الفجوة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد الرحمن محمد الخضر
    أديب وكاتب
    • 25-10-2011
    • 260

    الفجوة

    .........................
    تَعِبٌ , والتعبُ يقظٌ , في ليلتي يصرّ على التأرق ,
    النومُ سافرٌ في تعامله معي , ألْمَحُهُ بين حينٍ وآخرَ يمرُّ مِنّي قريبا , لا يصافحُني مرَّةً , ولم يلمس البتّة علي كفي الممدوة إليه , وحتى أنّه لايردُّ السلامَ حين أشعرُ بلفحةِ ريحه تكادُ تلمسُ بي .
    لستُ في شكٍّ من الفجوةِ بيني وبينه , وأؤكّد أنني لم أتسبّب من جهتي بها, بل أني هيّئْتُ كلَّ الفرص التي ستسنح لي وله بإجراء التفاهمات وبترتيبٍ لعلاقةٍ طيبة .
    السكونُ بعيدٌ حدَّ المحيطات والسماوات يأتيني بغور الحياة , وأسمع الآن دقّاتِ قلبي جليّةً , وحشرجاتِ رئاتِ كلِ النائمين تهزجُ حولي .
    السماءُ في غيمٍ أصمّ , لا تنعكس على وجهه أيّةُ لمحةٍ من ضوء , والآفاقُ موصدة , وكلَ الأشياء أُفرِغَتْ لديّ , وأنا أملأُ الفضاء في مساحةٍ هي أنا , لا تتيح لي إضافةً لزفرة فأجتر زفراتي الكنونة ذاهبةً آيبة .
    الفجرُ بعيدٌ قريب , كأنّ بقدميّ جلبة الزمن على حوافر جمل , بتلك البقعة اللحمية الدائرية تسافر زمناً كي تهبط لتسجّلَ خطوةً ليس إلّا واحدةً على طريقٍ إلى الفجر تلزمه سرعةُ لا تعترضُ سبيلها حشرجة عائقٍ كان .
    صار تفكيري الآن كخفيّ الجمل , لن يصل إلى حسم لأمر من كل ماأفكر فيه , بطيئاً , وصار الآن طوداً عظيمَ الكيان , لا يذهب ولايحرّك ساكنا .
    سنذهب صباحاً كما قال صديقي فؤادٌ لزيارة بعضٍ من المراكز الامتحانية للشهادة الثانوية العامة في اليوم قبل الأخير.
    سأحدد فورا موقفا لا يشَقُّ له غبار
    سأتعامل الآن بذات الاسلوب الذي يباشره النوم الليلة معي .
    وسأردّ الصاع صاعين .
    وعليّ أن أصير المتفوق .
    لن أصافحه حتى لو مدّ يده نحوي .
    لن ألقي السلام عليه .
    ولن أردّه له .
    سأشتغل على تغوير الفجوة بيننا .
    ليست الفجوة فحسب , كلِّ شيئ , كلِّ شيئ , لن أتردّدَ عن فعله , يثير غضبه , ويقضُّ مضجعه , مثلما قضّ مضجعي .
    وأعرف أنّه لن يبالي . كإبليس بين يدي الله .
    ولكنّي سأجعله يقف معتوهاً , مدهوشاً , غيرَ مصدّقٍ , وحتى ذليلاً , سأجعله صاغراً يدعوني أخيراً إليه , متوسلاً بكل مالديه من مغْوِيات , هاتِهِ التي بدأ الآن يدسُّها لي , وهاهو حين لم يفلح , يروح ليغدقها نحوي .
    سأكتب الآن أيها النوم ولن أنتظر
    سأكتب الليلة قبل الغد .
    في الليل قبل أن ينجليَ بالنهار .
    ولتمتْ بغيظِك وحقدِك .
    لن أفكّر فيك , ولا في عطاياك , فأنا حين أكتب , أمتلك الإرادة والقدرة على خلق ما أريد , أن أصير ما أريد , حرّاً كما أريد , جليّاً كما أنا الآن .
    توسّل أيها النوم , وحطّ رأسك بين قدميّ .
    أمّا أنا , فإنّي أكتب , ولن أعيرك حتّى بعض التفاتة .
    " الكتابة كبريائي العظيم ".
    والمؤذن يصدح بالفرْض من فوق كل المآذن إلى آذاننا , وفلقةُ الضوء تزهر ثَمَّ , رويداً بالفجر ثُمَّ رويدا .
    لكنني أكتب , أنا من أملك الزمان - أسيطرُ حين أكتب , وسأتحكّم بك أيها النوم حسب حبكة الكتابة , أملك أن أضعك في موقع من مخلوقاتي بعيدا بعيدا , وسأكتب النهارات فقط ولن تجد لك في عالمي حتى أن تندسّ مختبئا حين العيون كلها مني فاتحات على كل أزمنة وأمكنة كتاباتي .
    " كشْ أيّها النومُ لقد أسقطتُك "
    وعمّا قليل سيأتي صديقي فؤادٌ لنذهب إلى مراكز الاختبارات
    لن أنتظره فؤادي حتي يأتي , سأتصل به الآن
    لم تعد على الطاولة أيها النوم , لم تعد ضمن جدّي ولا ضمن هزلي ,هاأنت تتمدد بلا أنفاس عرض الطريق منبوذا - وبلا أحلام - كبيضة فاسدة
    فلا أحقر ولا أنبذ من موضع كهذا أيها النوم لأضعك فيه
    لن أتابع مستقبلك فلا مستقبل لك
    .................................................. .....
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    عبد الرجمن محمد الأخضر
    مليون هلا بك
    مشتاقة لك
    لنصوصك
    لتلك الجدلية التي تنشط وتحتدم من أجل نصا لك
    لن أقبل أن تغيب بعد اليوم
    سأرفض ذلك وبشدة مثلما رفضت أنت النوم وتركته يتوسل
    لن أقبل أن تفترق عنا وأنت صاحب الرؤية والحرف الجميل
    وكن على ثقة أنني سأنزعج كثيرا لو فعلتها ثانية وغبت وسأزاعلك هاهاها
    تحياتي ومحبتي لك وهلا بعودة الغياب
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • أم عفاف
      غرس الله
      • 08-07-2012
      • 447

      #3
      bravooooo
      تميز على مستويات عدة
      حقيقة شفيت غليلي
      ما أجمل الانتصار بعد الغلبة
      قصة ممتعة وغاية في الحبكة
      تحياتي

      تعليق

      • بسباس عبدالرزاق
        أديب وكاتب
        • 01-09-2012
        • 2008

        #4
        فجوة سحيقة تلك التي تقف بين الإنسان و الحضارة
        فحين يستسلم للنوم و يحث في طلب الكسل فإنه يصر على السقوط

        أعجبتني زبدة النهاية
        فالنوم لا مستقبل له و كذلك شأن النائمين

        نص له الكثير من الجمال و الإبداع الذي سكن أرجاء النص

        فبإمكاننا إسقاطه على واقعنا النائم و تلك الفجوة التي دلت عن الهامش الضيق الذي نلح أن لا نبرحه


        متعة النص أنه نص تثقيفي و هو هاجس المثقفين

        أكتب و خذ قلوبنا معك


        أستاذعبدالرحمن محمد الخضر


        قص ممتع و جميل جدا

        إحتراماتي و تقديري
        السؤال مصباح عنيد
        لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

        تعليق

        • عبد الرحمن محمد الخضر
          أديب وكاتب
          • 25-10-2011
          • 260

          #5
          مساك بالخير , وبالخير
          في موقعة لي سابقة مع الكتابة وتحديدا مع مفهوم التعريف وكنت بإزاء تعريف للحب هذه المفردة المطلقة من كل مفردات لغتنا , لكني لم أكتشف تعريفا يحيط بالحب ويشرّع له خاصته
          هل تدرين أنني الآن اكتشفت فيك ضالتي .. أنت الحب أستاذة عائدة
          فرحٌ كطفل بين يدي حنانك هذا الذي تحيطينني به الآن .. دعيني أسكن في صمت ووداعة إليك

          تعليق

          • عبد الرحمن محمد الخضر
            أديب وكاتب
            • 25-10-2011
            • 260

            #6
            مساك بالخير , وبالخير
            في موقعة لي سابقة مع الكتابة وتحديدا مع مفهوم التعريف وكنت بإزاء تعريف للحب هذه المفردة المطلقة من كل مفردات لغتنا , لكني لم أكتشف تعريفا يحيط بالحب ويشرّع له خاصته
            هل تدرين أنني الآن اكتشفت فيك ضالتي .. أنت الحب أستاذة عائدة
            فرحٌ كطفل بين يدي حنانك هذا الذي تحيطينني به الآن .. دعيني أسكن في صمت ووداعة إليك

            تعليق

            • عبد الرحمن محمد الخضر
              أديب وكاتب
              • 25-10-2011
              • 260

              #7
              أستاذة أم عفاف
              يسرني التعرف إليك . لقد عشت التجربة حية وحاولت صياغة حراكها بلغة حاضرة ولصيقة بوقائع التجربة .. الفارق هنا أنني لم أتخيل الواقعة بل عشتها حقا , ولم يكن بين يدي من أسلحة سوى اللغة .. اللغة هنا متكبرة محاربة كما سترين , ولعل ذلك ماجعلني أصنفها كنص سردي يمتلك القدرة على التبرير
              أشكر مرورك الكريم

              تعليق

              • ربيع عقب الباب
                مستشار أدبي
                طائر النورس
                • 29-07-2008
                • 25792

                #8
                نص جميل
                و النوم سلطان
                و كم من سلاطين أسقطتهم الكتابة
                و كم من سلاطين تأبوا عليها
                و لكن هل يستمر الحال ؟
                هل تستطيع المواصلة دونه ؟
                ربما كان طبة الميزان في حياة الكائنات الحية و على رأسها الإنسان
                و إلا اختل الميزان و ضاع العقل و التفكير المتزن
                عدم النوم مؤشر خطير و طريق إلي نهاية العقل !

                لكنها موقعة تستحق أن نقرأها
                لنرى
                و نكتشف
                الهزيمة و الانبعاث
                الاصرار و الانكسار !

                أهلا بك عبد الرحمن الغالي بعد غياب طال

                محبتي
                sigpic

                تعليق

                • حسن لختام
                  أديب وكاتب
                  • 26-08-2011
                  • 2603

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة عبد الرحمن محمد الخضر مشاهدة المشاركة
                  .........................
                  تَعِبٌ , والتعبُ يقظٌ , في ليلتي يصرّ على التأرق ,
                  النومُ سافرٌ في تعامله معي , ألْمَحُهُ بين حينٍ وآخرَ يمرُّ مِنّي قريبا , لا يصافحُني مرَّةً , ولم يلمس البتّة علي كفي الممدوة إليه , وحتى أنّه لايردُّ السلامَ حين أشعرُ بلفحةِ ريحه تكادُ تلمسُ بي .
                  لستُ في شكٍّ من الفجوةِ بيني وبينه , وأؤكّد أنني لم أتسبّب من جهتي بها, بل أني هيّئْتُ كلَّ الفرص التي ستسنح لي وله بإجراء التفاهمات وبترتيبٍ لعلاقةٍ طيبة .
                  السكونُ بعيدٌ حدَّ المحيطات والسماوات يأتيني بغور الحياة , وأسمع الآن دقّاتِ قلبي جليّةً , وحشرجاتِ رئاتِ كلِ النائمين تهزجُ حولي .
                  السماءُ في غيمٍ أصمّ , لا تنعكس على وجهه أيّةُ لمحةٍ من ضوء , والآفاقُ موصدة , وكلَ الأشياء أُفرِغَتْ لديّ , وأنا أملأُ الفضاء في مساحةٍ هي أنا , لا تتيح لي إضافةً لزفرة فأجتر زفراتي الكنونة ذاهبةً آيبة .
                  الفجرُ بعيدٌ قريب , كأنّ بقدميّ جلبة الزمن على حوافر جمل , بتلك البقعة اللحمية الدائرية تسافر زمناً كي تهبط لتسجّلَ خطوةً ليس إلّا واحدةً على طريقٍ إلى الفجر تلزمه سرعةُ لا تعترضُ سبيلها حشرجة عائقٍ كان .
                  صار تفكيري الآن كخفيّ الجمل , لن يصل إلى حسم لأمر من كل ماأفكر فيه , بطيئاً , وصار الآن طوداً عظيمَ الكيان , لا يذهب ولايحرّك ساكنا .
                  سنذهب صباحاً كما قال صديقي فؤادٌ لزيارة بعضٍ من المراكز الامتحانية للشهادة الثانوية العامة في اليوم قبل الأخير.
                  سأحدد فورا موقفا لا يشَقُّ له غبار
                  سأتعامل الآن بذات الاسلوب الذي يباشره النوم الليلة معي .
                  وسأردّ الصاع صاعين .
                  وعليّ أن أصير المتفوق .
                  لن أصافحه حتى لو مدّ يده نحوي .
                  لن ألقي السلام عليه .
                  ولن أردّه له .
                  سأشتغل على تغوير الفجوة بيننا .
                  ليست الفجوة فحسب , كلِّ شيئ , كلِّ شيئ , لن أتردّدَ عن فعله , يثير غضبه , ويقضُّ مضجعه , مثلما قضّ مضجعي .
                  وأعرف أنّه لن يبالي . كإبليس بين يدي الله .
                  ولكنّي سأجعله يقف معتوهاً , مدهوشاً , غيرَ مصدّقٍ , وحتى ذليلاً , سأجعله صاغراً يدعوني أخيراً إليه , متوسلاً بكل مالديه من مغْوِيات , هاتِهِ التي بدأ الآن يدسُّها لي , وهاهو حين لم يفلح , يروح ليغدقها نحوي .
                  سأكتب الآن أيها النوم ولن أنتظر
                  سأكتب الليلة قبل الغد .
                  في الليل قبل أن ينجليَ بالنهار .
                  ولتمتْ بغيظِك وحقدِك .
                  لن أفكّر فيك , ولا في عطاياك , فأنا حين أكتب , أمتلك الإرادة والقدرة على خلق ما أريد , أن أصير ما أريد , حرّاً كما أريد , جليّاً كما أنا الآن .
                  توسّل أيها النوم , وحطّ رأسك بين قدميّ .
                  أمّا أنا , فإنّي أكتب , ولن أعيرك حتّى بعض التفاتة .
                  " الكتابة كبريائي العظيم ".
                  والمؤذن يصدح بالفرْض من فوق كل المآذن إلى آذاننا , وفلقةُ الضوء تزهر ثَمَّ , رويداً بالفجر ثُمَّ رويدا .
                  لكنني أكتب , أنا من أملك الزمان - أسيطرُ حين أكتب , وسأتحكّم بك أيها النوم حسب حبكة الكتابة , أملك أن أضعك في موقع من مخلوقاتي بعيدا بعيدا , وسأكتب النهارات فقط ولن تجد لك في عالمي حتى أن تندسّ مختبئا حين العيون كلها مني فاتحات على كل أزمنة وأمكنة كتاباتي .
                  " كشْ أيّها النومُ لقد أسقطتُك "
                  وعمّا قليل سيأتي صديقي فؤادٌ لنذهب إلى مراكز الاختبارات
                  لن أنتظره فؤادي حتي يأتي , سأتصل به الآن
                  لم تعد على الطاولة أيها النوم , لم تعد ضمن جدّي ولا ضمن هزلي ,هاأنت تتمدد بلا أنفاس عرض الطريق منبوذا - وبلا أحلام - كبيضة فاسدة
                  فلا أحقر ولا أنبذ من موضع كهذا أيها النوم لأضعك فيه
                  لن أتابع مستقبلك فلا مستقبل لك
                  .................................................. .....
                  شكرا لك على هذا النص الذكي والجميل، نص يحمل فكرا وتجربة ورؤية
                  شكرا لك، أخي المبدع عبد الرحمن على متعة القراءة
                  مودتي وتقديري

                  تعليق

                  • عبد الرحمن محمد الخضر
                    أديب وكاتب
                    • 25-10-2011
                    • 260

                    #10
                    أستاذ عبد الرزاق : الفجوة في المكان الخطأ من التاريخ . لسنا بصدد تجاوزها إلى الأمام , لازلنا نكافح على أعقابنا إلى المثال حيث لا أبدع مما كان .
                    أشكر لك مداخلتك الحيّة والتي أضافت إلى النص
                    خالص ودي

                    تعليق

                    • عبد الرحمن محمد الخضر
                      أديب وكاتب
                      • 25-10-2011
                      • 260

                      #11
                      حيّاك الأغلى والأبدع أستاذ ربيع
                      بهيج أن نعود لنلتقي بعد كل الغياب
                      حين فرغت من إضافة النص كان ربيع يعشوشب في ذاكرتي وكنت أنتظر فلقة زهراته هذه التي تعطّر الآن جنبات النص
                      خالص ودي وتقديري

                      تعليق

                      • عبد الرحمن محمد الخضر
                        أديب وكاتب
                        • 25-10-2011
                        • 260

                        #12
                        مساك بالخير أستاذ حسن لختام
                        أشكر مرورك العطر .. وتظل التجربة لصيقة بالكاتب
                        تحياتي

                        تعليق

                        • آسيا رحاحليه
                          أديب وكاتب
                          • 08-09-2009
                          • 7182

                          #13
                          نصك هذ يثبت لي ما أراه بشأن السرد و ما أنا على اقتناع تام به ..
                          اللغة ثم اللغة ثم اللغة ..
                          أسجّل إعجابي ..
                          تحياتي .
                          يظن الناس بي خيرا و إنّي
                          لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                          تعليق

                          • فوزي سليم بيترو
                            مستشار أدبي
                            • 03-06-2009
                            • 10949

                            #14
                            أن يقوم أخي عبد الرحمن بشخصنة النوم وتجسيده في كائن
                            حي ، يحاوره ويتحدّاه ..
                            فهذا وربي إبداع .
                            نصيحتي أن لا تعند معه وتغدو كمن صنع فرانكتشاين .
                            تحياتي لك أخي
                            فوزي بيترو

                            تعليق

                            يعمل...
                            X