حظر تبول
_______
لم يكن بيني وبين أن أفك ماأنا فيه من كرب سوي بضع درجات سلم هابط إلي حيث المراحيض العامة ، لم أأبه للزحام والتدافع حول الميكروباص الذي توقف فجأة ، ساعتان كاملتان قضيتهما في درس الرياضيات الأخير ، كنت أحاول أن أرفع صوتي اثناء الشرح ليصل إلي أسماع السيدة هالة والدة الفتي حسام وكأنما أؤكد لها أنني أبذل مجهوداً غير عادي في عملي فقد كنت أعلم بحكم العادة أنها تجلس في بهو المنزل تشاهد التليفزيون كلما حل موعد دفع الأجر الشهري للدروس الخصوصية فأحظي من الأرملة الشابة بابتسامة رائعة ثم باحتضان كفها البض بين يديّ وهي تسلّم عليّ لتشكرني علي مجهودي ثم تنقدني الورقة ذات المائة جنيه ،ويتكرر السيناريو الشهري المعتاد بأن أدس يدي في جيبي ثم أنقلها إلي جيب آخر محاولاً لملمة الجنيهات الأربعة المتبقية لها في ذمتي ، حتي يأتيني صوتها الدافئ .
- خلاص ياأستاذ مسعد ، ماتحاولش أنا مش هاخد حاجة .
أو وهي تقول مشجعة
مش كفاية حسام تاعبك معاه .
ثم ينتهي الموقف بأن أمد يدي كالمعتاد لأفرك رأس حسام الواقف بيننا مبتسماً بلامناسبة وهويشاهد السيناريو المتكرر .
اليوم كان أحد هذه الأيام الأخيرة من الشهر ومافي جيبي يقل عن أربعة جنيهات تكفي بالكاد للمواصلات العامة أما المائة جنيه فستتكفل بجسر الهوة بين الشهرين ، كنت سعيداً علي غير العادة وكنت حريصاً قبل الصعود إلي حيث الدرس الأخير أن أعرّج علي محل عصير القصب الذي يبعد خطوات عن بيت حسام فأشرب كوبين كبيرين من العصير المثلج ، فالجو حار وأنا في العادة أبذل جهداً غير عادي في درسٍ أحرص علي جعله أطول من المعتاد وأنا أرفع عقيرتي برموز الرياضيات المختلفة التي أعرف أن السيدة هالة في موقعها لن تفهم منها شيئاً وهو مايؤكد في النهاية أهمية ماأقوم به من عمل .
قبل أن أنهض من مكاني شعرت بامتلاء مثانتي التي لم تعد تتحمل ضغط سروالي عليها فتوقفت علي سلالم البيت وأنا في طريق خروجي إلي الشارع حيث فككت حزام سروالي بعض الشئ ونقلت الورقة ذات المائة جنيه إلي حافظتي بعد أن قمت بثنيها بعناية وانطلقت إلي محطة الرمل فقد تعودت أن أقضي حاجتي بمراحيضها التي تهبط عن مستوي الشارع بضع درجات قبل أن أبحث عن وسيلة مواصلات تعود بي إلي منزلي بحي محرم بك .
في ذلك المساء بدا الأمر مختلفاً والميدان الذي كان يعج بالحركة والحياة في مثل هذا الوقت من اليوم بدا وكأنه ميدان صحراوي خالٍ من البشر إلامن مجموعة من الرجال والنساء تقف عند رصيف تريانون وتمثال سعد زغلول يطل من عليائه علي البحر متجنباً النظر للمدينة الغارقة في الظلمات.
باستثناء هذه المجموعة بدت الإسكندرية كأنما هجرها ساكنوها، سور الكورنيش يبدو من بعيد كخط متصل يرسم حدود لوحة عملاقة لمشهد من الطبيعة وماوراءه بحر بلاملامح .
كنت أهرول مسرعاً متجهاً إلي المراحيض العامة حين وقف أمامي مباشرة ذلك الميكروباص الذي انقضّ عليه الناس ليعلن أنه ذاهب إلي محرم بك ، ترددت بعض الشئ فمثانتي تؤلمني لكن اندفاع الناس ناحية الميكروباص جعلني أشك في أنني سألحق به عند عودتي ، وقد حسم السائق ترددي حين صرخ في الجميع
- بسرعة..فاضل نص ساعة ويبدأ حظر التجول ، وسّعوا واستحملوا بعض وإلا هاتباتوا في الشارع .
حسم هذا التهديد ترددي حين تذكرت أن حظر التجول سيبدأ قريباً فقررت حظر التبول أيضاً واحتمال الألم وانقضضت مع المنقضين علي العربة.
جاءت جلستي في المقعد الأخير وفي أقصي زاوية بالسيارة ، وشعرت من جديد بأن المثانة ستنفجر حين وجدت أجسام الركاب الزائدين عن العدد تقفز فوق المقاعد لتدفنني في مقعدي وقبل أن يعلو صوت بالاحتجاج كان السائق يقول في نعومة
- معلش ، استحملوا بعض كلها عشر دقائق ونوصل والطريق فاضي.
ثم لافتاً نظرنا من جديد فيمايشبه التهديد
- مش أحسن ماتباتوا في الشارع الكماين في كل مكان والظباط مابيرحموش.
ثم تغيرت لهجته فجأة لتصير أكثر حدة
- الأجرة ثلاثة جنيه ياحضرات .
علا صوت محتج من بين الأجسام المتلاحمة
- لكن الأجرة جنيه واحد فقط ياأسطي
رد في شراسة بعد أن أوقف المحرك
- اللي مش عاجبه ينزل ، احمدوا ربنا أنا باعرّض نفسي وعربيتي للخطر علشانكم .
لابد مماليس منه بد ، فالخطر داهم فعلاً والوقت ضيق وهو ليس وقتاً للمجازفة
من عمق مثانتي التي أوشكت علي الانفجار صرخت
- ماشي ياأسطي .. اتكل علي الله المهم نوصل بالسلامة
كنت أريد الخلاص وأستعجل الوصول بأي ثمن
لم أأبه لأصوات الاحتجاج ومددت يدي إلي جيبي محاولاً استخلاص الجنيهات الثلاثة ، وحذا الباقون حذوي في تسليم فالوقت لايحتمل التفكير والجدل .
أخيراً تحركت السيارة بعد أن جمع السائق الأجرة كماأراد ودسها في صندوق أمامه ، ماإن اجتاز الإشارة حتي انطلق بأقصي سرعة ثم انحرف بزاوية حادة إلي شارع كلية الطب ، مالت السيارة بعنف بينما غرز أحد المعلقين بأجسادهم فوقي قبضته في بطني حتي يتفادي السقوط، صرخت متوجعاً. وأنا أشعر أن مثانتي قد انفجرت وناءت بحملها فقذفت بعضه إلي سروالي .
- مش تحاسب يابني آدم.. أنت أيه.. أعمى.
حاول الشاب تصحيح وضع جسده وسحب يده من فوق بطني وهو يتمتم بالاعتذار بينما قال السائق بلهجة باردة
- لامؤاخذة ياأفندية ، لازم نسرع شوية قبل ميعاد الحظر
ثم كرر نصيحته التي بدت مستفزة
- استحملوا بعض خمس دقايق.
ارتفع صوت سيدة من الكتلة البشرية بالمقاعد الأمامية بلامناسبة
- حسبنا الله ونعم الوكيل ، ناس معندهاش دم .
الظلام يلف المكان داخل السيارة وخارجها وصوت الأنفاس المتلاحقة ورائحة الأجساد المتلاصقة يثير الاشمئزاز .
من جديد انحرف السائق بقوة أمام بوابة المستشفي الجامعي فاتقيت سقوط الراكب فوقي من جديد بذراعي وسبقته بزرع كوعي في بطنه لكن ارتجاج مثانتي أشعرني بأن روحي تكاد تزهق .
أخيراً وصلنا إلي ميدان الخرطوم ، كانت هناك مدرعتان تتمركزان أمام بوابة كلية الطب وثلة من جنود الجيش تنتشر في الميدان ، نظر ضابط من الواقفين إلي ساعته وأدار يديه حول بعضهما في صورة عجلة بمايعني ضرورة الإسراع .
انطلق السائق بسرعة أكبر فانضغطت الاجسام ببعضها وصرخ صوت جديد
- علي مهلك يااسطي أنت ناوي تجيب أجلنا واللا أيه
وعاد السائق يقول
- استحملوا شوية ياجدعان
وصوت السيدة المكتوم يصرخ
- الليلة دي مش هاتعدي علي خير ، ناس قللات الأدب
وتدخل صوت رجالي قريب منها
- فيه ايه يامدام ؟
وعادت السيدة تقول بمايشبه الصراخ
- ابعد ياخويا وخليك في حالك مش ناقصاك أنت كمان .
بدأ السائق في تهدئة السرعة واستدار بنصفه الأعلي وراح يحملق في الظلام داخل العربة قائلاً
-فيه حاجة يامدام حد مضايقك؟ نقف هنا؟
صرخ الجميع فيه بلااتفاق فاختلطت الأصوات
- ياعم امشي بقي وخلصنا
- الليلة دي شكلها مش هايعدي علي خير
- بص قدامك يااسطي وشوف طريقك ..هانت .
تاه صوت السيدة في الزحام وراحت تصدر عنها أنات متوجعة .
اجتاز السائق ساعة الزهور وصار مواجهاً للأستاد .
هانت.. لم يبق إلا أن يجتاز النفق فيصير قريباً من محطة الوصول.
لاحت قرب النفق أشباح سوداء اختلطت بالسواد الذي يلف المكان
علي ضوء السيارة الأمامي لمحت مجموعة من الرجال الملثمين أشاروا للسيارة بالوقوف
هتفت كالواثق
- لجنة ؟
أجابني من بجواري
- لا ليست لجنة هؤلاء يغطون وجوههم وليس فيهم ضباط.
بينما قال السائق وهو يقف بالسيارة علي جانب الطريق
- استر يارب .
أطلّ أحد الملثمين داخل السيارة بعد أن فتح بابها الجانبي ، لاحظت أنه يحمل بجانبه رشاشاً وأن يده قريبة من الزناد ، قلت في نفسي لو اختل توازنه لحصدنا جميعاً قبل أن يستوي واقفاً.
من النافذة الصغيرة في نهاية العربة لمحت مجموعة من الملثمين يحملون الرشاشات ويتحلقون حول العربة ، تظاهرت بالاستغراق في النوم بينما جاءني صوت صارخ من ناحية الباب
- انزلوا واحد واحد ومش عايز صوت .
كانت لهجته ومنظر الرشاش بجانبه كفيلان بإخراسنا، بدأ الركاب في النزول ، حمدت الله أنني في أبعد مكان بالسيارة وتناومت أكثر مسنداً رأسي إلي جدار العربة ومنزلقاً بجسدي للأسفل ، بين الفينة والفينة كنت أفتح عيني ببطء محملقاً في الظلام فيمابدا لي أنه عملية تفتيش يقوم بها شخص ملثم تحت تهديد رشاشات زملائه المصوبة فوهاتها ناحية الراكب وتكاد تلمس جسده .
كلما انحسرت الأجساد من حولي تناومت أكثر وبدأت أغط غطيطاً خفيفاً حتي سمعت صرخة هائلة ارتعد لها جسدي وأجزاء الرشاش المعدنية تصطك ببعضها
- ماتنزل ياروح أمك .
لم يبق غيري في العربة وكان واضحاً أن الصرخة موجهة لي شخصياً ، غلي الدم في عروقي حتي شعرت بسخونة وجهي وشخصت إلي فوهة الرشاش المصوبة إلي صدري والملثم يهتف بلهجة آمرة
- انزل
كظمت غيظي وأنا أحاول إقناع نفسي أن تعبير " ياروح أمك" ليس فيه أي إهانة ، هو فقط مبتدأ لاخبر له ، فزحفت مرتعداً ناحية الباب .
أمسك أحد الملثمين بياقة قميصي من الخلف وجرني للأمام ، جاهدت حتي أقنع نفسي أن يده لم تلمس قفاي تماماً وأن هناك فرقين أساسيين على الأقل أولهما أن يده لم تكن مبسوطة علي مؤخرة عنقي وثانيهما أنها كانت ثابتة في مكانها وممسكة بياقة قميصي ولاتذهب وتجئ في حركة بندولية.
بدأ العبث في جيوبي ، أخرج الملثم المكلف بالتفتيش حافظة نقودي والتقط الورقة ذات المائة جنيه منها ثم قذف بالحافظة لألتقطها قبل أن ترتطم بوجهي ، وعدت أقنع نفسي أنه عمل خيراً رغم ذلك فأخذ النقود وترك لي البطاقة وبعض الأوراق الهامة ، فلم أغضب لخشونة معاملته .ولم أفكر كيف سأكمل الشهر حتي نهايته
في هذه الأثناء كان هناك من بدأ في تفتيش السيارة من الداخل ثم استقر أمام المقود.
كان بقية الركاب محتجزين ومعهم السائق علي جانب الطريق بينما الملثمون ملتصقون بالسيارة وفوهات رشاشاتهم متجهة ناحية الركاب لم أشعر إلا وأنا أتدحرج علي الأرض ناحية الركاب بفعل دفعة قوية في ظهري وحين استويت واقفاً أحاول إسناد مثانتي المحتقنة بكلتا يدي كان الملثمون قد اندفعوا إلي داخل السيارة وغابوا في النفق المظلم بينما أخذ السائق يجري خلف السيارة وهو يصرخ كالمعتوه
- حرام عليكم العربية عليها أقساط
وقف الجميع ينظرون إلي بعضهم بعضاً في ذهول بينما زحفت منحنياً حتي اعتليت النفق ثم أخرجت رشاشي الخاص وأطلقته في أثر الملثمين كالطوفان وأنا أصرخ في ارتياح صرخة شقت السكون الذي لف المدينة
- ملعون أبو الدنيا .

_______
لم يكن بيني وبين أن أفك ماأنا فيه من كرب سوي بضع درجات سلم هابط إلي حيث المراحيض العامة ، لم أأبه للزحام والتدافع حول الميكروباص الذي توقف فجأة ، ساعتان كاملتان قضيتهما في درس الرياضيات الأخير ، كنت أحاول أن أرفع صوتي اثناء الشرح ليصل إلي أسماع السيدة هالة والدة الفتي حسام وكأنما أؤكد لها أنني أبذل مجهوداً غير عادي في عملي فقد كنت أعلم بحكم العادة أنها تجلس في بهو المنزل تشاهد التليفزيون كلما حل موعد دفع الأجر الشهري للدروس الخصوصية فأحظي من الأرملة الشابة بابتسامة رائعة ثم باحتضان كفها البض بين يديّ وهي تسلّم عليّ لتشكرني علي مجهودي ثم تنقدني الورقة ذات المائة جنيه ،ويتكرر السيناريو الشهري المعتاد بأن أدس يدي في جيبي ثم أنقلها إلي جيب آخر محاولاً لملمة الجنيهات الأربعة المتبقية لها في ذمتي ، حتي يأتيني صوتها الدافئ .
- خلاص ياأستاذ مسعد ، ماتحاولش أنا مش هاخد حاجة .
أو وهي تقول مشجعة
مش كفاية حسام تاعبك معاه .
ثم ينتهي الموقف بأن أمد يدي كالمعتاد لأفرك رأس حسام الواقف بيننا مبتسماً بلامناسبة وهويشاهد السيناريو المتكرر .
اليوم كان أحد هذه الأيام الأخيرة من الشهر ومافي جيبي يقل عن أربعة جنيهات تكفي بالكاد للمواصلات العامة أما المائة جنيه فستتكفل بجسر الهوة بين الشهرين ، كنت سعيداً علي غير العادة وكنت حريصاً قبل الصعود إلي حيث الدرس الأخير أن أعرّج علي محل عصير القصب الذي يبعد خطوات عن بيت حسام فأشرب كوبين كبيرين من العصير المثلج ، فالجو حار وأنا في العادة أبذل جهداً غير عادي في درسٍ أحرص علي جعله أطول من المعتاد وأنا أرفع عقيرتي برموز الرياضيات المختلفة التي أعرف أن السيدة هالة في موقعها لن تفهم منها شيئاً وهو مايؤكد في النهاية أهمية ماأقوم به من عمل .
قبل أن أنهض من مكاني شعرت بامتلاء مثانتي التي لم تعد تتحمل ضغط سروالي عليها فتوقفت علي سلالم البيت وأنا في طريق خروجي إلي الشارع حيث فككت حزام سروالي بعض الشئ ونقلت الورقة ذات المائة جنيه إلي حافظتي بعد أن قمت بثنيها بعناية وانطلقت إلي محطة الرمل فقد تعودت أن أقضي حاجتي بمراحيضها التي تهبط عن مستوي الشارع بضع درجات قبل أن أبحث عن وسيلة مواصلات تعود بي إلي منزلي بحي محرم بك .
في ذلك المساء بدا الأمر مختلفاً والميدان الذي كان يعج بالحركة والحياة في مثل هذا الوقت من اليوم بدا وكأنه ميدان صحراوي خالٍ من البشر إلامن مجموعة من الرجال والنساء تقف عند رصيف تريانون وتمثال سعد زغلول يطل من عليائه علي البحر متجنباً النظر للمدينة الغارقة في الظلمات.
باستثناء هذه المجموعة بدت الإسكندرية كأنما هجرها ساكنوها، سور الكورنيش يبدو من بعيد كخط متصل يرسم حدود لوحة عملاقة لمشهد من الطبيعة وماوراءه بحر بلاملامح .
كنت أهرول مسرعاً متجهاً إلي المراحيض العامة حين وقف أمامي مباشرة ذلك الميكروباص الذي انقضّ عليه الناس ليعلن أنه ذاهب إلي محرم بك ، ترددت بعض الشئ فمثانتي تؤلمني لكن اندفاع الناس ناحية الميكروباص جعلني أشك في أنني سألحق به عند عودتي ، وقد حسم السائق ترددي حين صرخ في الجميع
- بسرعة..فاضل نص ساعة ويبدأ حظر التجول ، وسّعوا واستحملوا بعض وإلا هاتباتوا في الشارع .
حسم هذا التهديد ترددي حين تذكرت أن حظر التجول سيبدأ قريباً فقررت حظر التبول أيضاً واحتمال الألم وانقضضت مع المنقضين علي العربة.
جاءت جلستي في المقعد الأخير وفي أقصي زاوية بالسيارة ، وشعرت من جديد بأن المثانة ستنفجر حين وجدت أجسام الركاب الزائدين عن العدد تقفز فوق المقاعد لتدفنني في مقعدي وقبل أن يعلو صوت بالاحتجاج كان السائق يقول في نعومة
- معلش ، استحملوا بعض كلها عشر دقائق ونوصل والطريق فاضي.
ثم لافتاً نظرنا من جديد فيمايشبه التهديد
- مش أحسن ماتباتوا في الشارع الكماين في كل مكان والظباط مابيرحموش.
ثم تغيرت لهجته فجأة لتصير أكثر حدة
- الأجرة ثلاثة جنيه ياحضرات .
علا صوت محتج من بين الأجسام المتلاحمة
- لكن الأجرة جنيه واحد فقط ياأسطي
رد في شراسة بعد أن أوقف المحرك
- اللي مش عاجبه ينزل ، احمدوا ربنا أنا باعرّض نفسي وعربيتي للخطر علشانكم .
لابد مماليس منه بد ، فالخطر داهم فعلاً والوقت ضيق وهو ليس وقتاً للمجازفة
من عمق مثانتي التي أوشكت علي الانفجار صرخت
- ماشي ياأسطي .. اتكل علي الله المهم نوصل بالسلامة
كنت أريد الخلاص وأستعجل الوصول بأي ثمن
لم أأبه لأصوات الاحتجاج ومددت يدي إلي جيبي محاولاً استخلاص الجنيهات الثلاثة ، وحذا الباقون حذوي في تسليم فالوقت لايحتمل التفكير والجدل .
أخيراً تحركت السيارة بعد أن جمع السائق الأجرة كماأراد ودسها في صندوق أمامه ، ماإن اجتاز الإشارة حتي انطلق بأقصي سرعة ثم انحرف بزاوية حادة إلي شارع كلية الطب ، مالت السيارة بعنف بينما غرز أحد المعلقين بأجسادهم فوقي قبضته في بطني حتي يتفادي السقوط، صرخت متوجعاً. وأنا أشعر أن مثانتي قد انفجرت وناءت بحملها فقذفت بعضه إلي سروالي .
- مش تحاسب يابني آدم.. أنت أيه.. أعمى.
حاول الشاب تصحيح وضع جسده وسحب يده من فوق بطني وهو يتمتم بالاعتذار بينما قال السائق بلهجة باردة
- لامؤاخذة ياأفندية ، لازم نسرع شوية قبل ميعاد الحظر
ثم كرر نصيحته التي بدت مستفزة
- استحملوا بعض خمس دقايق.
ارتفع صوت سيدة من الكتلة البشرية بالمقاعد الأمامية بلامناسبة
- حسبنا الله ونعم الوكيل ، ناس معندهاش دم .
الظلام يلف المكان داخل السيارة وخارجها وصوت الأنفاس المتلاحقة ورائحة الأجساد المتلاصقة يثير الاشمئزاز .
من جديد انحرف السائق بقوة أمام بوابة المستشفي الجامعي فاتقيت سقوط الراكب فوقي من جديد بذراعي وسبقته بزرع كوعي في بطنه لكن ارتجاج مثانتي أشعرني بأن روحي تكاد تزهق .
أخيراً وصلنا إلي ميدان الخرطوم ، كانت هناك مدرعتان تتمركزان أمام بوابة كلية الطب وثلة من جنود الجيش تنتشر في الميدان ، نظر ضابط من الواقفين إلي ساعته وأدار يديه حول بعضهما في صورة عجلة بمايعني ضرورة الإسراع .
انطلق السائق بسرعة أكبر فانضغطت الاجسام ببعضها وصرخ صوت جديد
- علي مهلك يااسطي أنت ناوي تجيب أجلنا واللا أيه
وعاد السائق يقول
- استحملوا شوية ياجدعان
وصوت السيدة المكتوم يصرخ
- الليلة دي مش هاتعدي علي خير ، ناس قللات الأدب
وتدخل صوت رجالي قريب منها
- فيه ايه يامدام ؟
وعادت السيدة تقول بمايشبه الصراخ
- ابعد ياخويا وخليك في حالك مش ناقصاك أنت كمان .
بدأ السائق في تهدئة السرعة واستدار بنصفه الأعلي وراح يحملق في الظلام داخل العربة قائلاً
-فيه حاجة يامدام حد مضايقك؟ نقف هنا؟
صرخ الجميع فيه بلااتفاق فاختلطت الأصوات
- ياعم امشي بقي وخلصنا
- الليلة دي شكلها مش هايعدي علي خير
- بص قدامك يااسطي وشوف طريقك ..هانت .
تاه صوت السيدة في الزحام وراحت تصدر عنها أنات متوجعة .
اجتاز السائق ساعة الزهور وصار مواجهاً للأستاد .
هانت.. لم يبق إلا أن يجتاز النفق فيصير قريباً من محطة الوصول.
لاحت قرب النفق أشباح سوداء اختلطت بالسواد الذي يلف المكان
علي ضوء السيارة الأمامي لمحت مجموعة من الرجال الملثمين أشاروا للسيارة بالوقوف
هتفت كالواثق
- لجنة ؟
أجابني من بجواري
- لا ليست لجنة هؤلاء يغطون وجوههم وليس فيهم ضباط.
بينما قال السائق وهو يقف بالسيارة علي جانب الطريق
- استر يارب .
أطلّ أحد الملثمين داخل السيارة بعد أن فتح بابها الجانبي ، لاحظت أنه يحمل بجانبه رشاشاً وأن يده قريبة من الزناد ، قلت في نفسي لو اختل توازنه لحصدنا جميعاً قبل أن يستوي واقفاً.
من النافذة الصغيرة في نهاية العربة لمحت مجموعة من الملثمين يحملون الرشاشات ويتحلقون حول العربة ، تظاهرت بالاستغراق في النوم بينما جاءني صوت صارخ من ناحية الباب
- انزلوا واحد واحد ومش عايز صوت .
كانت لهجته ومنظر الرشاش بجانبه كفيلان بإخراسنا، بدأ الركاب في النزول ، حمدت الله أنني في أبعد مكان بالسيارة وتناومت أكثر مسنداً رأسي إلي جدار العربة ومنزلقاً بجسدي للأسفل ، بين الفينة والفينة كنت أفتح عيني ببطء محملقاً في الظلام فيمابدا لي أنه عملية تفتيش يقوم بها شخص ملثم تحت تهديد رشاشات زملائه المصوبة فوهاتها ناحية الراكب وتكاد تلمس جسده .
كلما انحسرت الأجساد من حولي تناومت أكثر وبدأت أغط غطيطاً خفيفاً حتي سمعت صرخة هائلة ارتعد لها جسدي وأجزاء الرشاش المعدنية تصطك ببعضها
- ماتنزل ياروح أمك .
لم يبق غيري في العربة وكان واضحاً أن الصرخة موجهة لي شخصياً ، غلي الدم في عروقي حتي شعرت بسخونة وجهي وشخصت إلي فوهة الرشاش المصوبة إلي صدري والملثم يهتف بلهجة آمرة
- انزل
كظمت غيظي وأنا أحاول إقناع نفسي أن تعبير " ياروح أمك" ليس فيه أي إهانة ، هو فقط مبتدأ لاخبر له ، فزحفت مرتعداً ناحية الباب .
أمسك أحد الملثمين بياقة قميصي من الخلف وجرني للأمام ، جاهدت حتي أقنع نفسي أن يده لم تلمس قفاي تماماً وأن هناك فرقين أساسيين على الأقل أولهما أن يده لم تكن مبسوطة علي مؤخرة عنقي وثانيهما أنها كانت ثابتة في مكانها وممسكة بياقة قميصي ولاتذهب وتجئ في حركة بندولية.
بدأ العبث في جيوبي ، أخرج الملثم المكلف بالتفتيش حافظة نقودي والتقط الورقة ذات المائة جنيه منها ثم قذف بالحافظة لألتقطها قبل أن ترتطم بوجهي ، وعدت أقنع نفسي أنه عمل خيراً رغم ذلك فأخذ النقود وترك لي البطاقة وبعض الأوراق الهامة ، فلم أغضب لخشونة معاملته .ولم أفكر كيف سأكمل الشهر حتي نهايته
في هذه الأثناء كان هناك من بدأ في تفتيش السيارة من الداخل ثم استقر أمام المقود.
كان بقية الركاب محتجزين ومعهم السائق علي جانب الطريق بينما الملثمون ملتصقون بالسيارة وفوهات رشاشاتهم متجهة ناحية الركاب لم أشعر إلا وأنا أتدحرج علي الأرض ناحية الركاب بفعل دفعة قوية في ظهري وحين استويت واقفاً أحاول إسناد مثانتي المحتقنة بكلتا يدي كان الملثمون قد اندفعوا إلي داخل السيارة وغابوا في النفق المظلم بينما أخذ السائق يجري خلف السيارة وهو يصرخ كالمعتوه
- حرام عليكم العربية عليها أقساط
وقف الجميع ينظرون إلي بعضهم بعضاً في ذهول بينما زحفت منحنياً حتي اعتليت النفق ثم أخرجت رشاشي الخاص وأطلقته في أثر الملثمين كالطوفان وأنا أصرخ في ارتياح صرخة شقت السكون الذي لف المدينة
- ملعون أبو الدنيا .

تعليق