نظراته تبحث عني ليلهبني بملامح كيديّة لكنها تصلني بردا وسلاما، يظن أني هربت من الحي لأحمي نفسي من ذوبان الحسرات عليه، ألا يعلم أنّروحي انعتقت من دنياه لعالم من الأماني الوردية! بالأمس التقيت بابني منزويا بجوار جدا، أقبل مسعود هائجا آمرا: ابتعد عن المتكبرة المغرورة، إنّها لا تريدكم!! سحبه من يده ثمّ التفت إليّ :غدا عرسي، موتي بغيظك.
أظهرت نفسي علنا عند النافذة، فتعالى صوته بغباء" كسرت أنفك، لكنّك في القلب"سنوء"، ضحكت، لن أتقيأ بعد اليوم من رائحته النتنة، وأخيرا استحم وارتدى طقم العرس الغامق ليعكس سواد روحه!حلق ذقنه وهذّب شاربه، لكن ما في ذلك التجويف الفموي ظل بذيئا بألفاظه، وانتعل حذاء لامعا وترك "الشبشب"البلاستكيّ المقطّع الذي يعشق ارتداءه ليلملم قذارة الدروب، يداه تلّوحان استجابة للعزف الموسيقي كقرد المولد، كما استجابتا لصفعاته الحاقدة على وجهي.
كانت أجمل لحظات انتصاري حين اخترتُ له إحدى قريباته عروسا، وأمّا حنونا لولديّ ومتقبّلة لسقيم قدراته وسوء طباعه وعنفه اللئيم، وستدرك أنّها جارية في حضرة شذوذه، ووصفت لها الشرّ الحارق في عينيه، وافقت بضمير مرتاح وقلب مفعم بالسعادة لأني حررتها من قلق العنوسةالجاثم على صدرها، ونسيت أني امرأة حين باركت لها بكل رحابة صدر زواجهما، وأني لن أبكي على أطلاله، ولن أنثر الرياحين على ذكراه، ردت بتنهيدة خلاص وقبلتني مودعة: ولداك برعاية قلبي الحنون ولن يوجعني وخز الضمير وجلد الذات لأني سلبت زوجا من أحضان زوجته بل سأحبّ عبودية الحياة الزوجية وسأتحمّله من أجل أن أتحرر من شعار"أنت بايرة". ضحكت من تفاهة هواجسها، ودّعتها وهي معانقة لحلم يوحي لها أنها ستعيش في قفص، تكون الملكة بين قضبانه الصدئة.
مما زادني تمردا ثرثرة نسوة العائلة المؤيدات لفكرة عبودية المرأة العاقلة لنزوات الزوج وقسوته وشحّه وشذوذه من أجل الأولاد، لن استمع إليهن، فهم يعدون العصي وأنا أتألم، تساءلت بتحدٍّ: أين أنا من هذه الحياة؟ لمن أضحي؟ ومن أجل من أموت في اليوم مئة مرة!!جمعت أشيائي لأترك البيت وآلمني صوت ولدي الحزين: خذي كوب قهوتك، وسأحتفظ بغطاء رأسك، احتضنته بحبّ: أغاضب مني لأني سأترك البيت! أمسك يدي المكسورة وبنبرة أنين وتوسّل: لا، يا أمي، اتركينا، لن نتحمل عذابك، ارتاحي ، وسنعيش بسلام. تنفست الصعداء واستعرضت صورا من مرحلة غابرة لآثار التعذيب التي وسم بها جسدي وخنق روحي، وصفعاته المدوّية تحت وابل من الشتائم القذرة، وهجومه اليومي على هاتفي حين تحلق شياطين الشك في رأسه، لن أنسى بصمات أسنانه الصفراء على كتفي والكسور التي أحدثت عرجا في ساقي حين رفضت إعطائه القسط المدرسي الذي وفرته بصعوبة لابني الصغير، ولن أنسى المؤامرة التي حاكها مع أمّه الحيزبون وأخته الكاسرة حين أبلغهما أني هجرت فراشه، فاقتحمتا عليّ غرفة نومي وقيدتا أطرافي في أعمدة السرير"يا مسعود، خود حقك من هاالساقطة خدامتك غصبن عن عينها وسد فمها حتى لا تصرخ اشتريتها بدم قلبك ولبّستها ذهب".
رجل بألف شخصية وألف قرار، يعشق الخذلان والخنوع للدونية، لقد تلاشت معالمه الإنسانية والزوجية بعد إنجابي طفلي الأول، وتورمت قدماي من التجوال لبيع بضاعتي على نسوة الحيّ، لتأمين حاجات الأولاد الضروريّة، لكنّه كان يستولي على نقودي القليلة عنوة،وامتطي صهوة العناد ولا أطاوع رغبته، ويرفض إحضار الطعام مرددا بمكر: أطعميهم مما في مخابئك السريّة، وإذا قيل له"أنت لا تستحق هذه المرأة" يضربني مهينا، فنزواتي في عرفه جرائم لا تغتفر وجرائمه في حقي نزوات مغفورة.
طلبت الطلاق وأدركت أنّ حبّه ستار وهميّ مزخرف، لقد اصطادني في مستنقع مراهقتي الضحل باسم الحب، ليتني سمعت نصيحة أمي: مرآة الحبّ عمياء! ومسعود لا يناسب طموحك ولا تطلعاتك، وحبّ الشبابيك هبل لا معنى له، أطيعيه وتنازلي من برجك العالي يكن عبدا لك، لن أرضى بك مطلقة وسأغلق الباب بوجهك. وقتها اتصفت بعناد لا سبيل معه لاقتحام مداركي مرددة: بحبّه سأصنع المستحيل، ونصيحتك هذيان لا معنى له، إنّه الحبّ، سيطر على عقلي ومشاعري ويصعب التخلص منه.تركته وأنا أسحب ورائي عمرا من الذكريات المريرة، لكنّي متيّقنة أنّ الحبّ العقلاني قادموأنا لست متعالية بل طموحة وأملك حريّة قراري، ظلمه أمدني بالشجاعة، وبعد طلاقي وفت أمي بتهديدها واستقبلني أخي في بيته.
تعليق