مأساة الفراش
على ما تبقى من أزهارِ البنفسجِ ، بينَ الشواهدِ
جلستُ متكئا على البتلاتِ ، عاريا
ملتفا بجناحيَّ المثقلينِ بالتعبِ
شاردَ الذهنِ
أُحمّلُ الريحَ غبارَ طلعٍ هزيلٍ
ممزوجا بصدى الناي الحزينِ
يصفرُ على مهلٍ ، لحنَ أغنيتةٍ
وأغنيتي ، فراشٌ مبثوثُ لا تهِمُّ التاريخَ بشيءٍ
و ضروريةٌ لوظائفِ الريحِ :
نفضُ الغبارِ
تعريةُ الحصارِ
وتلقيحُ الزهور .
قرأتُ بتثاقلِ الحالمِ
بكسلِ الساهرينَ المتعبينَ
في أواخرِ ليلةٍ حمراءَ
قرأتُ تمتماتٍ من كتابي ، على الريحِ
تعاويذَ للصباحِ
وأساطيرَ قابلةً للضياع
أساطيرَ للبدايةِ والنهايةِ
لا تهمُ الباحثينَ ولا الرواة
تسيجُ الرمالَ بالأزهارِ والأجراسِ
وتكسرُ السياج
قرأتُ بكلِّ ما أستطيعُ
وهجا
يضيءُ للقادمينَ طريقَ الرجوعِ
ويضيءُ للراحلينَ دربَ الرمال .
عندما في الظلامِ لم يكن نورٌ هناكَ
كانَ الماءُ من ضوءٍ على الفراغِ
كانَ الماءُ من أرضٍ أو سماء
على حافةِ الماءِ ، تسابقَ الفراشُ نحو منتهاهُ
( في البدءِ ) كانَ ضوءٌ ، وفي النهاية
الضوءُ من ماءٍ على ماء
وجهُ الماءِ من ضوءٍ كثيفٍ
كانَ منهُ يخرجُ الفراشُ
وعليهِ احتراقٌ مبلل
لا الظلمةُ تسبقُ البدايةَ
ولا النهائيُّ ، سابقٌ للعدم
فكانَ الفَراشُ ( أجهلَ منْ فَراشةٍ )
يبللها احتراقٌ
تراقصُ الموتَ والأمل
لا على الماءِ تطفو
ولا في الضوءِ تشتعلُ
لمْ تصغِ إلى الريحِ يوما
ولمْ تروِ للأحفادِ شيئا ، عنْ سَفرٍ أو وطن .
الفراشةُ بنتُ الهوى ، والفراشةُ الذَكرُ
تموتُ منَ الماءِ إلى الضوءِ ، تنتحرُ
والفراشةُ الذَكرُ
تتبادلان الغرامَ
والضوءُ الشاردُ هو السيّدُ الوحيدُ
فراشةُ ، وفراشةٌ أخرى ذكرُ .
قالت فراشةٌ بيضاءُ :
وعدتني يا حبيبي بيومٍ من الكلامِ
نصومُ فيهِ عنِ الرحيقِ
وعدتني بربيعِ أزهارٍ نموتُ فيهِ
فتنضجُ الفواكهُ حزنا علينا ، ويَبْيَضُّ وجهُ القمر
وعدتني ، بربيعٍ متوّجٍ بأزهارٍ وأضواءَ شاهقةٍ
وعدتني بانتحارٍ يليقُ بعاشقة
مات الربيعُ ولم أمت بين ذراعيكَ – يا حبيبُ – كما اشتهيتُ
هاجرَ الفَراشُ
لا نحن متنا، ولا الغزاةُ يصدقونَ حكايةَ زهرةٍ تذبحُ كالوطن .
قالت فراشةٌ بيضاءُ ذكرٌ :
يخذلني الضوءُ - يا حبيبتي - كلما اقتربتُ
وكلما ابتعدتُ ، ينادي عليّ ، بصوتٍ أنثويٍّ هادئٍ :
تعالَ واقضمني يا غريبُ
تزوجتْ فراشةٌ ذكرٌ ضوءَها ذات مرةٍ ، ولم تحترق .
أُعِدُّ للسراجِ احتفالا مهيبا ، عمّا قليلٍ
فلا تموتي الآن أكثرَ
مازالَ في العمرِ ضوءٌ
ومازالَ وطنٌ هناكَ عندَ وجهِ القمر .
هكذا كان الفراشُ يتحاورُ
بعيدا عن الكلامِ
يمدُّ قرونَ استشعارهِ ليفهمَ المبهمَ
والشفاهَ ليمتصَّ الرحيقَ ويثملَ
خفقانهُ إشراقةُ الألوانِ
والطيرانُ منهجيةُ الريحِ في العبور
في بَدئهِ لم تكن كلمة
كان يبكي ويضحكُ ، يروي ويغضبُ
يمشي ، يهذي ، يمرحُ ، وينتحرُ
الفراشُ يرقصُ ، وينقدُ بالرّقصِ رقصتَهُ
شِعرهُ الحديثُ ، قُبَلُ الرحيق
دلالُ أنثى ، يغريها السراجُ فتغفو في حضنِ زهرةٍ
وذكرٌ ثَملٌ ، يقطفُ لها السراجَ ويحترقُ .
في أوّلِ الليلِ يتزوجُ الفراشُ ، سريعا
فلا يفوّتُ ، أضواءَ السهرِ وحرفتَهُ
في آخرِ الليلِ ، يلمُّ بقايا احتراقهِ
ويَكنسُ الطبيعةَ للصباحِ الجديد
يملءُ النورَ بالمفاتنِ
وبالوداعةِ أوراقَ الشجر
أمّا الشرانقُ فتهوى الكسلَ والتأملَ
واليرقاتُ الصغيراتُ ، تهوى التزاحمَ على الطعامِ الوفيرِ
يوشّحون المدى ، بالألوانِ والهدوء
على مهلٍ يأكلونَ
على مهلٍ يتشاجرونَ
وعلى مهلٍ يموتونَ
تلك حكمةُ الضوءِ :
في النهار أبيضُ
وفي الماءِ والظلامِ ، ألوانهُ كثيرة .
مبعثرينَ نطيرُ بتلقائيةِ الهواءِ
نموتُ لو ابتعدنا ، و نموتُ لو عادت بنا الريحُ
كوضوحِ الحقيقةِ ، وغموضِ خطابها
نموتُ كلما جاءَ موتٌ بطيءٌ
حتى اخلتفَ الرواةُ ؛ لماذا ننتحرُ نحنُ الفراشُ ؟
قالَ جدّي :
(( هذا ما وجدنا عليهِ آباءَنا . ))
قالَ معلمُ الجغرافيا :
فَراشُ الجبالِ يهوى الصعودَ إلى الفضاءِ
وقالَ الغزاةُ :
فَراشُ الجبالِ أوصوليُّ ، و يأبى الهبوطَ إلى الماءِ
وأما صبايا الفراشِ الشقيّاتِ
فردّدن وهنّ يضجعنّ على رؤوسِ الطلعِ :
بل جنونُ العشقِ هو انتحارُ الفراشِ
تهوى فراشةٌ ذكرٌ ، فراشةً أنثى ، فتنتحران
واحدةٌ ذكرٌ من فرطِ الهوى
وواحدةٌ أنثى من فرطِ الدلالِ
ذاتَ مرّةٍ تكلّمَ كهّانُ الفراشِ
- ولا فراشةَ تعلمُ ؛ كهّانُ الفراشِ ، فراشاتٌ ذكورٌ ، أم فراشاتٌ إناث! –
قالَ الكهّانُ :
ينتحرُ الفراشُ على السراجِ المقدّسِ
كل ضوءٍ من سراجٍ ، وكل سراجٍ مقدّس
يخرجُ الفراشُ منَ الضوءِ وإليهِ يعودُ
الانتحارُ حكمةُ اللهِ ، والضوءُ نعمتُهُ .
وقالت الريحُ :
في ظلِّ الصخورِ يبقى الرواةُ يختلفون
والفراشُ عند الضوءِ الكثيفِ ، على مهلٍ ينتحرُ .
وأنا فراشةٌ ذكرٌ ، ككلِّ الفراشِ
أنتحرُ في البراري
لأني بها اكتفيتُ من الحياةِ
أحبُّ شهدَ الزهورِ ، والضوءَ ، ورائحةَ إناثٍ فراشية
لحبيبتي نصبتُ خيمتي على قممِ الزهورِ
أجمعُ الرحيقَ ، وأعتّقُ الأنفاسَ
أغسلُ الهواءَ من أضوائهِ بالندى الخجولِ
وعلى مهلٍ أنثرُ على وجنتيها ، رذاذَ الندى :
أفيقي ، ها قد طلعَ الفجرُ.
وأما أنا ففراشةُ أنثى ، أنتحرُ في البراري
لأني بهِ اهتديتُ ، وأهملتُ قيمةَ الحياة
- أفرد جناحيّ برفقِ :
ضمّني يا حبيبي من نعاسي
واسقني رحيقَ صحوٍ معتّق
بعثرْ النعاسَ فيَّ ، كما تبعثرَ الظلامُ هذا الصباح
من قيودِ أحلامي ، ضمّني
على صدركَ البراح .
- عليكِ أخافُ ومن عينيكِ ، قلتُ
تشعلانِ فيّ احتراقا
وتموتينَ لكما متُّ .
- عليكَ أخافُ ، ومن عينيكَ ، قالت
تأخذاني عن حولي
ويُسمّيك أهلي : غازيا
كلما متُّ .
- إليكِ ( وجّهتُ وجهي ) .
- وأنا عنكَ غضضتُ طرفي.
- تعالي إليّ قليلا ، أسمّيك زهرةً أو وطن .
- ابتعد عنّي كثيرا ، فلا يراكَ الغزاةُ بعيونِ أهلي .
- سألحلقُ عاليا - إذن - ، أعلى من رؤوسِ الجبالِ
نحو سراجِ السماءِ ، لو أردّتِ
- لا تبتعد كثيرا
ولا تصدّق ، كلامَ عاشقةٍ يغريها العطاء
ابقِ لي يا حبيبي ، بعضا من الضوءِ والذكريات
اتفقَ أهلي والغزاةُ على دمي المعطّرِ والطقسِ المقدسِ
على تيجانِ الرحيقِ ، حريرِ الشرانقِ ، وزهورِ المعابد .
- لا تبتعد كثيرا
يضيعُ الفَراشُ والأزهارُ المشاعُ
كلما رموْنا بالغبارِ والسياجِ
كلما رموْنا بأشواكِ الزهورِ بينَ الشفاهِ
بحجّةِ الفضيلةِ والتكاثرِ
بحجةِ المواعظِ والحياءِ
على الأزهار تموتون ، كانت أمّنا تقولُ
لا تزرعوا الأشواك في البذورِ
فيصحو موتاكم على السراب .
للفراشِ شكلُ الأزهارِ في الضياءِ
وللموتِ أشكالٌ كثيرةٌ
والسرابُ قصةُ التاريخِ الطويلِ ، والغزاةِ الجُدد
يغزوني الآنَ أولُ الفاتحينَ ، وآخرُ الذاهبينَ إلى المعركة
فلا ترفعي يديكِ بالدعاءِ ، قبل أن تنفضي الغبارَ عنِ السراجِ
قبلَ أن أكملَ انتحاري ، وترفرفَ الأغنية .
هاجروا جميعا وما انتصرتُ
يهزمني الآن ضوءٌ أنا الوحيدُ
فلا تهادني أحدا
تفرّقت دمائي بينَ القبائلِ والطوائفِ
وارتدى الزيُّ دورَ المقصلة .
يتلفون جناحيّ ، خوفا من بدعةِ الطيرانِ
فلا تدخلي في الصلاةِ ، قبلّ الزوالِ
قبلَ أن يتنقنَ ألوانَ الزهورِ ، عماءُ المرحلة .
لا على الأزهارِ يبكونَ ، ولا يشعلونَ سراجا في الظلامِ
أهلي وأهلكِ متفقونَ على دمائنا
ومختلفونَ على الضوءِ
في وضوح المهزلة .
سراجانِ لاشتعالِ الفراشِ أنتِ والهوى
كلما هبطَ الظلامُ لأنامَ عنكِ ، تشتعلان
توقظان حلمي ورغبةَ انتحارٍ جامحة
لا أنتِ تتركيني للموت بعيدا
ولا يغريكِ ، عند قدميك انتحاري
لا ترفعي – الآنَ - رايةً بيضاءَ في آخر الليل
صباحُ الهزيمة قريبٌ جدا
وهزيمتي أمام السراج ، نشوةُ انتصاري
ألملمُ تخومَ الوقتِ الهلاميِّ ، ولكن
لا وقتَ لهزيمةٍ تُوقفُ الوقتَ
ولا وقتَ لانتصارٍ يسرّعهُ
لا وقتَ كي أقاوم.
أراقبُ الوأدَ ،وأدّعي الفرحَ
أتلو آيةَ السِلمِ ، بكاملِ النكران فيّ
وأنتظرُ فجرا ، يحبّر أشكال الجثثِ على مد البصر
سيرسمُ البخورُ ، بإبداعيةِ الفوضى
جدارياتِ حزننا الباذخ
فينبتُ الشِعرُ منا والشيوعُ أو وصايا الأنبياء
وسيمارسُ البخورُ بحرفةِ السياسيين
غسلَ الهزائم .
لا وقتَ كي أقاوم
سيأتي على اللغاتِ يومٌ ، ننبذُ النشيدَ فيه
والرؤى ، وأحلامَ الصغارِ :
النشيدُ الغاضبُ ، مرايا حمراءَ تحرقُ أصحابها
الرؤى ، للفلاسفة الزنادقة
وأما الصغارُ فجاهلون وحالمون
سيأتي على اللغاتِ يومٌ
نجترُّ فيهِ ، من آدمَ الأسماءَ كلّها
وستُحظرُ بعضُ المفرداتِ ؛ كالشعراءِ ، والشهداءِ ، والثورةِ ، والفلسفة
وستباركُ الأبجديةُ مفرداتٍ كثيرةً
كالسلامِ أوالوئامِ أو الخطيئةِ
أو كسبحانَ اللهِ ، بعدد الزغبِ على جسدِ الفراشِ
أو - ربما- "غفرَ اللهُ لعدونا ما أكثرَ ما يساوم!"
لا وقتَ كي أقاوم
ستلتفتُ الملائكةُ من ضجيجي
فأخسرُ قيامتي ليربحَ الآخرون بلا صلاة
لا ترفعي زغبَ الأساطيرِ عن فخذيكِ
أمامَ العناكب
ولا ، لا ترفعي الرايةَ البيضاءَ
لا وقتَ كي نعُدَّ حباتِ الرمالِ في ساعةٍ من زجاج
يا ابنةَ الضوءِ والقُبلةِ الأولى على جسدي
يا شراعَ الحزنِ وبوصلتي
أدخلُ الضوءَ الآن منتحرا
فلا تبكي كثيرا بعد انتحاري
حمّلي ما استطعتِ من أزهارِ البنفسجِ
ولا تزيّني قبري
رشّي بثمالة الطلعِ مفاتنكِ
واحرقي الضوءَ بخورا
فيخرجُ الظلامُ
نورا على النورِ
ومن النورِ إليه
شاهدا على قبري
على حافّةِ البئر
تسابقَ الفراشُ نحو منتهاهُ
( في البدءِ ) كانَ ضوءٌ
وعلى دمائه في النهايات
لكنّ الضوءَ كانَ باهتا جدا
لا يكفي لانتحاري .
هيثم
على ما تبقى من أزهارِ البنفسجِ ، بينَ الشواهدِ
جلستُ متكئا على البتلاتِ ، عاريا
ملتفا بجناحيَّ المثقلينِ بالتعبِ
شاردَ الذهنِ
أُحمّلُ الريحَ غبارَ طلعٍ هزيلٍ
ممزوجا بصدى الناي الحزينِ
يصفرُ على مهلٍ ، لحنَ أغنيتةٍ
وأغنيتي ، فراشٌ مبثوثُ لا تهِمُّ التاريخَ بشيءٍ
و ضروريةٌ لوظائفِ الريحِ :
نفضُ الغبارِ
تعريةُ الحصارِ
وتلقيحُ الزهور .
قرأتُ بتثاقلِ الحالمِ
بكسلِ الساهرينَ المتعبينَ
في أواخرِ ليلةٍ حمراءَ
قرأتُ تمتماتٍ من كتابي ، على الريحِ
تعاويذَ للصباحِ
وأساطيرَ قابلةً للضياع
أساطيرَ للبدايةِ والنهايةِ
لا تهمُ الباحثينَ ولا الرواة
تسيجُ الرمالَ بالأزهارِ والأجراسِ
وتكسرُ السياج
قرأتُ بكلِّ ما أستطيعُ
وهجا
يضيءُ للقادمينَ طريقَ الرجوعِ
ويضيءُ للراحلينَ دربَ الرمال .
عندما في الظلامِ لم يكن نورٌ هناكَ
كانَ الماءُ من ضوءٍ على الفراغِ
كانَ الماءُ من أرضٍ أو سماء
على حافةِ الماءِ ، تسابقَ الفراشُ نحو منتهاهُ
( في البدءِ ) كانَ ضوءٌ ، وفي النهاية
الضوءُ من ماءٍ على ماء
وجهُ الماءِ من ضوءٍ كثيفٍ
كانَ منهُ يخرجُ الفراشُ
وعليهِ احتراقٌ مبلل
لا الظلمةُ تسبقُ البدايةَ
ولا النهائيُّ ، سابقٌ للعدم
فكانَ الفَراشُ ( أجهلَ منْ فَراشةٍ )
يبللها احتراقٌ
تراقصُ الموتَ والأمل
لا على الماءِ تطفو
ولا في الضوءِ تشتعلُ
لمْ تصغِ إلى الريحِ يوما
ولمْ تروِ للأحفادِ شيئا ، عنْ سَفرٍ أو وطن .
الفراشةُ بنتُ الهوى ، والفراشةُ الذَكرُ
تموتُ منَ الماءِ إلى الضوءِ ، تنتحرُ
والفراشةُ الذَكرُ
تتبادلان الغرامَ
والضوءُ الشاردُ هو السيّدُ الوحيدُ
فراشةُ ، وفراشةٌ أخرى ذكرُ .
قالت فراشةٌ بيضاءُ :
وعدتني يا حبيبي بيومٍ من الكلامِ
نصومُ فيهِ عنِ الرحيقِ
وعدتني بربيعِ أزهارٍ نموتُ فيهِ
فتنضجُ الفواكهُ حزنا علينا ، ويَبْيَضُّ وجهُ القمر
وعدتني ، بربيعٍ متوّجٍ بأزهارٍ وأضواءَ شاهقةٍ
وعدتني بانتحارٍ يليقُ بعاشقة
مات الربيعُ ولم أمت بين ذراعيكَ – يا حبيبُ – كما اشتهيتُ
هاجرَ الفَراشُ
لا نحن متنا، ولا الغزاةُ يصدقونَ حكايةَ زهرةٍ تذبحُ كالوطن .
قالت فراشةٌ بيضاءُ ذكرٌ :
يخذلني الضوءُ - يا حبيبتي - كلما اقتربتُ
وكلما ابتعدتُ ، ينادي عليّ ، بصوتٍ أنثويٍّ هادئٍ :
تعالَ واقضمني يا غريبُ
تزوجتْ فراشةٌ ذكرٌ ضوءَها ذات مرةٍ ، ولم تحترق .
أُعِدُّ للسراجِ احتفالا مهيبا ، عمّا قليلٍ
فلا تموتي الآن أكثرَ
مازالَ في العمرِ ضوءٌ
ومازالَ وطنٌ هناكَ عندَ وجهِ القمر .
هكذا كان الفراشُ يتحاورُ
بعيدا عن الكلامِ
يمدُّ قرونَ استشعارهِ ليفهمَ المبهمَ
والشفاهَ ليمتصَّ الرحيقَ ويثملَ
خفقانهُ إشراقةُ الألوانِ
والطيرانُ منهجيةُ الريحِ في العبور
في بَدئهِ لم تكن كلمة
كان يبكي ويضحكُ ، يروي ويغضبُ
يمشي ، يهذي ، يمرحُ ، وينتحرُ
الفراشُ يرقصُ ، وينقدُ بالرّقصِ رقصتَهُ
شِعرهُ الحديثُ ، قُبَلُ الرحيق
دلالُ أنثى ، يغريها السراجُ فتغفو في حضنِ زهرةٍ
وذكرٌ ثَملٌ ، يقطفُ لها السراجَ ويحترقُ .
في أوّلِ الليلِ يتزوجُ الفراشُ ، سريعا
فلا يفوّتُ ، أضواءَ السهرِ وحرفتَهُ
في آخرِ الليلِ ، يلمُّ بقايا احتراقهِ
ويَكنسُ الطبيعةَ للصباحِ الجديد
يملءُ النورَ بالمفاتنِ
وبالوداعةِ أوراقَ الشجر
أمّا الشرانقُ فتهوى الكسلَ والتأملَ
واليرقاتُ الصغيراتُ ، تهوى التزاحمَ على الطعامِ الوفيرِ
يوشّحون المدى ، بالألوانِ والهدوء
على مهلٍ يأكلونَ
على مهلٍ يتشاجرونَ
وعلى مهلٍ يموتونَ
تلك حكمةُ الضوءِ :
في النهار أبيضُ
وفي الماءِ والظلامِ ، ألوانهُ كثيرة .
مبعثرينَ نطيرُ بتلقائيةِ الهواءِ
نموتُ لو ابتعدنا ، و نموتُ لو عادت بنا الريحُ
كوضوحِ الحقيقةِ ، وغموضِ خطابها
نموتُ كلما جاءَ موتٌ بطيءٌ
حتى اخلتفَ الرواةُ ؛ لماذا ننتحرُ نحنُ الفراشُ ؟
قالَ جدّي :
(( هذا ما وجدنا عليهِ آباءَنا . ))
قالَ معلمُ الجغرافيا :
فَراشُ الجبالِ يهوى الصعودَ إلى الفضاءِ
وقالَ الغزاةُ :
فَراشُ الجبالِ أوصوليُّ ، و يأبى الهبوطَ إلى الماءِ
وأما صبايا الفراشِ الشقيّاتِ
فردّدن وهنّ يضجعنّ على رؤوسِ الطلعِ :
بل جنونُ العشقِ هو انتحارُ الفراشِ
تهوى فراشةٌ ذكرٌ ، فراشةً أنثى ، فتنتحران
واحدةٌ ذكرٌ من فرطِ الهوى
وواحدةٌ أنثى من فرطِ الدلالِ
ذاتَ مرّةٍ تكلّمَ كهّانُ الفراشِ
- ولا فراشةَ تعلمُ ؛ كهّانُ الفراشِ ، فراشاتٌ ذكورٌ ، أم فراشاتٌ إناث! –
قالَ الكهّانُ :
ينتحرُ الفراشُ على السراجِ المقدّسِ
كل ضوءٍ من سراجٍ ، وكل سراجٍ مقدّس
يخرجُ الفراشُ منَ الضوءِ وإليهِ يعودُ
الانتحارُ حكمةُ اللهِ ، والضوءُ نعمتُهُ .
وقالت الريحُ :
في ظلِّ الصخورِ يبقى الرواةُ يختلفون
والفراشُ عند الضوءِ الكثيفِ ، على مهلٍ ينتحرُ .
وأنا فراشةٌ ذكرٌ ، ككلِّ الفراشِ
أنتحرُ في البراري
لأني بها اكتفيتُ من الحياةِ
أحبُّ شهدَ الزهورِ ، والضوءَ ، ورائحةَ إناثٍ فراشية
لحبيبتي نصبتُ خيمتي على قممِ الزهورِ
أجمعُ الرحيقَ ، وأعتّقُ الأنفاسَ
أغسلُ الهواءَ من أضوائهِ بالندى الخجولِ
وعلى مهلٍ أنثرُ على وجنتيها ، رذاذَ الندى :
أفيقي ، ها قد طلعَ الفجرُ.
وأما أنا ففراشةُ أنثى ، أنتحرُ في البراري
لأني بهِ اهتديتُ ، وأهملتُ قيمةَ الحياة
- أفرد جناحيّ برفقِ :
ضمّني يا حبيبي من نعاسي
واسقني رحيقَ صحوٍ معتّق
بعثرْ النعاسَ فيَّ ، كما تبعثرَ الظلامُ هذا الصباح
من قيودِ أحلامي ، ضمّني
على صدركَ البراح .
- عليكِ أخافُ ومن عينيكِ ، قلتُ
تشعلانِ فيّ احتراقا
وتموتينَ لكما متُّ .
- عليكَ أخافُ ، ومن عينيكَ ، قالت
تأخذاني عن حولي
ويُسمّيك أهلي : غازيا
كلما متُّ .
- إليكِ ( وجّهتُ وجهي ) .
- وأنا عنكَ غضضتُ طرفي.
- تعالي إليّ قليلا ، أسمّيك زهرةً أو وطن .
- ابتعد عنّي كثيرا ، فلا يراكَ الغزاةُ بعيونِ أهلي .
- سألحلقُ عاليا - إذن - ، أعلى من رؤوسِ الجبالِ
نحو سراجِ السماءِ ، لو أردّتِ
- لا تبتعد كثيرا
ولا تصدّق ، كلامَ عاشقةٍ يغريها العطاء
ابقِ لي يا حبيبي ، بعضا من الضوءِ والذكريات
اتفقَ أهلي والغزاةُ على دمي المعطّرِ والطقسِ المقدسِ
على تيجانِ الرحيقِ ، حريرِ الشرانقِ ، وزهورِ المعابد .
- لا تبتعد كثيرا
يضيعُ الفَراشُ والأزهارُ المشاعُ
كلما رموْنا بالغبارِ والسياجِ
كلما رموْنا بأشواكِ الزهورِ بينَ الشفاهِ
بحجّةِ الفضيلةِ والتكاثرِ
بحجةِ المواعظِ والحياءِ
على الأزهار تموتون ، كانت أمّنا تقولُ
لا تزرعوا الأشواك في البذورِ
فيصحو موتاكم على السراب .
للفراشِ شكلُ الأزهارِ في الضياءِ
وللموتِ أشكالٌ كثيرةٌ
والسرابُ قصةُ التاريخِ الطويلِ ، والغزاةِ الجُدد
يغزوني الآنَ أولُ الفاتحينَ ، وآخرُ الذاهبينَ إلى المعركة
فلا ترفعي يديكِ بالدعاءِ ، قبل أن تنفضي الغبارَ عنِ السراجِ
قبلَ أن أكملَ انتحاري ، وترفرفَ الأغنية .
هاجروا جميعا وما انتصرتُ
يهزمني الآن ضوءٌ أنا الوحيدُ
فلا تهادني أحدا
تفرّقت دمائي بينَ القبائلِ والطوائفِ
وارتدى الزيُّ دورَ المقصلة .
يتلفون جناحيّ ، خوفا من بدعةِ الطيرانِ
فلا تدخلي في الصلاةِ ، قبلّ الزوالِ
قبلَ أن يتنقنَ ألوانَ الزهورِ ، عماءُ المرحلة .
لا على الأزهارِ يبكونَ ، ولا يشعلونَ سراجا في الظلامِ
أهلي وأهلكِ متفقونَ على دمائنا
ومختلفونَ على الضوءِ
في وضوح المهزلة .
سراجانِ لاشتعالِ الفراشِ أنتِ والهوى
كلما هبطَ الظلامُ لأنامَ عنكِ ، تشتعلان
توقظان حلمي ورغبةَ انتحارٍ جامحة
لا أنتِ تتركيني للموت بعيدا
ولا يغريكِ ، عند قدميك انتحاري
لا ترفعي – الآنَ - رايةً بيضاءَ في آخر الليل
صباحُ الهزيمة قريبٌ جدا
وهزيمتي أمام السراج ، نشوةُ انتصاري
ألملمُ تخومَ الوقتِ الهلاميِّ ، ولكن
لا وقتَ لهزيمةٍ تُوقفُ الوقتَ
ولا وقتَ لانتصارٍ يسرّعهُ
لا وقتَ كي أقاوم.
أراقبُ الوأدَ ،وأدّعي الفرحَ
أتلو آيةَ السِلمِ ، بكاملِ النكران فيّ
وأنتظرُ فجرا ، يحبّر أشكال الجثثِ على مد البصر
سيرسمُ البخورُ ، بإبداعيةِ الفوضى
جدارياتِ حزننا الباذخ
فينبتُ الشِعرُ منا والشيوعُ أو وصايا الأنبياء
وسيمارسُ البخورُ بحرفةِ السياسيين
غسلَ الهزائم .
لا وقتَ كي أقاوم
سيأتي على اللغاتِ يومٌ ، ننبذُ النشيدَ فيه
والرؤى ، وأحلامَ الصغارِ :
النشيدُ الغاضبُ ، مرايا حمراءَ تحرقُ أصحابها
الرؤى ، للفلاسفة الزنادقة
وأما الصغارُ فجاهلون وحالمون
سيأتي على اللغاتِ يومٌ
نجترُّ فيهِ ، من آدمَ الأسماءَ كلّها
وستُحظرُ بعضُ المفرداتِ ؛ كالشعراءِ ، والشهداءِ ، والثورةِ ، والفلسفة
وستباركُ الأبجديةُ مفرداتٍ كثيرةً
كالسلامِ أوالوئامِ أو الخطيئةِ
أو كسبحانَ اللهِ ، بعدد الزغبِ على جسدِ الفراشِ
أو - ربما- "غفرَ اللهُ لعدونا ما أكثرَ ما يساوم!"
لا وقتَ كي أقاوم
ستلتفتُ الملائكةُ من ضجيجي
فأخسرُ قيامتي ليربحَ الآخرون بلا صلاة
لا ترفعي زغبَ الأساطيرِ عن فخذيكِ
أمامَ العناكب
ولا ، لا ترفعي الرايةَ البيضاءَ
لا وقتَ كي نعُدَّ حباتِ الرمالِ في ساعةٍ من زجاج
يا ابنةَ الضوءِ والقُبلةِ الأولى على جسدي
يا شراعَ الحزنِ وبوصلتي
أدخلُ الضوءَ الآن منتحرا
فلا تبكي كثيرا بعد انتحاري
حمّلي ما استطعتِ من أزهارِ البنفسجِ
ولا تزيّني قبري
رشّي بثمالة الطلعِ مفاتنكِ
واحرقي الضوءَ بخورا
فيخرجُ الظلامُ
نورا على النورِ
ومن النورِ إليه
شاهدا على قبري
على حافّةِ البئر
تسابقَ الفراشُ نحو منتهاهُ
( في البدءِ ) كانَ ضوءٌ
وعلى دمائه في النهايات
لكنّ الضوءَ كانَ باهتا جدا
لا يكفي لانتحاري .
هيثم
تعليق