سالم الحميد
المخاض ...
قصة قصيرة /
سالم وريوش الحميد
- آخر صرخة للموت تأتيك بغتة .. البسمة تأتي من انسلاخ جبال الأسى لترتسم على جدران الشفاه باهتة بلا معنى ،
حكايات نداولها شفاها لسنين القهر التي أجبرنا أن نعيشها إكراها.
قالها وهو ينظر إلى نجاة من خلال المرآة ،
السيارة تغذ السير في طريق متعرج
آلام المخاض لا تحتمل .. جفت شفتاها من كثرة الإجهاد راحت ترطبها برضابها عبثا .
.
(اشتقت إلى يم بلا صخب و السفن تسير فيه بما لا تشتهي الرياح )
نظر جلال إلى يوسف بطرف عينيه وهز رأسه موافقا دون أن يعي ما المقصود بكلامه ..
:- أرجوك أسرع
قال جلال الذي أسكتته مخاوف الطريق، أو ربما حلمه
بأن يكون أبا هو من ألزمه الصمت .. مل ثرثرة يوسف وحواراته الغامضة ،
حطت يد ه كحمامة وديعة على ذراعها .. أحست بدفئها .. رأت في عينيه حلما طالما انتظره ..
ابتسم و كأنه يريد إماتة كل توجس في داخلها
حاولت أن تتخطى عتبات آلام المخاض وتلك التقلصات التي راحت تتقارب فتراتها :-
- أنا على وشك الولادة أسرع أرجوك
أحست بنزول سائل ساخن بين فخذيها .تحسسته بأطراف أصابعها . راحت تتطلع إلى الطريق فبدا لها اغبرار غريب وكأن إعصار مر من هنا قبلهم حول كل شيء إلى حطام ، الأفكار ثقيلة على رأسها الصغير الذي بدا ينوء بها .
الظلام بدأ يداهمهم من كل الجهات وظلال الخوف في عيني زوجها الذي حاول يطمئنها بكلمات باردة لا حياة فيها . الطرق التي مر بها يوسف لم يخبرا مسالكها من قبل ..كأن الزمن توقف
:- ربما سألد هنا .. لم أعد أطيق
:- سنصل
قال زوجها ليقتل في داخلها كل رغبة لمواصلة الحديث ..
الآلام تزداد، تتأوه بصوت واهن
صور الماضي القريب راحت تداهمها كشلال بدأ يتدفق ليروي عطش جسدها
فتحت حنفية الماء ،اندفع البخار بقوة لينتشر في محيط الحمام ، صوت خرير الماء بدا كأنه نزف سنين عجاف ..
تنز الأيام من أوداج التأريخ بلون النجيع ،
شطبت كل الفصول من عمرها إلا الخريف فهو باق يسجل وقائعه السود ويحصي عليه زلاته ..
تراءت لها كلمة ( أحبك ) وهو يخطها على المرآة المنداة بإصبعه
أو يكتبها بقلم أحمر الشفاه .. عشرات الأفكار المتناثرة في دفاتر مذكراته لازالت تحاكيها في وحدتها ... مسحت المرآة بكفها من ضباب تجمع على سطحها ..
البخار المتصاعد يحرمها متعة مشاهدة تضاريس جسدها ،
ترى أهرمّ جسدي ، وتغضنت ملامحي ، وشاخت أفكاري سنينا ، في هذه الأيام القليلة ..؟
حين ينفخ في الصور قد تأتي علامات الساعة ،
في احتضار طفل جريح ، أو صرخة امرأة تلد على قارعة الطريق ..
أطر حزينة ظلت تقتاتها ذاكرتها ،
تقابلا عند مواسم الفرح قبل أن تمزق زخارف المآسي زينة الأعراس ..قبل أن تبهت الصور في المرايا ، والشوارع تعلوها سحب الدخان
لازلت يا نجاة أحلى عروسة .
قالها في آخر يوم من آذار ..*
العيون تفيض حنانا وهي تنزلق إلى محطات الحرمان
:- يبكر البين بكور الغرابين .
رددت أمها وهي تبكي بعد أن اجتازت ابنتها مرحلة الخطر ..ربما حلما هو ذلك الذي رأت جلال فيه .. داعب خصلات شعرها وراح يقبل وجنتيها
(ربما اضطجع على سريري هنا . لكني لم أشم عطره )
كل ما يحيط بها آسرة بيضاء، وعيون تترقبها وهمس بدا كأنه مواساة لحالها
(.آه يا جسدي المشتاق لدفء جسده .. ألا زلت تذكر قبلاته ..وتحن لسحر كلماته ) غمرت رأسها في الماء .. ثم نفضت عنه ما علق به من مياه
:_ مهرنا عشق أبدي
كم كان يطربها غناءه
(يا عشكنا فرحة الطير إلي ترد لعشوشها عصاري
يا عشكنا من سوابيط العنب ونحوشه عصاري )
تمنت أنها ما عرفته قبل أن يزرع ثمرة هذا الحب في قلبها وداعا بلا رجوع
وجنين نمى في انتظار أن يرى النور دون أن يراه
السيارة تخترق الظلام بحذر ..
:_ قف
جاء الصوت من المجهول، بدا كرعد مزق سكون الليل وصمت المكان
وانطلق بعده وابل من رصاص راح يئز في الهواء
:_عندنا حالة ولادة
قال جلال وهو يبتلع رمقه ..أحست وكأنما الكون بسمواته السبع أطبقت عليهم .. وجوه غريبة .. مغبرة .ولحى مجنونة ..أسنان صفراء ماجنة . وعيون تبرق شررا ..
ضحك احدهم بصوت عالي
:- لا تحمل هما ، سوف لن نجعلها تشعر بأي ألم .هنا مستشفى للولادة ..!
مد يده نحو صدرها تلمس الصليب بيده، انكمشت في مكانها ، تكورت رغم ارتفاع بطنها ، راح يمسد شعرها ، نسيت آلامها واستبدلتها بخوف .. أقشعر جسدها وهي تشعر ببرودة يده الصفراء تتفحص معالم جسدها . كل شيء بدا كفيلم رعب ...
ارتفع الضحك، بدا كنعيق بوم . سمعت يوسف يردد بصوت مرتبك لم تميز منه غير كلمات تحشرجت في فمه وهو يتمتم قائلا
:_أيها الرب .. امنحني القوة ...؟
:_أعطنا هويتك
قالوا لزوجها
.أنزلوا يوسف من السيارة لم يك خوفا ذاك الذي في عينيه ، لكن ثمة آسى راح يكتنف نظراته
قالت في نفسها وكأنها تستعيد من التأريخ قبحه
هل عاد هيردوس للحياة من. جديد بصورة مجاهد أفغاني ...؟
وجاهرت لهم بالقول
:- لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنه .. ؟
:- لا تدنسي اسم الرسول بلسانك يا فاجرة ..!
لاح لعينيها ثالوثهم المقدس ( الله أكبر . وتكبير.. وصوت إطلاقه أو مدية معدة للنحر ..)
..راح يزعزع بقايا الإيمان في قلبها بأن دين زوجها هو دين رحمة ..
.( لن أستسلم للموت )
قفز جلال إلى مقعد السائق باغت الجميع وانطلق بسرعة مذهلة .. يناور في طريق متعرج وصراخها يصم الأذان ، انطلق وابل من الرصاص وراءهما .. راح يئز في بدن السيارة .. السيارة تنطلق بلا هداية وكأنها تقود نفسها .. صوت منبهات السيارات .. تصر على أنهم في خطر
.. (لا أعرف بالضبط ما الذي جرى بعد ذلك ... )
سكبت على رأسها ماء فاتر وكأنها تريد أن تطرد هوس تلك الليلة التي ما عادت تفارق مخيلتها
استمرأت أن تكون بلا ماض ولا غد بعد أن تبرأ البشر من أبناء جلدتهم ..
أصبحت مهيضة الجناح بلا مجداف يقودها إلى بر الأمان
( آه كم قاسي هو الفراق يا جلال )
كانت تنظر إلى صورته الموضوعة إلى جنبها في إطارها الذهبي .. ووسادته التي لم تستبدلها رغم إنها أغرقت بدموعها .
(اشتقت إليك )
الأفق امتداد لانهائي وتيارات الأفكار دافقة ، كل يوم تجرف سيولها ألاف الذكريات
بتلات الورد الزرقاء تبهر العيون التي اعتادت الجمال لكن بصورة أخرى
(أسبوعا مر وأنا لا أراه )
لازالت تحلم بجلال ووليدها الذي قالوا أنه في حاضنة الخدج
.. ( جلال يجب أن يطمئن عليه ويطمئنني )
ذاكرتها مشوشة بقطعان من السحب تحجب عنها رؤية الأحداث
كرنفالات الحزن دائمة الحدوث في وطن يغترف من دائرة الليل ضوءه .
:_الراحلون أغدقوا الشارع بكرم لانهاية له .
أمها تضيف إلى حيرتها حيرة أخرى
:- أمي لا تكلميني بالألغاز ، أمي أعرف أنك قاصة ويحلو لك اللعب بالألفاظ ، لكني لست مستعدة لحل تلك الطلاسم
قالت أمها وهي تزم شفتيها بانفعال
:_يحتضن الموت الأجساد في باقة ورد وكلمة وداع ، المسيح لا ينتصر على إرادة من يمتهن القتل ..
:_أماه أنا قلقة على جلال قولي لي أين هو..؟
كانت تبكي كما تبكي الأم ثكلاها ..
لازالت بسمة أمها مواربة تحترف الغش ، ولازال الأمل مخادع
تمارس الإصغاء كفن من فنون التمويه لعلها تصل إلى الحقيقة ..
(الفوز حلم الطامحين )
علمها جلال في مدرسة عشقه السرمدي .. أسماء ما كانت تعني لها شيئا يوما ما ، لكنها اليوم أصبحت تعني لها الكثير ..
منذ أن أعدت أطروحة الماجستير عن نضالا تهم فتية كانوا أعلى من مشانق الموت ..
كان يقول لها
( سنجد الحقيقة حكاية فلاح لازالت قبضته تحنو على منجله ، ومطرقة أرست قواعد الحب وأثثت له أيكا . وحمامة تطير تحمل أغصان الزيتون ..)
ذكريات من بقايا الأمس لازالت جميلة .. خمرة العشق ، تطوح بها .تسكرها . في حلم سرمدي تركض هي وإياه في عالم لانهائي كل امتداداته سعادة وفرح تحلق إلى عنان السماء على تلك الروابي الخضر ، يتسابقان ضحكاتهما تبني صروحا من الأمل بلا أوتاد
أعطتها أمها المنشفة وراحت تردد بكلام بدا كأنه ضرب من الهذيان
(الحب ولد في رحم الإنسانية .. ومات في فتوى عالم مسلم .)
تعزف أمها على أوتار العود أنغاما حزينة ..
.. لازالت تشعل أعواد البخور منذ أن جيء بوليدها ملفوفا بكيس من البلاستك ، لم تعد ترتقي إلى عالم العقلاء ..
تطلعت نجاة إلى البوم الصور ..
يوسف بطوله الفارع وعينيه الجميلتين النرجسيتين وابتسامته التي لا تفتر ، وجلال الذي راح يحملها بين ذراعيه هي وجنينها الموعود ..
_ أنا السبب في موتكم ..أنت و ولدي . الذي لم تكتحل عيني برؤيته ، ويوسف الذي لم يكن له ذنبا ..
كيف لي أن أسامح نفسي..
بكت بحرقة
أدركت ألا أوبة لهم بعد ذاك
سارت ببطء شديد تتوسد ذراع أمها .. تريد أن تنسى سفن الرعب التي راحت ترسل جثث الأحياء إلى الموت بلا خطيئة ..
وشوارع أزهقت من كثر المارين على امتداداتها بلا إياب ،
ثلاثة أقمار أرادوا إطفائها ساعة أن صاروا سيوف الله على الأرض ،
فكر حر ،وقلم مبدع ، وقلب إنسان ..
نثار من الكلام سيموت يوما في طي ذاكرة أتعبتها السنين إن لم يدون للتأريخ .. هي بقايا أديب وثائر
المركبات السود تخترق الشوارع بقوافل يمتد عوائها ليمزق صمت الخوف بخوف آخر ،
الشوارع مكتظة بالمارة .. تطلعت إلى الوجوه التي اغتيل الفرح فيها
نظرت إليه بهتت ، وهي تراه أمامها يسير .حاولت اللحاق به
صرخت بأعلى صوتها منادية
:_ يوسف
ارتبكت خطاه كان ينظر إليها بطرف عينيه .. انطلق بسيارته بكل سرعته ..
(يوسف كيف نجوت منهم ...؟ )
قالتها ولم تعد قدماها تطاوعانها على المسير .. ربما هي أحلام يقظة
رن جرس الموبايل .. كتمت أنفاسها ..تحققت من الرقم
:- يوسف
:- نعم ...أنا يوسف ..
ثم أضاف وهو يتلعثم بالكلام
اغفري لي كنت مجبرا يا نجاة..عزت علي نفسي فأما أنا وعائلتي أو أسلمهم جلال ...
... على قارعة الأمل المنشود قادتها قدماها دون شعورا منها لساحة الأندلس
تأملت تمثال سلام عادل**.تبسمت .. شعاع من الأمل دب إلى نفسها منحها الطمأنينة
ولجت الباب لترى صورة جلال في عيون رفاقه ..
المخاض ...
قصة قصيرة /
سالم وريوش الحميد
- آخر صرخة للموت تأتيك بغتة .. البسمة تأتي من انسلاخ جبال الأسى لترتسم على جدران الشفاه باهتة بلا معنى ،
حكايات نداولها شفاها لسنين القهر التي أجبرنا أن نعيشها إكراها.
قالها وهو ينظر إلى نجاة من خلال المرآة ،
السيارة تغذ السير في طريق متعرج
آلام المخاض لا تحتمل .. جفت شفتاها من كثرة الإجهاد راحت ترطبها برضابها عبثا .
.
(اشتقت إلى يم بلا صخب و السفن تسير فيه بما لا تشتهي الرياح )
نظر جلال إلى يوسف بطرف عينيه وهز رأسه موافقا دون أن يعي ما المقصود بكلامه ..
:- أرجوك أسرع
قال جلال الذي أسكتته مخاوف الطريق، أو ربما حلمه
بأن يكون أبا هو من ألزمه الصمت .. مل ثرثرة يوسف وحواراته الغامضة ،
حطت يد ه كحمامة وديعة على ذراعها .. أحست بدفئها .. رأت في عينيه حلما طالما انتظره ..
ابتسم و كأنه يريد إماتة كل توجس في داخلها
حاولت أن تتخطى عتبات آلام المخاض وتلك التقلصات التي راحت تتقارب فتراتها :-
- أنا على وشك الولادة أسرع أرجوك
أحست بنزول سائل ساخن بين فخذيها .تحسسته بأطراف أصابعها . راحت تتطلع إلى الطريق فبدا لها اغبرار غريب وكأن إعصار مر من هنا قبلهم حول كل شيء إلى حطام ، الأفكار ثقيلة على رأسها الصغير الذي بدا ينوء بها .
الظلام بدأ يداهمهم من كل الجهات وظلال الخوف في عيني زوجها الذي حاول يطمئنها بكلمات باردة لا حياة فيها . الطرق التي مر بها يوسف لم يخبرا مسالكها من قبل ..كأن الزمن توقف
:- ربما سألد هنا .. لم أعد أطيق
:- سنصل
قال زوجها ليقتل في داخلها كل رغبة لمواصلة الحديث ..
الآلام تزداد، تتأوه بصوت واهن
صور الماضي القريب راحت تداهمها كشلال بدأ يتدفق ليروي عطش جسدها
فتحت حنفية الماء ،اندفع البخار بقوة لينتشر في محيط الحمام ، صوت خرير الماء بدا كأنه نزف سنين عجاف ..
تنز الأيام من أوداج التأريخ بلون النجيع ،
شطبت كل الفصول من عمرها إلا الخريف فهو باق يسجل وقائعه السود ويحصي عليه زلاته ..
تراءت لها كلمة ( أحبك ) وهو يخطها على المرآة المنداة بإصبعه
أو يكتبها بقلم أحمر الشفاه .. عشرات الأفكار المتناثرة في دفاتر مذكراته لازالت تحاكيها في وحدتها ... مسحت المرآة بكفها من ضباب تجمع على سطحها ..
البخار المتصاعد يحرمها متعة مشاهدة تضاريس جسدها ،
ترى أهرمّ جسدي ، وتغضنت ملامحي ، وشاخت أفكاري سنينا ، في هذه الأيام القليلة ..؟
حين ينفخ في الصور قد تأتي علامات الساعة ،
في احتضار طفل جريح ، أو صرخة امرأة تلد على قارعة الطريق ..
أطر حزينة ظلت تقتاتها ذاكرتها ،
تقابلا عند مواسم الفرح قبل أن تمزق زخارف المآسي زينة الأعراس ..قبل أن تبهت الصور في المرايا ، والشوارع تعلوها سحب الدخان
لازلت يا نجاة أحلى عروسة .
قالها في آخر يوم من آذار ..*
العيون تفيض حنانا وهي تنزلق إلى محطات الحرمان
:- يبكر البين بكور الغرابين .
رددت أمها وهي تبكي بعد أن اجتازت ابنتها مرحلة الخطر ..ربما حلما هو ذلك الذي رأت جلال فيه .. داعب خصلات شعرها وراح يقبل وجنتيها
(ربما اضطجع على سريري هنا . لكني لم أشم عطره )
كل ما يحيط بها آسرة بيضاء، وعيون تترقبها وهمس بدا كأنه مواساة لحالها
(.آه يا جسدي المشتاق لدفء جسده .. ألا زلت تذكر قبلاته ..وتحن لسحر كلماته ) غمرت رأسها في الماء .. ثم نفضت عنه ما علق به من مياه
:_ مهرنا عشق أبدي
كم كان يطربها غناءه
(يا عشكنا فرحة الطير إلي ترد لعشوشها عصاري
يا عشكنا من سوابيط العنب ونحوشه عصاري )
تمنت أنها ما عرفته قبل أن يزرع ثمرة هذا الحب في قلبها وداعا بلا رجوع
وجنين نمى في انتظار أن يرى النور دون أن يراه
السيارة تخترق الظلام بحذر ..
:_ قف
جاء الصوت من المجهول، بدا كرعد مزق سكون الليل وصمت المكان
وانطلق بعده وابل من رصاص راح يئز في الهواء
:_عندنا حالة ولادة
قال جلال وهو يبتلع رمقه ..أحست وكأنما الكون بسمواته السبع أطبقت عليهم .. وجوه غريبة .. مغبرة .ولحى مجنونة ..أسنان صفراء ماجنة . وعيون تبرق شررا ..
ضحك احدهم بصوت عالي
:- لا تحمل هما ، سوف لن نجعلها تشعر بأي ألم .هنا مستشفى للولادة ..!
مد يده نحو صدرها تلمس الصليب بيده، انكمشت في مكانها ، تكورت رغم ارتفاع بطنها ، راح يمسد شعرها ، نسيت آلامها واستبدلتها بخوف .. أقشعر جسدها وهي تشعر ببرودة يده الصفراء تتفحص معالم جسدها . كل شيء بدا كفيلم رعب ...
ارتفع الضحك، بدا كنعيق بوم . سمعت يوسف يردد بصوت مرتبك لم تميز منه غير كلمات تحشرجت في فمه وهو يتمتم قائلا
:_أيها الرب .. امنحني القوة ...؟
:_أعطنا هويتك
قالوا لزوجها
.أنزلوا يوسف من السيارة لم يك خوفا ذاك الذي في عينيه ، لكن ثمة آسى راح يكتنف نظراته
قالت في نفسها وكأنها تستعيد من التأريخ قبحه
هل عاد هيردوس للحياة من. جديد بصورة مجاهد أفغاني ...؟
وجاهرت لهم بالقول
:- لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنه .. ؟
:- لا تدنسي اسم الرسول بلسانك يا فاجرة ..!
لاح لعينيها ثالوثهم المقدس ( الله أكبر . وتكبير.. وصوت إطلاقه أو مدية معدة للنحر ..)
..راح يزعزع بقايا الإيمان في قلبها بأن دين زوجها هو دين رحمة ..
.( لن أستسلم للموت )
قفز جلال إلى مقعد السائق باغت الجميع وانطلق بسرعة مذهلة .. يناور في طريق متعرج وصراخها يصم الأذان ، انطلق وابل من الرصاص وراءهما .. راح يئز في بدن السيارة .. السيارة تنطلق بلا هداية وكأنها تقود نفسها .. صوت منبهات السيارات .. تصر على أنهم في خطر
.. (لا أعرف بالضبط ما الذي جرى بعد ذلك ... )
سكبت على رأسها ماء فاتر وكأنها تريد أن تطرد هوس تلك الليلة التي ما عادت تفارق مخيلتها
استمرأت أن تكون بلا ماض ولا غد بعد أن تبرأ البشر من أبناء جلدتهم ..
أصبحت مهيضة الجناح بلا مجداف يقودها إلى بر الأمان
( آه كم قاسي هو الفراق يا جلال )
كانت تنظر إلى صورته الموضوعة إلى جنبها في إطارها الذهبي .. ووسادته التي لم تستبدلها رغم إنها أغرقت بدموعها .
(اشتقت إليك )
الأفق امتداد لانهائي وتيارات الأفكار دافقة ، كل يوم تجرف سيولها ألاف الذكريات
بتلات الورد الزرقاء تبهر العيون التي اعتادت الجمال لكن بصورة أخرى
(أسبوعا مر وأنا لا أراه )
لازالت تحلم بجلال ووليدها الذي قالوا أنه في حاضنة الخدج
.. ( جلال يجب أن يطمئن عليه ويطمئنني )
ذاكرتها مشوشة بقطعان من السحب تحجب عنها رؤية الأحداث
كرنفالات الحزن دائمة الحدوث في وطن يغترف من دائرة الليل ضوءه .
:_الراحلون أغدقوا الشارع بكرم لانهاية له .
أمها تضيف إلى حيرتها حيرة أخرى
:- أمي لا تكلميني بالألغاز ، أمي أعرف أنك قاصة ويحلو لك اللعب بالألفاظ ، لكني لست مستعدة لحل تلك الطلاسم
قالت أمها وهي تزم شفتيها بانفعال
:_يحتضن الموت الأجساد في باقة ورد وكلمة وداع ، المسيح لا ينتصر على إرادة من يمتهن القتل ..
:_أماه أنا قلقة على جلال قولي لي أين هو..؟
كانت تبكي كما تبكي الأم ثكلاها ..
لازالت بسمة أمها مواربة تحترف الغش ، ولازال الأمل مخادع
تمارس الإصغاء كفن من فنون التمويه لعلها تصل إلى الحقيقة ..
(الفوز حلم الطامحين )
علمها جلال في مدرسة عشقه السرمدي .. أسماء ما كانت تعني لها شيئا يوما ما ، لكنها اليوم أصبحت تعني لها الكثير ..
منذ أن أعدت أطروحة الماجستير عن نضالا تهم فتية كانوا أعلى من مشانق الموت ..
كان يقول لها
( سنجد الحقيقة حكاية فلاح لازالت قبضته تحنو على منجله ، ومطرقة أرست قواعد الحب وأثثت له أيكا . وحمامة تطير تحمل أغصان الزيتون ..)
ذكريات من بقايا الأمس لازالت جميلة .. خمرة العشق ، تطوح بها .تسكرها . في حلم سرمدي تركض هي وإياه في عالم لانهائي كل امتداداته سعادة وفرح تحلق إلى عنان السماء على تلك الروابي الخضر ، يتسابقان ضحكاتهما تبني صروحا من الأمل بلا أوتاد
أعطتها أمها المنشفة وراحت تردد بكلام بدا كأنه ضرب من الهذيان
(الحب ولد في رحم الإنسانية .. ومات في فتوى عالم مسلم .)
تعزف أمها على أوتار العود أنغاما حزينة ..
.. لازالت تشعل أعواد البخور منذ أن جيء بوليدها ملفوفا بكيس من البلاستك ، لم تعد ترتقي إلى عالم العقلاء ..
تطلعت نجاة إلى البوم الصور ..
يوسف بطوله الفارع وعينيه الجميلتين النرجسيتين وابتسامته التي لا تفتر ، وجلال الذي راح يحملها بين ذراعيه هي وجنينها الموعود ..
_ أنا السبب في موتكم ..أنت و ولدي . الذي لم تكتحل عيني برؤيته ، ويوسف الذي لم يكن له ذنبا ..
كيف لي أن أسامح نفسي..
بكت بحرقة
أدركت ألا أوبة لهم بعد ذاك
سارت ببطء شديد تتوسد ذراع أمها .. تريد أن تنسى سفن الرعب التي راحت ترسل جثث الأحياء إلى الموت بلا خطيئة ..
وشوارع أزهقت من كثر المارين على امتداداتها بلا إياب ،
ثلاثة أقمار أرادوا إطفائها ساعة أن صاروا سيوف الله على الأرض ،
فكر حر ،وقلم مبدع ، وقلب إنسان ..
نثار من الكلام سيموت يوما في طي ذاكرة أتعبتها السنين إن لم يدون للتأريخ .. هي بقايا أديب وثائر
المركبات السود تخترق الشوارع بقوافل يمتد عوائها ليمزق صمت الخوف بخوف آخر ،
الشوارع مكتظة بالمارة .. تطلعت إلى الوجوه التي اغتيل الفرح فيها
نظرت إليه بهتت ، وهي تراه أمامها يسير .حاولت اللحاق به
صرخت بأعلى صوتها منادية
:_ يوسف
ارتبكت خطاه كان ينظر إليها بطرف عينيه .. انطلق بسيارته بكل سرعته ..
(يوسف كيف نجوت منهم ...؟ )
قالتها ولم تعد قدماها تطاوعانها على المسير .. ربما هي أحلام يقظة
رن جرس الموبايل .. كتمت أنفاسها ..تحققت من الرقم
:- يوسف
:- نعم ...أنا يوسف ..
ثم أضاف وهو يتلعثم بالكلام
اغفري لي كنت مجبرا يا نجاة..عزت علي نفسي فأما أنا وعائلتي أو أسلمهم جلال ...
... على قارعة الأمل المنشود قادتها قدماها دون شعورا منها لساحة الأندلس
تأملت تمثال سلام عادل**.تبسمت .. شعاع من الأمل دب إلى نفسها منحها الطمأنينة
ولجت الباب لترى صورة جلال في عيون رفاقه ..
تعليق