السلام عليكم يا أيها الأحبة الأفاضل ..
منذ مدة قررت أن أكتب رواية مستمدة من التأريخ الحديث ( الثلاثمائة سنة الماضية) للجزيرة العربية ، وهي لشخصية حقيقية كان لها تأثير ما في أحداث تلك الفترة .. وأريد آراءكم في بداية الرواية ...
· الجبيلة سنة 1094 هـ :
ليلة ليست كأخواتها السابقات ، فيها هدوء مشوب بالحذر وكأن المرء فيها ينتظر حدثاً غير عادي ، ليلة مقمرة يكاد سنا بدرها الفضي يأخذ الألباب من شدة روعته وجماله .. شوارع الجبيلة وأزقتها تكاد تخلو من المارة إلا من له حاجة ملحّة ألجأته للخروج ، فالناس في نجد ومنها الجبيلة اعتادوا على النوم المبكر ليلاً ، فبعد صلاة العشاء بنزر يسير يكون الخلود الطبيعي للنوم ، إذ لا شيء مهم يجبر الناس على السهر خاصة أن وراءهم يوما شاقا يبدأ من الصباح الباكر ، ويحتاجون معه إلى النشاط والقوة ، والنوم المبكر ليلاً وإراحة الأجساد أحد أهم العوامل المؤثرة في ذلك النشاط وقوة البدن التي ينشدونها ..
وهناك في الطرف الجنوبي من البلدة يقع بيت مانع وهو بيت لا بأس به حجماً ونوعاً ، مانع أو الشيخ مانع كما يحلو لسكان الجبيلة مناداته صاحب متجر في وسط البلدة يبيع فيه شيئا من القماش والحلي الفضية ، وصاحب مزرعة متواضعة تنتج بعض القمح والخضروات وفيها نخيل لها طلع نضيد ، وهذه المنتجات ليست معدة للبيع وإنما للاقتناء الشخصي وما زاد يذهب للأقارب والأصدقاء والجيران ، هذا هو شأن مانع .. كان معرضاً عن الدنيا بالرغم من إقبالها عليه ، وصاحب خير لا ينقطع .. مسحة تدين يظهر أثرها عليه .. في كلامه .. في تعامله .. في نظرته للأمور ..
له ثلاثة من الولد وابنة واحدة ، وزوجته الودود حبلى وعلى وشك الولادة ، ربما الليلة أو غداً ، العلم عند الله ..
إلا أن جارته أم الخير التي كانت ملازمة لزوجته لقرب الولادة التي توشك أن تكون قطعت هذا التأمل وأخذت تنادي :
ــ يا شيخ مانع .. يا شيخ مانع .. أبشر فقد ولد لك ولد يظهر عليه سمتٌ غريب لم
أكد أراه من قبل .
نهض مانع من مكانه مستبشرا فرحاً ..
ــ الحمد لله .. الحمد لله على ما وهبنا من نعمه الجليلة وفضله العميم الذي لا يحصى ، اللهم لك الحمد ولك الشكر على ما رزقتني به من نعمة الولد ، اللهم اجعلهم أبناء بررة مباركين أينما كانوا .. بشرك ِ الله بالجنة يا أم الخير ، خذي هذا لك ..
ــ ولكن هذا كثير أيها الشيخ الوقور ..
ــ تستاهلين أكثر ، ويكفي أنك بشرتني بولادة أبنائي الأربعة .. علي وسالم وحسين وهذا
الصغير الذي قدم لتوه والذي سيحمل إسم عبدالله إن شاء الله ولذلك خذي هذا أيضا ..
ــ أشكر لك جميل صنيعك يا شيخ مانع ، فقد أغدقت عليّ الكثير ولا زلت تغدق
فجزاك الله خير الجزاء ..
ــ أشكري الله يا اختاه فهو صاحب المن والفضل وأما نحن فعبيد ضعفاء لا قوة ولا
منعة لنا إلا بتوفيق الله عز وجل .
دخل مانع حجرته بعد أن توضأ ليصلي لله شكراً له على ما وهبه من نعمة الولد ..
وأخذ يتمتم بصوت خافت تظهر معه البهجة بقدوم هذا الابن ..
ــ اللهم انك أعطيتني ولم تحرمني وأجزلت لي بفضلك الرحيب فألهمني شكر نعمتك واجعلني من عبادك الشاكرين الحامدين ..
يطرق الباب طارق .. ألا تريد رؤية ابنك يا مانع ..
ــ بلى .. بلى .. إني قادم ..
خرج مانع من حجرته بخطى تدل على ابتهاجه بولادة طفله عبدالله وهو شعور لم يكن يخالطه إلى هذا الحد عندما كان يبشر بولادة ابن له فيما مضى ، وما إن دخل حجرة زوجته إلا وتهلل وجهه بشراً وسرورا وهو يستلم ابنه ليحمله بين يديه :
ما شاء الله .. ما شاء الله .. لا قوة إلا بالله .. إن عليه سمت غريب قل نظيره فما الأمر ؟
إيــــــــــــــه .. إن غدا لناظره قريب .. يا ترى أي شيء ستكون يا عبدالله ؟ هل ستكون فارساً كأخيك علي ، أم ستكون خدوماً قائماً على قضاء حوائج المحتاجين مثل أخيك سالم ، أم لعلك تريد أن تكون مثل أخيك حسين صاحب الأدب والجمال والوسامة ....
حدسي يقول انك ستكون شيئا مختلفاً عن أخوتك ، فعليك سمت لم أره في أخوتك من قبل ، والمهم يا بني الصغير في كل الأحوال أن تكون نافعا لنفسك ومجتمعك وأمتك وهذا ما آمله وأرجوه ..
لاحظت أم الخير شحوباً باديا على وجه زوجة مانع فبادرت مانع بقولها :
ــ يا شيخ مانع أرجو أن لا ينسيك هذا الإبن الصغير أمه التي ولدته فإنها هي الخير والبركة ، أيعقل أن يلهيك هذا القطعة الصغيرة عن هذه الجوهرة المصون ..
نظر مانع إلى زوجته وهو مبتسم ومتهلل ..
ــ وهل لنا بركة إلا هذه الجوهرة المكنونة .. حمدا لله على سلامتك يا عزيزتي .. لقد
كان يوماً شاقاً إلا أن الله بمنه وكرمه يسره علينا فكنت ِ كما أراك الآن زهرة متفتحة فاحت بأعذب النسمات وأرقها ..
ــ سلمك الله يا عزيزي .. ونحمد الله أن منّ علينا بهذا الطفل الجميل .
كانت تلك ليلة ليست ككل الليالي التي مضت ولم يُرَ فيها القمر ، فقد جاءت مضيئة متلألئة بنور بدرها الفضي الذي أسر الألباب بجماله وبهائه ، وكيف لا وقد اكتمل العقد وانثنى وتوهج المكان به وأضاء ، تلك الليلة كانت من ليال السعد والهناء التي قل نظيرها في تلك البلدة البعيدة القريبة التي كان لها قدم السبق في العزة والمجد ..
كانت ( الجبيلة ) شقيقة ( للدرعية ) بمناخها وجغرافيتها وتأريخها وناسها ، امتدت مع امتداد وادي حنيفة وجاورت الدرعية وشاركتها في صنع الرجال الأفذاذ الصناديد ..
ذهب مانع إلى متجره الصغير في صبيحة اليوم التالي لولادة ابنه عبدالله ، فهو كعادته في كل يوم بعد أن يصلي الفجر وبعد أن يتناول شيئا من القهوة والتمر يذهب إلى عمله ، وهي عادة للنجديين جميعاً سار عليها مانع وغيره من أهل الجبيلة ، ولعل في ذلك استهلالا جيداً ليوم طويل شاق من الأيام النجدية الجافة بمناخها وأرضها الوعرة ، وإن تخللها شيء من اللطافة والظرف من بعض أهلها ما يضفي بردا وسلاما على مسيرة هذا اليوم الطويل الوعر ..
وأثناء ما كان مانع يمشي الهوينا وعلى وجهه آثار الاستبشار فاجأه أبو سليمان بعد أن ألقى عليه السلام ..
ــ مبارك يا مانع ما رزقت به من ولد ، نسأل الله أن يكون ولداً باراً صالحاً ..
ــ بارك الله فيك يا أبا سليمان ..
ــ ماذا أسميته يا مانع ؟
ــ لقد أسميته عبدالله تيمناً بأن يكون عبدا صالحا لله ..
ــ خيراً ما فعلت يا أخي فأحب الأسماء إلى الله عبدالله وعبدالرحمن ..
ــ عبدالله ابني وعبدالرحمن والدي ، فلله الحمد والمنة على ذلك ..
ليس بمستغرب أن يعرف أبو سليمان بخبر ولادة عبدالله بن مانع في هذا الصباح الباكر ، فقد كانت البيوت في الجبيلة متجاورة جداً لدرجة التلاصق ، حتى لتشعر كأنك في بيت واحد ، فضلا عن اجتماع أهل البلدة اليومي في المسجد .. وفي الأزقة .. وفي السوق الصغير الذي يجد المرء فيه كل ما يحتاج إليه من ضروريات الحياة التي كان الناس في الجبيلة يعيشون عليها وهي معدودة محدودة ، كما أن للتزاور الدائم بين أهل البلدة شأنا يبلغ معه أن يعرف الإنسان أحداث البلدة ساعة بساعة ، هذه هي الجبيلة شأنها شأن بقية البلدان النجدية أو اليمامية بشكل أخص ، أحداثها ويومياتها تكاد تكون هي هي ..
فتح مانع متجره وبدأ بعرض بضاعته بشكل ملفت يجذب لها الزبائن ..
وهو على هذه الحال إذ بأول الزبائن يدخل ويرمي ببصره هنا وهناك ، وبدا عليه أنه ليس من أهل الجبيلة .. وهو يجول بعينيه الغريبتين وقع بصره على قطعة لها منظر أخاذ فأخذ يقلبها بيديه ويتفحصها بتلك العينين الضيقتين ذات الرموش القصيرة ورفع بصره قائلاً :
ــ بكم هذه القطعة الأنيقة أيها الرجل الطيب ؟
ــ إنها بدون مقابل ..
وكانت إجابة غير متوقعة ، ففغر الرجل فاه ..
ــ ماذا !!!
ــ كما قلت لك .. أنها هدية .. خذها لك
ــ ولكنها قطعة ثمينة .. يبدو هذا من منظرها ..
ــ قد وهبتها لك بثمنها الغالي لأنك أول من اشترى في هذا اليوم ، وقد أخذت عهداً على
نفسي أن أهب أول مشتر ما طلبه مهما كان الثمن شكراً لله أن وهبني طفلاً جميلا
ليلة البارحة ..
ــ أوَ رزقت بمولود ؟
ــ نعم .. وأسميته عبدالله .
ــ نعم الاسم .. بارك الله لك فيه وجعله عبداً صالحاً ، وأشكرك على هذه الهدية الثمينة
أيها الرجل الطيب .
هكذا فعل مانع ويفعل دائماً ، لم يكن ليهتم بما فات عليه من الدنيا لأنه كان دائم الاحتساب لله وعلى يقين بأن الله لا يضيع أجر المحسنين .
ــ الله يبارك فيك ويتقبل دعاءك وما فعلت إلا ما شعرت أنه يوصل إلى حمد الله على
نعمه التي لا تحصى .
منذ مدة قررت أن أكتب رواية مستمدة من التأريخ الحديث ( الثلاثمائة سنة الماضية) للجزيرة العربية ، وهي لشخصية حقيقية كان لها تأثير ما في أحداث تلك الفترة .. وأريد آراءكم في بداية الرواية ...
· الجبيلة سنة 1094 هـ :
ليلة ليست كأخواتها السابقات ، فيها هدوء مشوب بالحذر وكأن المرء فيها ينتظر حدثاً غير عادي ، ليلة مقمرة يكاد سنا بدرها الفضي يأخذ الألباب من شدة روعته وجماله .. شوارع الجبيلة وأزقتها تكاد تخلو من المارة إلا من له حاجة ملحّة ألجأته للخروج ، فالناس في نجد ومنها الجبيلة اعتادوا على النوم المبكر ليلاً ، فبعد صلاة العشاء بنزر يسير يكون الخلود الطبيعي للنوم ، إذ لا شيء مهم يجبر الناس على السهر خاصة أن وراءهم يوما شاقا يبدأ من الصباح الباكر ، ويحتاجون معه إلى النشاط والقوة ، والنوم المبكر ليلاً وإراحة الأجساد أحد أهم العوامل المؤثرة في ذلك النشاط وقوة البدن التي ينشدونها ..
وهناك في الطرف الجنوبي من البلدة يقع بيت مانع وهو بيت لا بأس به حجماً ونوعاً ، مانع أو الشيخ مانع كما يحلو لسكان الجبيلة مناداته صاحب متجر في وسط البلدة يبيع فيه شيئا من القماش والحلي الفضية ، وصاحب مزرعة متواضعة تنتج بعض القمح والخضروات وفيها نخيل لها طلع نضيد ، وهذه المنتجات ليست معدة للبيع وإنما للاقتناء الشخصي وما زاد يذهب للأقارب والأصدقاء والجيران ، هذا هو شأن مانع .. كان معرضاً عن الدنيا بالرغم من إقبالها عليه ، وصاحب خير لا ينقطع .. مسحة تدين يظهر أثرها عليه .. في كلامه .. في تعامله .. في نظرته للأمور ..
له ثلاثة من الولد وابنة واحدة ، وزوجته الودود حبلى وعلى وشك الولادة ، ربما الليلة أو غداً ، العلم عند الله ..
إلا أن جارته أم الخير التي كانت ملازمة لزوجته لقرب الولادة التي توشك أن تكون قطعت هذا التأمل وأخذت تنادي :
ــ يا شيخ مانع .. يا شيخ مانع .. أبشر فقد ولد لك ولد يظهر عليه سمتٌ غريب لم
أكد أراه من قبل .
نهض مانع من مكانه مستبشرا فرحاً ..
ــ الحمد لله .. الحمد لله على ما وهبنا من نعمه الجليلة وفضله العميم الذي لا يحصى ، اللهم لك الحمد ولك الشكر على ما رزقتني به من نعمة الولد ، اللهم اجعلهم أبناء بررة مباركين أينما كانوا .. بشرك ِ الله بالجنة يا أم الخير ، خذي هذا لك ..
ــ ولكن هذا كثير أيها الشيخ الوقور ..
ــ تستاهلين أكثر ، ويكفي أنك بشرتني بولادة أبنائي الأربعة .. علي وسالم وحسين وهذا
الصغير الذي قدم لتوه والذي سيحمل إسم عبدالله إن شاء الله ولذلك خذي هذا أيضا ..
ــ أشكر لك جميل صنيعك يا شيخ مانع ، فقد أغدقت عليّ الكثير ولا زلت تغدق
فجزاك الله خير الجزاء ..
ــ أشكري الله يا اختاه فهو صاحب المن والفضل وأما نحن فعبيد ضعفاء لا قوة ولا
منعة لنا إلا بتوفيق الله عز وجل .
دخل مانع حجرته بعد أن توضأ ليصلي لله شكراً له على ما وهبه من نعمة الولد ..
وأخذ يتمتم بصوت خافت تظهر معه البهجة بقدوم هذا الابن ..
ــ اللهم انك أعطيتني ولم تحرمني وأجزلت لي بفضلك الرحيب فألهمني شكر نعمتك واجعلني من عبادك الشاكرين الحامدين ..
يطرق الباب طارق .. ألا تريد رؤية ابنك يا مانع ..
ــ بلى .. بلى .. إني قادم ..
خرج مانع من حجرته بخطى تدل على ابتهاجه بولادة طفله عبدالله وهو شعور لم يكن يخالطه إلى هذا الحد عندما كان يبشر بولادة ابن له فيما مضى ، وما إن دخل حجرة زوجته إلا وتهلل وجهه بشراً وسرورا وهو يستلم ابنه ليحمله بين يديه :
ما شاء الله .. ما شاء الله .. لا قوة إلا بالله .. إن عليه سمت غريب قل نظيره فما الأمر ؟
إيــــــــــــــه .. إن غدا لناظره قريب .. يا ترى أي شيء ستكون يا عبدالله ؟ هل ستكون فارساً كأخيك علي ، أم ستكون خدوماً قائماً على قضاء حوائج المحتاجين مثل أخيك سالم ، أم لعلك تريد أن تكون مثل أخيك حسين صاحب الأدب والجمال والوسامة ....
حدسي يقول انك ستكون شيئا مختلفاً عن أخوتك ، فعليك سمت لم أره في أخوتك من قبل ، والمهم يا بني الصغير في كل الأحوال أن تكون نافعا لنفسك ومجتمعك وأمتك وهذا ما آمله وأرجوه ..
لاحظت أم الخير شحوباً باديا على وجه زوجة مانع فبادرت مانع بقولها :
ــ يا شيخ مانع أرجو أن لا ينسيك هذا الإبن الصغير أمه التي ولدته فإنها هي الخير والبركة ، أيعقل أن يلهيك هذا القطعة الصغيرة عن هذه الجوهرة المصون ..
نظر مانع إلى زوجته وهو مبتسم ومتهلل ..
ــ وهل لنا بركة إلا هذه الجوهرة المكنونة .. حمدا لله على سلامتك يا عزيزتي .. لقد
كان يوماً شاقاً إلا أن الله بمنه وكرمه يسره علينا فكنت ِ كما أراك الآن زهرة متفتحة فاحت بأعذب النسمات وأرقها ..
ــ سلمك الله يا عزيزي .. ونحمد الله أن منّ علينا بهذا الطفل الجميل .
كانت تلك ليلة ليست ككل الليالي التي مضت ولم يُرَ فيها القمر ، فقد جاءت مضيئة متلألئة بنور بدرها الفضي الذي أسر الألباب بجماله وبهائه ، وكيف لا وقد اكتمل العقد وانثنى وتوهج المكان به وأضاء ، تلك الليلة كانت من ليال السعد والهناء التي قل نظيرها في تلك البلدة البعيدة القريبة التي كان لها قدم السبق في العزة والمجد ..
كانت ( الجبيلة ) شقيقة ( للدرعية ) بمناخها وجغرافيتها وتأريخها وناسها ، امتدت مع امتداد وادي حنيفة وجاورت الدرعية وشاركتها في صنع الرجال الأفذاذ الصناديد ..
ذهب مانع إلى متجره الصغير في صبيحة اليوم التالي لولادة ابنه عبدالله ، فهو كعادته في كل يوم بعد أن يصلي الفجر وبعد أن يتناول شيئا من القهوة والتمر يذهب إلى عمله ، وهي عادة للنجديين جميعاً سار عليها مانع وغيره من أهل الجبيلة ، ولعل في ذلك استهلالا جيداً ليوم طويل شاق من الأيام النجدية الجافة بمناخها وأرضها الوعرة ، وإن تخللها شيء من اللطافة والظرف من بعض أهلها ما يضفي بردا وسلاما على مسيرة هذا اليوم الطويل الوعر ..
وأثناء ما كان مانع يمشي الهوينا وعلى وجهه آثار الاستبشار فاجأه أبو سليمان بعد أن ألقى عليه السلام ..
ــ مبارك يا مانع ما رزقت به من ولد ، نسأل الله أن يكون ولداً باراً صالحاً ..
ــ بارك الله فيك يا أبا سليمان ..
ــ ماذا أسميته يا مانع ؟
ــ لقد أسميته عبدالله تيمناً بأن يكون عبدا صالحا لله ..
ــ خيراً ما فعلت يا أخي فأحب الأسماء إلى الله عبدالله وعبدالرحمن ..
ــ عبدالله ابني وعبدالرحمن والدي ، فلله الحمد والمنة على ذلك ..
ليس بمستغرب أن يعرف أبو سليمان بخبر ولادة عبدالله بن مانع في هذا الصباح الباكر ، فقد كانت البيوت في الجبيلة متجاورة جداً لدرجة التلاصق ، حتى لتشعر كأنك في بيت واحد ، فضلا عن اجتماع أهل البلدة اليومي في المسجد .. وفي الأزقة .. وفي السوق الصغير الذي يجد المرء فيه كل ما يحتاج إليه من ضروريات الحياة التي كان الناس في الجبيلة يعيشون عليها وهي معدودة محدودة ، كما أن للتزاور الدائم بين أهل البلدة شأنا يبلغ معه أن يعرف الإنسان أحداث البلدة ساعة بساعة ، هذه هي الجبيلة شأنها شأن بقية البلدان النجدية أو اليمامية بشكل أخص ، أحداثها ويومياتها تكاد تكون هي هي ..
فتح مانع متجره وبدأ بعرض بضاعته بشكل ملفت يجذب لها الزبائن ..
وهو على هذه الحال إذ بأول الزبائن يدخل ويرمي ببصره هنا وهناك ، وبدا عليه أنه ليس من أهل الجبيلة .. وهو يجول بعينيه الغريبتين وقع بصره على قطعة لها منظر أخاذ فأخذ يقلبها بيديه ويتفحصها بتلك العينين الضيقتين ذات الرموش القصيرة ورفع بصره قائلاً :
ــ بكم هذه القطعة الأنيقة أيها الرجل الطيب ؟
ــ إنها بدون مقابل ..
وكانت إجابة غير متوقعة ، ففغر الرجل فاه ..
ــ ماذا !!!
ــ كما قلت لك .. أنها هدية .. خذها لك
ــ ولكنها قطعة ثمينة .. يبدو هذا من منظرها ..
ــ قد وهبتها لك بثمنها الغالي لأنك أول من اشترى في هذا اليوم ، وقد أخذت عهداً على
نفسي أن أهب أول مشتر ما طلبه مهما كان الثمن شكراً لله أن وهبني طفلاً جميلا
ليلة البارحة ..
ــ أوَ رزقت بمولود ؟
ــ نعم .. وأسميته عبدالله .
ــ نعم الاسم .. بارك الله لك فيه وجعله عبداً صالحاً ، وأشكرك على هذه الهدية الثمينة
أيها الرجل الطيب .
هكذا فعل مانع ويفعل دائماً ، لم يكن ليهتم بما فات عليه من الدنيا لأنه كان دائم الاحتساب لله وعلى يقين بأن الله لا يضيع أجر المحسنين .
ــ الله يبارك فيك ويتقبل دعاءك وما فعلت إلا ما شعرت أنه يوصل إلى حمد الله على
نعمه التي لا تحصى .
تعليق