بحوث في اللغة والكلمات العربية
في هذا المقال اثبات أن اللغة العربية التي نستعملها اليوم في كتاباتنا ونطقنا هي اللغة التي منها اشتقت كل الكلمات المنتشرة في طول الأرض وعرضها، وهذه كلمات عربية دخلت في تركيب الذهنية الإنسانية وفي كل الحضارات.
من هذه الكلمات الإنس والجان، فكلمة انس تعني الذي يظهر للعين وكلمة الجن تعني الذي يخفى عليها وهو ما يعني المرئي واللامرئي ولقد كتب العديد من الكتاب في موضوع المرئي واللامرئي من زاوية فلسفية، ومقالتي هذه تتناول الموضوع من زاويته اللغوية.
الانس:
يقول القرآن الكريم ((إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)) ومعنى هذه الآية إني رأيت نارا، فالإنس هم مخلوقات الله التي ترى ومنها الإنسان، واصلها إنسا بالتنوين والفتحتين.
الجان والجن:
أما في كلمة الجن والجان يقول القرآن الكريم أيضا ((فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ)) ومعنى ذلك، فلما أظلم عليه الليل، كما يقول ((فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ)) ومعنى ذلك ولما رأها تهتز كانها لا ترى، أو كأنها متوارية عن الانظار، كما يقول القرآن في الجان ((يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ)) مما يعني ان الجان متوارون عن الأنظار ولا تستطيع العين الإنسانية ان تراهم الا بإذن الله.
إن النار التي يقول عنها القرآن الكريم التي منها خلق الله تعالى إبليس، هي كلمة تدخل في تركيب الاسماء في لغات اعجمية بشكل آخر، من هذه الكلمات انارجي، التي تترجم الى القوة والقدرة، وصياغتها على الشكل التالي: إنارجي، إنار – ذي، أو القوة ذات الطبيعة النارية وما نسميه في لغة عصرنا الطاقة.
إبليس – هبل النار:
من الجان كان ابليس، وكلمة إبليس هي لفظة ملطفة لكلمة هبل ذي، ومعنى اسمه (الناري) فيكون هبليس هو ذي هبل بالإضافة المعكوسة الملطفة الى سين.
وصياغتها العربية تتكون على الشكل التالي: هبل ذي، فتكون هبلي بحذف الذال، أو هبل ذي ملطفة الى سين في نهاية الكلمة كما هي الحال في العديد من الكلمات العربية القرآنية. وكلمة هبل تعني اللهب بالإبدال الجائز والرائج في اللغة العربية.
إن هبل هو احد اوثان العرب ولقد انتشرت عبادته في اليونان القديمة ايضا باسم ابولو – هبولو الذي يعني اللهب والشمس، وهذه هي طبيعة إبليس وقبيله حيث يقول القرآن بأن ابليس الذي ابى ان يسجد لادم عندما امره الله تعالى بالسجود: ((قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)). وإذا أردنا أن نتعمق في طبيعة ابليس اكثر تبين لنا من القرآن انه نوع من النار التي لا ترى، ((خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ)) وكلمة مارج تعني الحقل المغناطيسي الجاذب، فالمارج والمرج – هو الحقل، وهي تفيد معنى المزج والجذب.
نستطيع أن نتلمس طبيعة الجن أيضا لغوياً في تركيب الكلمات الاعجمية التالية: أوكسجين – هيدروجين وغيرها، أما معناها فهو: أقصى – جن الصلب، هيدرو- جن السائل، فنقول هدر الماء وهدر الدم بمعنى اساله، فالأقصي- جن والهيدرو- جن هي الغازات التي لا ترى بالعين المجردة في شكلها الاساسي في الطبيعة لكنها عندما تتحد تتحول الى الماء الذي هو اصل كل شئ حي، كما أن الكلمة تدخل في معنى الخضرة والحياة النباتية.
الجنة والفردوس:
تشتق كلمة الجنة من فعل الحياة (جان، حيوان التي تتبدل إلى – خوان – جوان في بعض اللغات وهو اسم يوهان ويوحان ويوحنا الذي هو يحي) وهي تمثل الحياة المستمرة والأبدية كما تمثل عيش النبات والخضرة الدائمة، ومرادفها كلمة فردوس، التي تدخل في باب الكلمات المنتهية بحرف السين واصلها فردو – ذي، أما كلمة فردو فأصلها برد، والبرد هو عكس الحميم والنار، فالفردوس أو بردو- ذي، باراديس، هي ذات البرد.
الكلمات العربية المنتهية بحرف س:
أما بالنسبة إلى صياغة الكلمات العربية والقرآنية المنتهية بحرف السين، نأخذ من هذه الكلمات ايضا على سبيل المثال:
نفس، أنفس، وصيغتها انف – ذي، ذات الأنف حيث تقلب الذال بالاضافة المعكوسة إلى أنفس، وهي المتعلقة بالأنف.
قرطاس، واصلها كرتا – ذي، وكراس، قرا – ذي، وبمقارنة لفظية لمعنى مدينة قرطاج في تونس اليوم نرى ان تونس اصها تون- ذي ومعناها ذات التونا وهو نوع من السمك، وقرطاج التي في اصلها كرت- ذي فهي مدينة الكتب ومدينة القرطاس.
إن كلمة كرتا- ذي التي تلفظ بشكل قرطاس هي ايضا اصل كلمة خارطة التي اعيد إدخالها وتعريبها من جديد، ونتلمس من قصة بناء مدينة قرطاج هذا المعنى حيث انها بنيت كما تقول الاسطورة من جلد الثور، وهذا الجلد ايضا كان القرطاس الذي يكتب عليه القدماء.
يونس، واصلها يون – ذي، ذا يون، او ذا نون
قبس، واصلها قب – ذي، وهي النار التي كانت تضاء على قبة وقمة الجبال فيقتبس منها الناس نارا جديدة. موسى، واصلها مو- ذا، ومعناها المائي الذي اخرجته ابنة فرعون من الماء. قسطاس، واصلها قسط ذي، أو قسط ذا، ومعناها ذا قسط اي العادل والعدل. الماس أو الألماس، فاصلها الماع – ذي، اللامع، ونرى تبدل حرف السين الى ذال في التركية حيث تتحول الكلمة الى المذ.
أسماء المدن المنتهية بحرف س:
من هنا نرى وجود عدد كبير من المدن التي تحمل اسماء عربية، يظن ويقول البعض أنها أسماء يونانية وهذا ينقضه ما شرحناه، فطرابلس أصلها طور بعل ذي، أو مدينة طربل وهو جبل محاذ للمدينة اسمه طربل واصله طور-بعل ومعناه جبل بعل، ونسبها الى تربوليس بمعنى المدن الثلاثة وهي واحدة من القصص والروايات الخيالية التي وضعها المؤرخون.
ويدخل في هذا الباب ايضا اسم نابلس، ذات النبل، أو ذات النبال.
وهناك عدد كبير من اسماء المدن المنتشرة في العالم والمنتهية بحرف السين مثل، بانياس، يمكننا ايضا اعادتها الى صيغة عربية مماثلة.
الكلمات العربية التي تبدأ بمقطع است:
أما من الكلمات العربية التي تبدأ بمقطع است وهي كلمات مركبة ويدخل في اصلها سين المستقبل التي تبدأ بأول الكلمة وهي اختصار لكلمة سوف كمثال سنريهم، فنأخذ منها البعض على سبيل المثال أيضا، استبرق الذي يبرق، استنبت واستنبط واستضاء واستنار واستراح.
أما كلمة سندس فهي من مصدر سن – ذو- ذي، وكلمة سن تعني سنا وهو النور فسندس هي ذات النور المنيرة والعبارة القرآنية ((وَ يَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وإِسْتَبْرَقٍ)) تعني الأخضر المنير البراق، ولقد نسب اللغويون الى كلمة سندس معنى الثياب الخضراء اللون لانها ثياب الجنة فالجنة بعرفهم هي الخضرة ايضا لكن وجود كلمة خضر في الاية القرآنية تنفي عن كلمة سندس معنى الأخضر وتعيدها الى معنى آخر وهو المنير ((إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ)) – ((عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وإِسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا)) عاليهم ثياب منيرة خضراء وبراقة.
طبيعة الملائكة:
الملائكة الذين خلقهم الله تعالى من طبيعة قادرة على التجسد بشكل بشر، ولا يوجد في القرآن ما ينفي عن هذه الملائكة هذه القدرة على تشكلها البشري بل كل ما جاء به القرآن يؤكد ذلك بشكل قاطع، فما من رسول إلا واتته الملائكة بأشكال بشر، فالملائكة التي تتجلى للناس بشكل بشر يقابلها في اللغات الاعجمية فعل تجلى، انجلاء – Angel
ونرى تمثل الملائكة بشكل بشر في الايات القرآنية التالية ((وَ اذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا))
((هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ))
إذا إن طبيعة الملائكة من نور، حيث اوجد الله لهم القدرة على الظهور والتجلي بإذنه بأشكال نورانية، ويمكننا تلمس هذه الطبيعة في لفظة سنا، التي تعنى النور، ونرى هذه اللفظة ايضا في تركيب العديد من الكلمات الأعجمية، منها كلمة سين الانكليزية التي تعني المشهد والمنظر scene - وهي تدخل ايضا في تركيب كلمات حديثة مثل سينما cinema.
فالملائكة هي مخلوقات الله النورانية والجان هي مخلوقاته الظلامية.
اسماء الملائكة من صيغ عربية على التحقيق:
أما أسماء الملائكة الذين ورد ذكرهم في القرآن والتوراة والإنجيل فهي أسماء عربية تدل على طبيعة كل منهم وهم:
جبريل، وهي من مصدر جبر وهو الكبر باللغة العربية، فيكون كبرا ال بالتعريف المعكوس، الكبير. وربما تكون أيضا خبر- ال من مصدر خبر، فيكون ملك الاخبار ايضا فهو كبير الملائكة (الكبير) وهو ملك الأخبار (الخبير) على حد سواء.
ميكائيل أو ميكال، وهو في لفظ آخر ميخائيل، وهو من مصدر المخيلة، فهو الملك الموكل بقدرة الانسان على التخيل، او انه من مصدر تجلى - ميكال التي تعني مجال.
عزرائيل، وهو ملك الموت، ودوره انه يساعد الانسان في اخراج روحه، واسمه من مصدر عازر وآزر التي تعني المساعد.
اسرافيل، وهو الملك الموكل بالنفخ في البوق يوم القيامة، ومصدر اسمه من فعل صفر، وهو بالإبدال اللفظي الجائز والرائج بين الحروف في اللغة العربية اصفار ال، الصافر
مالك، ومعنى اسمه من مصدر الملكية الأولى على خزائن النار، فهو كبير الملائكة الخازنين على النار، وكلمة خازن تدخل ايضا في تركيب بعض الكلمات الأعجمية منها مخزن magazain Petits التي تعني المخزن الصغير. أما المازن فهو الملك الموكل بخزائن الماء – ماء خازن، والتي تظهر بصيغة مدغمة بشكل مازن، يقول القرآن الكريم ((أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ)) وكلمة المزن تتكون من صيغة مدغمة للفظتين عربيتين، ماء- خزن، مخزن الماء، وتتشكل اللغة العربية من صيغ مدغمة في العديد من كلماتها مثل: سوف نرى تصبح سنرى، وكلمة الإله تصبح الله.
لقد خلق الله تعالى الملائكة وأوكلها تسيير أمور الأرض والسماء وجعل لكل ملك منها دورا في شؤون مخلوقاته، لذلك نرى اسماء هذه الملائكة في الحضارات القديمة في بلاد الرافدين وفي فينيقيا واليونان ومصر، لكن علماء التاريخ نسبوا الى هذه المعبودات الملائكية صفة الالوهة فقالوا عنها انها الهة عبدها الأقدمون، منها على سبيل المثال:
ملك ارت الفينيقي، الذي يتكون اسمه من لفظة عربية ملك الارض بعل شمين، وبعل شمش وغيرها، وكلمة بعل تعني العالي وتعني مالك الأمر.
من هنا نرى مرة جديدة كم أن اللغة العربية متغلغلة في أصول وفصول العديد من لغات العالم، كما أنها متغلغلة في التركيبة الذهنية الأساسية للبشرية جمعاء
تعليق