حائط المرحاض
قصة قصيرة
حين تلقمه أمه ثديها يحرك أصبعه على سطحه دوائر وخطوطا،.تبهجها فتقبل أصابعه بحنوٍ بالغ. حين هبط على الأرض هبط بقوة، يجلس ولايتحرك كثيرًا، ولكن الأرض حولة تزدان بشخبطاته.. مانفك أصبعه.يخوض مع التراب معركةً.
عندما اكتشف الطبشور فى عتبات المدرسة، لون جدرانها بجميع مارأى فى عمره الصغير وجوه وحيوانات وطيور.
كان العقاب من نصيبه..المعلم يضربه بحافة المسطرة الخشبية، على ظهر كفه حتى لايحرك أصابعه ملونا كل سطح يراه فارغا.. تألم كثيرا..
فى عالم متخلف الصفع والضرب..ديدن تقويم السلوك وقتل الموهبة. فى المدرسة والمنزل والشارع. هولم يكن سلوكه معوجا ولكنه غريب الأطوار..المكان الوحيد الذى يجد فيه راحته ويكون وحيدا ومتأكدا أن لا أحد سيدخل عليه ويوبخه..يخفى الألوان فى طي سرواله وهو المرحاض..
جدران خالية من الرقيب، بعد أن يلبى نداء الطبيعة ويقضى حاجته، وغالبا لاتكون له حاجه سوى رسم أحلامه على حائط المرحاض...كان الأطفال يتأملونها ومعجبون برسوماته...بقرة وشجرة وطيور وزهور..حتى حارس المرحاض يتأملها متمتما:
ــ يهرب من الدرس ليبقى ساعة فى المرحاض مجنون !
ولكنه يزيل الرسومات من على حائط المرحاض خوفا من العقاب..فيأتى هو ويلونها.
كانت أسرته رقيقة الحال بعد أن توفى أبيه..ترك مقاعد الدراسة..يبحث عن ذاته.. فى الرسم يلون أحلامه..ولكن من يفهم قلقه وابداعه، وقد شحت لقمة العيش، انشغل الناس ببطش المعيشة ،وصار الناس كالبهائم يأكلون ويتغوطون ويتناسلون...
هو يبحث عن شئ ما ...الانعتاق من هذه الدوافع الأولية والبحث عن ذاته...
فوضى شوارع فى الزمن القاسي،والحاكم الجائر كان هو فى المكان الخطأ. اقتيد.. للمخفر ثم الحبس دون محاكمة..دون أن يأبه لوجوده أحد. متشرد غريب الأطوار..الزنزانه رقم 117 اختفت جدرانها المتهالكة تحت رسوماته الجميلة..خيول وشمس وتحليق.. وحدائق..
كان الرقيب يؤدى وظيفته.. متلصصا عليه..فهام برسوماته وغض الطرف..ومدّه بالألوان ليعيش حرا فى خياله..
سمع صوت وجلبة خارج محبسه..لم يهتم ولم يجأر بشكوى..
ـــ كيف يحبس دون محاكمة!؟
ــ متشرد مثير للشغب يقود مجموعة لصوص تهدد أمن المجتمع
سأله الزائر وهويتأمل رسومات فى غاية الإتقان
ـــ من أنت ..بحق السماء!
ـــ أنا رسام ابن الألوان
ـــ اطلقوا سراح الرسام.. الفنان لايؤذي أحد.!
صمت الجميع.
ابتسم وهو نائم! وتمتم هامسا:
ــ هناك من يفهم..مرحي
فصاح أحدهم للمارة المتجمهرة حول جسده المسجي على أريكة الحديقة:
ــ أنه يتحدث لم يمت!!
أيقظه الضجيج فتح عينييه، رأى الضوء الأبيض فتسرب منسابا ورحل...
وانصرفوا.
تعليق