حلم حذاء
تقدّم حذاؤه الأسود الطويل، ذو اللسان الطويل، كاشح اللون، وقال:
- بصفتي حذاؤك الذي رافقك مسيرة العمر في أيامك الصعبة، وسهر معك الليالي المعتمة، وعاش معك الخوف والآمان، وبدافع هذه الرفقة والسهر والمعيشة، دعوت هذا العدد من الأحذية، لنطلب منك، بصفتك موظفا كبيرا في وزارة الخارجية، لتساعدنا في تحقيق حلم طالما حلمنا به، وتحقيق أمنية طالما رددناها كالأغنية على ألسنتنا الطويلة أوالقصيرة.
- ما هي هذه الأمنية، وما هو هذا الحلم - ياحماة الأقدام!؟
قالها بشيء من السخرية الممزوجة بالغضب.
- ألسنا في زمن الثورات، وربيع الشعوب ومبدأ الأخوّة والحرية والمساواة؟
- هكذا يقولون.
- نريد فقط الحرية والأخوّة والمساواة.
- ومن أين أعطيكم الحرية والأخوة والمساواة، وقسم منا نحن البشر لا زلنا نحلم بها مجرّد حلم!
- لا يعنينا حصل عليها كل البشر أو قسم منهم، إننا نريد حقنا كاملا، غير منقوص، لا أكثر ولا أقل.
- وما هو حقكم؟- قل يا "أبو لسان طويل".
- أن نتساوى مع حذاء منتظر الزيدي .
صُعق وليد زيدان وهو يسمع هذا الطلب الغريب، ولكنه أحسّ بشيء من الارتياح يسري في بدنه وأن شيئا ثقيلا، كأنه التعب، أُزيح من بين كتفيه، ولكنه كي لا يتعرى من كبريائه ومن قوته قال:
- هل جُننتم؟! أتدركون معنى ما تطلبون؟؟
- كل الإدراك. وليكن معلوما للقاصي والداني أننا نمثل أطياف سكان الكرة الأرضية التي شبعنا من غبارها. بيننا الأسود والأحمروالأصفر
والأبيض، وحذاء منتظر الزيدي لا يزيد عنّا في لسانه أو جلده أو رباطه.
- وماذا تريدون من هذه المساواة؟
- أن نقبّل وجه زعيم أكبر دولة تتربص ببلادنا، كما قبّله حذاء منتظر الزيدي.
- ولماذا اخترتموني أنا بالذات، لأحمل قرفكم وألبي أغرب طلب ؟؟؟
- لأنك مسئول في وزارة الخارجية، ويمكنك أن تصحب من نختاره ممثلا عنّا إلى أروقة الأمم المتحدة
- تريدون هيئة الأمم المتحدة مرة واحدة!!؟
- ولم لا، وهل حذاء خروتشوف (1) أفضل منا في صناعته أو أصله أو لونه أو مكيجته؟؟
- قد لا تجدون من تطلبونه في الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
- خذنا إلى في مجلس الأمن.
- لكن مجلس الأمن للكبار فقط.
- في عالم الأحذية لا فرق بين كبير وصغير إلا في ما يخصّ السعر الذي تتلاعبون فيه، لتشبعوا أطماعكم وغرائزكم، ثم أن مجلس الأمن
ليس أفضل من الجمعية العمومية، ولا حتى أفضل من مجالسنا المحلية، لأنه دائما ضد الشعوب الفقيرة، ومَنْ مِنَ الشعوب أفقر منّا ؟
ودائما يستعمل حق الفيتو ضد حقوق الشعوب، يساند المعتدي ويقف مع القوي، حتى لو كان على باطل.
- وما هي حقوقكم المسلوبة ؟؟
- ألا يكفي أننا لم نعد نجد أرضا ندوس عليها، حتى الأراضي التي تعبنا في العمل بها مع أصحابها الذين ورثوها عن آبائهم وأجدادهم
صرنا مثلهم نُمنع عن دخولها.
- اقسم بأيامي التي عشناها معا، اقسم بالرفقة، بالليالي المظلمة والمُقمرة التي سهرناها معا،بانتصاراتنا التي شهدناها، بإنجازاتنا، أني
سألبي لكم مطالبكم، وأحقق لكم حلمكم إن فضضتم هذا الحشد الكبير وعدتم من حيث أتيتم، فقط دعوني ادخل بيتي لأستريح، بعد أيام
طويلة لم أذق فيها طعم النوم .
- أتعد بما أقسمت؟
- أعدكم باسم تراب الوطن الحزين، والمجبول بدم أطفالنا ونسائنا وشيوخنا، والذي يصرخ ألما بصوت أعلى من أصوات الأجراس "كفى
اقتتالا".
تراجع الحذاء الطويل، ذو اللسان الطويل، وتراجعت من خلفه أعداد الأحذية المحتشدة، وانسحبوا، الواحد بعد الآخر.
ودخل وليد زيدان بيته منتصب القامة، مرفوع الهامة واسع الخطى كشاب في مقتبل عمره
(1) خروتشوف رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي نزعحذاءه عام 1960 وضرب به على الطاولة خلال خطابه في الدورة العامة للجمعية العموميةحتى يستلفت انتباه الحضور الذي لم يكن منتبها
تعليق