بائع النسيان
ومعك ، كنت أنسى حظي العاثر.
أنسى أني فتاة خلقت كي تشقى فقط!
عسيرة كنت بكل شيء فحتى يدي عسراء!
وكل شيء يناقض رغباتي، وكثيرا ما كنت أكاد أفقد الدفة حين أود فعل شيء ما فيعاكسني الحظ ليكون ضدي!
أذكر جيدا يوم حدثت صويحباتي:
- أنا لن أجد الحب يوما!
ساذجة حقا كنت يومها، لم أك أدري أنه ينتظرني خلف باب عمري الغض ، يطرقه بإصرار ليسكن بين نوافذ قلبي ويستقر على جدرانه، يقبع كلطخة على طاولة أيامي، متحديا إياي.
اوه .. هل مر وقت طويل مذ استغنيت عن فنجان قهوتي ، لأقضيه مع شخص ما!؟
أناغيه وأفرغ في جعبته كل احلامي الصغيرة المستحيلات!
هه،, أنا لم أحدثكم عن جنوني بقهوتي الصباحية، وكونها تشكل بداية عالمي، مذاقا يريح طوايا قلبي المتعبة طوال سنين عمري الفتية التي أظنها لم تستوف شروط الإطلاق المسموح به عالميا، أرشفها لتسترخي تجاعيد عقلي المشدودة فرط التفكير، وتطير روحي بين أروقة الخيال.
كل شيئ تغير عكس عقارب ساعة أمنياتي، كأني فرس فك عقال لجامها، فجمحت!
تخليت عن قهوتي، وعن متابعة زهوري، وهجرت كتبي، ولعبة كرة الطائرة التي أعشقها، لأقضي الوقت معه، أرتشف خمر العشق، فأجلس منتشية بملامحه الشرقية.
مممم،, أأقول أني بدل أن أحبه ،همت فيه، ليخذلني!
وكأنه يعاقبني لهجراني فنجان قهوتي.
أبحث عنه في تواريخ الأيام، بين ملامح الطرقات ومفترقاتها.
واحترت كيف أبدأ يومي بدونه!؟
كيف أقضي النهارات، دون أن يكون على قائمة أولوياتي، وأين سأركن ذكرياتي معه ؟
هل أعيرها لإحدى صديقاتي؟
أم أحرقها؟!
كيف أحرق ذاكرتي؟
وتاريخ أول لقاء بيننا أثناء لعبة في النادي الرياضي، حين ضربت الكرة لتخرج طائرة على جناح السرعة تضرب وجهه، فينزف أنفه الجميل بغزارة ، ويملأ صراخي الهستيري الملعب ضجيجا، فأوقف الحكم المبارة بوقت مستقطع حتى أسترد وعي الذي كدت أفقده.
وقفت أمامه بعد نهاية المباراة، التي انتهت بخسارة فريقي دقائق طويلات خجلة اعتذر منه، وهو يبتسم تلك الإبتسامة الساحرة التي أطاحت بآخر صرح من صروحي ، ورفرف قلبي معلنا بداية لحظة الحب.
صارت حياتي كجناحي فراشة تطير وتحط حوله, واختزلت العالم بوجوده، وكأن الحظ ابتسم لي أخيرا.
ليعاندني قدري بحادث لا يد لي فيه، وتلك الرسائل الحميمة والإتصالات الملحة التي تردني من مجهول، أحدثت شرخا كبيرا.
تركني جالسة على كرسي الإعتراف، وخرج غاضبا، وسيل الإتهامات تصلني محملة بكل الغيوم ورعودها، ليختفي عن أنظاري.
قاصصني بذنب لم أقترفه!
تركني مهجورة، كناسكة في شرفة تعصف بها رياح شباط الصقيعية.
وفي ذاتي أطارد بائع النسيان، بعد أن سمعت صديقاتي يتحدثن عنه وهو يبسط النسيان على وسائد وشراشف نقش على نسيجها طلاسم فقدان الذاكرة في آخر شارع مظلم، يبيعه مقابل ثمن بخس!
بحثت عنه بين الدروب المعتمة كالمحمومة علني أجده بعد خيبتي، بإيجاد من جنى علي!
ركضت متخبطة بين ذكريات الماضي ودموع الحاضر، أنظر بعيني التي غلفتهما غشاوة قتامة الدمع، لأجده يجلس بمكانه يتربع بقعته خاويا لا شيء أمامه سوى الفراغ، ونظرة هائمة نحو المجهول ترتسم على محياه!
تساءلت:
- أيعقل أن يعتزل بائع النسيان مهنته، أم أن حظي العسير يتلاعب بي الآن !؟
اقتربت منه أطالبه بجرعة نسياني, مددت يدي بالثمن، ليجيبني بفمه الأدرد المجعد، مطرق الرأس كأنه ارتكب معصية:
- أعتذر منك بنيتي، فقد نسيت عدة النسيان، اليوم.
نحن والنصوص القصصية/ وحديث اليوم
تعليق