                            تحياتي لك على هذه القصة الرائعة
                            أهلا اخي محمود
                            تأويل منطقي جدا للنص. سعدت بهذه القراءة في انتظار أن نسعد إن شاء الله بتحرير فلسطين من دنس الصهاينة.
                            تحياتي

                            تعليق

                            • عبد السلام هلالي
                              أديب وقاص
                              • 09-11-2012
                              • 426

                              #15
                              نعم أخي محمد،
                              ما زلت أذكر نصك الموفق هذا، ما زال مذاقه يداعب فكري منذ قراته هناك. و كان هذا تعليقي البسيط و المقتضب جدا عليه:
                              امرأة أو بندقية ، أو هما معا.
                              وكلاهما سند في غمرة الوحشة و طغيان الليل.
                              امرأة للوحدة و بندقية لتحرير الوطن.
                              من بين ميزات هذا النص الكثيرة استوقفتني لغته الأنيقة المختارة بعناية و الموظفة بذكاء لتؤسس في حد ذاتها فضاءا جماليا حتى بمعزل عن سيرورة القصة و بنائها. لغة مقتدرة كانت سندا في تقديم "مونولوغ"
                              يرحل بنا إلى تفاصيل اللحظة و أغوار الشخصية. و الصراع النفسي المحتدم داخل بطلنا خلق دينامية و حركية ملموسة .
                              تحيتي و تقديري لقلمك المبدع و فكرك الوارف أخي محمد.


                              كلمتك تعمر بعدك دهرا، فاحرص أن تكون صدقتك الجارية

                              تعليق

                              يعمل...
                              X