[align=justify]من الذي سيؤكل على العشاء الليلة ؟ ..
قصة من الخيال العلمي الذي لم يعد يخيل على احد .
سرت في الليلة الباردة بين الوحل والأمطار وأنا اعلم انني لن أجد فريسة بسهولة .. لا احد يخرج في هذا الوقت المتأخر..
وأنا أيضا غير معتاد على الخروج في هذا الوقت .. لكني خرجت من شدة الملل .. شعرت بالضيق من منزلي وخرجت .. وكما توقعت واخبرني الجميع .. كانت البلدة خاوية على عروشها .. كل المحلات مقفلة رغم ان الساعة لم تتجاوز بعد منتصف الليل.
لذلك ظللت أتجول بحرية بين الطرقات بدون ان أكلف نفسي عناء تغير شكلي الأصلي .. ولم اسمع كذلك صوت شخص يتلصص من خلف النافذة كما يحدث أحيانا..
وصرت أمشي .. وأمشي .. حتى جبت القرية بأكملها .. بدون ان أصادف أي شخص يصلح لكي افترسه .. لم أكن جائعا كثيرا ولكن كل هذا المجهود سبب لي الإرهاق والملل.
ففكرت في القيام بعمل لم أقم به من قبل .. طرق احد الأبواب وافتراس الساكن الذي يفتح لي ..
وبالفعل .. اخترت احد المساكن المعزولة ، والخالية من أصوات الكلاب المزعجة .. رغم ان البلدة كانت بأكملها خالية من الأصوات .. وهذا أيضا شي غريب لم أفهم سببه.
فما السبب الذي جعل هذه المدينة تصمت فجأة ؟ .. لا اعتقد أنهم يعلمون بقدومي وإلا قابلوني بالأسلحة والكلاب وطاردوني حتى أسقط ميتا .. أو أهرب إلى الجانب الآخر من الكرة الأرضية.
*******
طرقت الباب .. وفتح لي رجل متوسط العمر له وجه باسم .. حدق أمامه بمرح وهو يتساءل بدون ان تزول ابتسامته : - نعم ؟ .. أي خدمة ؟ .
احتجت إلى ربع دقيقة كي افهم ان الذي أمامي رجل اعمي .. لذلك لم يؤثر فيه منظري المرعب .. فقلت له بصوت نسائي رقيق :- لقد تعطلت سيارتي .. هل أجد لديكم هاتف ؟ .
أجاب الرجل : لا .. للأسف .. لكن شقيقي يجيد تصليح السيارات .. انه سيأتي بعد ساعة أو اثنتين .. تفضلي بالدخول .. ما هو سبب عطل السيارة ؟ .
تفضلت بالدخول وأنا أقول : - لا ادري ماذا حدث لها بالضبط .. ولكن لا توجد مشكلات في البنزين والزيت.
تساءل الرجل :- وهل تسافرين بمفردك ؟ .
غممت بأصوات مختلطة دلالة على الإيجاب .. ثم قلت له انني ارغب في دخول دورة المياه .. واتجهت فعلا إلى المغسلة القريبة كي اغسل أقدامي العارية من الطين.
ووقف هو ينصت إلى ما افعله لبضع ثوان ثم غادر مكانه إلى المطبخ .
*******
وعندما لحقت به إلى هناك بعد ربع ساعة أخرى .. تجولت فيها في أنحاء البيت حتى أتأكد من خلوه .. وجدته منهمكا في إعداد مائدة حافلة من الطعام .. عدة صواني من اللحم والدجاج المعد مسبقا قام بوضعها في الفرن .. مع وعاء كبير من السلطة .. ربما يكون قد أعده مسبقا من اجل أخيه كما يقول ..
فتساءلت بفضول : أليس هذا طعام أخيك ؟ .
أجاب : الثلاجة مليئة بالطعام .. نحن نشتري كميات كبيرة ونسخنها فقط في الفرن .
ثم استطرد قائلا بعد ان سمع صوت صفارة وعاء الماء المغلي :- ماذا تتناولين عادة مع الطعام ؟ .. شاي ؟ .. قهوة ؟ .
أجبت بملل : - أي شي .. اصنع ما تريد .
قال : انا لا أتناول أي شي في العادة مع الطعام .. ولكن من اجل واجبك فقط سأصنع بعض القهوة .. كيف تفضلينها ؟ .
قلت بملل : سوداء .. بدون حليب .. سكر معتدل.
ابتسم ابتسامته اللطيفة وهو يطفئ الإناء على النار ثم يحمل وعاء القهوة من الجهاز الكهربائي الذي كان موصولا به .. ويضعه بمهارة على المائدة .. ثم يتابع عمله في إخراج بقية الصواني ووضعها على المائدة .
*******
كانت الوجبة شهية بالفعل .. سال لها لعابي .. وجعلتني أقوم بتأجيل عملية قتل هذا الفتي الظريف لعدة ساعات أخرى .. ربما بعد ان يخلد هو وشقيقه للنوم .. أو قد أقوم بإلغاء العملية بأكملها وافترس شخصا آخر فيما بعد .. يوجد شي في شخصية هذا الشاب يجعلني لا ارغب في قتله على الإطلاق.
انا لا اعتبرها نوعا من الشفقة .. فقد مررت في هذا الموقف أكثر من مرة .. أفضل أحيانا ان أتبادل الحديث مع البشر بدلا من افتراسهم .. ثم أغادر واصطاد أي شي .. أو اشتري طعام من المطعم .
قد يكون الكلام مضحكا لأصدقائي عندما احكيه لهم .. لكن من يأكل لحما نيئا عندما يجد لديه بديل مطهو جيدا ومتبل بعناية ؟ .
المهم .. انهمكت في تناول الطعام بيدي الاثنين كعادتي دائما .. ولم أكلف نفسي عناء الجلوس بطريقة لائقة أمام الطاولة .. حيث تربعت على المقعد وسحبت مقعد أخر بجانبه كي أتوازن أكثر .. في الوقت الذي جلس هو بأدب في مكانه وهو ينصت للأصوات التي أصدرها .. ثم ازدادت ابتسامته اتساعا وتوقف بعدها تماما عن الأكل.
*******
استقررت أخيرا على الكرسي بعد ان أوشكت معدتي على الامتلاء .. وأخذت اسلك أسناني بطرف مخلبي الطويل .. ثم أبعدت المقعد الخالي قليلا ومددت أقدامي عليه .
وأتيحت لي الفرصة كي أتأمل بإمعان ذلك الإنسي الذي اخذ يرتشف القهوة ببطء شديد وابتسامته لا تفارق شفتيه .. وهو يثرثر بجمل متقطعة عن الطقس والمطر وإخبار القرية .
ثم قال بعد ان أدرك انني هدأت تماما :- هل اسكب لك المزيد من القهوة ؟ .
قلت بملل وأنا أتثاءب بقوة رغما عني : - لا .. يكفي ما تناولته .
قال : يمكنك قضاء الليلة هنا .. وأنا وأخي نذهب إلى بعض أقاربنا .. ونحضر واحدة منهن كي تبات معك .
قلت : لا داعي لذلك .. انا سأسافر بمجرد ان تعمل السيارة .. لن أظل هنا .
وتذكرت في هذه اللحظة انني نسيت أمر السيارة المزعومة تماما .. فطرت من مكاني في لمح البصر وسحرت جذع شجرة ملقي على الطريق إلى هيئة سيارة .. ثم عدت لأجيب عن تساؤله بشان طبيعة عملي .
*******
قلت : انا لا اعمل .. تقاعدت في السنة الماضية .
قال : تقاعد مبكر ؟ .
قلت : لا .. لقد ظللت ستة سنوات في مكاني بعد ان بلغت السن القانونية .
قال وهو يمرر أصابعه بين خصلات شعره الخفيفة :- ظننتك اصغر سنا .. ان نبرة صوتك توحي انك صغيرة في السن .
ابتسمت بسخرية .. لو يعلم عمري الحقيقي سيصاب بالذهول .. من الأفضل ان اصمت وأغير الموضوع تماما ..
قلت له : - متى أصبت بالعمى ؟ .
تعالت ضحكاته الساخرة وهو يجيب : - منذ زمن طويل .. فأنا اقترب من الخمسين .. ولا اذكر أي شي من المناظر التي كنت أشاهدها وأنا صغير .. لقد فقدت النظر وأنا في الثالثة من عمري .
*******
هو يقترب من الخمسين ؟ .. يبدو انني أصبت بغشاوة في عيني حتى لا أرى اثر تقدم السن الخفيف على وجهه .. اعتقد انه تأثير الجوع ليس أكثر .
واصل هو كلامه قائلا :- لقد كيفت حياتي على هذا الوضع .. ولم يعد مشكلة كبيرة بالنسبة لي .. تزوجت وأنجبت .. ولكن أطفالي ماتوا في ظروف مختلفة .. ثم توفيت زوجتي أيضا .. فانتقلت للسكن مع شقيقي هنا .. انه ما يزال صغيرا .. لم يبلغ العشرين بعد .
قلت ببرود : وهل هو أخوك الحقيقي ؟ .
صاح بدهشة : ماذا تقصدين ؟ .
قلت وقد أدركت سخافة سؤالي : - ان الفرق بينكما كبير .. وكأنه ولدك وليس أخوك .
أجاب : نعم .. والدي أنجبه متأخرا .. ولكنه آخر العنقود .. وبيننا بعض البنات .
قلت بملل: نعم .
ثم تثاءبت بقوة مرة أخرى .. فعرض على ان يصطحبني إلى غرفة النوم كي أنام وارتاح .. لكني قلت بحزم : - انا لن أنام هنا .. ان عطل العربة ليس بهذا السوء .. وقد تعمل من تلقاء نفسها عندما اختبرها بعد قليل .
قال ضاحكا : لكنك تتثاءبين بشدة يا سيدتي .
ضحكت بدوري وأجبت : هذا من تأثير الطعام الدسم فقط .. سأصبح نشيطة بعد قليل.
قال : من الأفضل ان تذهبي إلى تلك الحجرة وترتاحي قليلا , يبدو ان أخي سيتأخر قليلا .. هذه عادته إذا كان لديه عمل كثير .
قلت بدون تفكير : انه يعمل في شاحنة كبيرة .. وصاحبها يريدها قبل الصباح .
ذهل الرجل وهو يقول: كيف عرفت ؟ .. هل مررت بجانب ورشته ؟ .
قلت بصدق : لا .. أنا أراه من مكاني .. فانا املك قدرات خارقة واستطيع الذهاب إلى أي مكان .
*******
صمت الرجل طبعا ولم يعلق على كلامي الغير معقول .. وتلاشت ابتسامته الجميلة وظهر التعب والإرهاق واضحا على وجهه .. لكن تابعت كلامي وقد قررت ان اكشف نصف أوراقي : -
- : كلامي لا يصدّق طبعا ولكنها الحقيقة .. واستطيع ان أحقق لك كل أحلامك مكافأة على كرمك معي .
- : هل أنت إنسان عادي ؟ .
- : لا .
- : عفريت ؟ .
- : لا تسألني من أكون .. لن أجيبك على شي .. لكن اطلب ما تريد .. أنا في الخدمة .
- : شكرا .. ولكني لا أريد شيئا .. أنا لا ينقصني شي بالفعل .
- : استطيع ان أشفيك من أي مرض .
- : صحيح ؟ .. هاهاها .. إذن اعد لي بصري .
- : حاضر .
*******
وضعت أصابعي الطويلة علي جبهته ودلكتها ببطء .. وكان هذا مجرد استعراض مني لأني لم ارغب في مفاجئته .. جعلته يستعيد بصره بالتدريج وكأنه يستيقظ من حلم جميل .
وبدأ بالفعل كأنه استيقظ من حلم جميل .
اتسعت ابتسامته جدا والرؤيا تتضح أمامه بالتدريج .. حدق في الأمام أولا ثم نظر إلى يديه بلهفة وبعدها نظر إلى وجهي .. والذي قمت بتحويله مع جسمي بأكمله إلى شكل رجل عادي .
تساءل على الفور : -
- : هل هذا شكلك الحقيقي يا سيدي؟ .
- : لا بالطبع .. ما رأيك الآن ؟ .
- : أنا لا اصدق .. شكرا لك .. انه اسعد يوم في حياتي .
ثم نهض من مكانه وصرخ بصوت عالي .. وتقافز في مكانه وفي جميع أنحاء المنزل .. وظل يتأمل الأثاث ويحتضن أشياء الحميمة لمدة طويلة .. ثم تذكر إنني موجود فعاد إلى المطبخ مرة أخرى وهو يعتذر قائلا : -
- : أنا آسف لأني تركتك بمفردك .
- : لا بأس .. يجب ان اذهب الآن .
- : إلى أين ؟.. تستطيع قضاء الليلة هنا .
- : لا داعي لبقائي .. استمتع بوقتك أنت .
ثم نهضت من مكاني باتجاه الباب الخارجي .. ولحق بي وهو يقول : - لا اعلم كيف ستكون ردة فعل الآخرين عندما يعرفون .. لا بد إنهم سيفرحون جدا.
خطرت لي فكرة شريرة فقلت له : -لماذا لا تخفي الأمر في البداية ؟ .. وتتسلي برؤية الآخرين على حقيقتهم ؟ .
أجاب بدهشة : - أتظاهر بأني ما زلت اعمي وأتفرج على الآخرين ؟ .
قلت : نعم .. ستستمع بوقتك جدا .
هز رأسه نفيا وأجاب : لا .. لا أظن .. لا استطيع خداع الآخرين .
قلت له بحكمة : الأفضل ان تفعل ذلك .. تسلي قليلا يا أخي ..
هز رأسه بشدة رافضا كلامي ثم قال : - لا .. لا .. أنا معتاد على الصدق ولا أجيد التمثيل على الآخرين .. سأقول الحقيقة وأمري إلى الله .
*******
هززت كتفي يائسا ثم فتحت الباب وغادرت المكان.. ولحق هو بي وظل ينظر إلى ظهري حتى اختفيت في الظلام ، ثم وقف محدقا في السماء وتجول كثيرا في الحديقة .. وظل جالسا بعد ذلك على مقعد ينتظر مجيء أخيه الصغير بفارغ الصبر .
. تمت قصتي مع الرجل الأعمى .[/align]
تعليق