بقايا الأمس

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد السلام هلالي
    أديب وقاص
    • 09-11-2012
    • 426

    بقايا الأمس

    بَقايا الأمسِ
    ركن سيارته عند المدخل البحري للمدينة العتيقة ، وترجل يلاحق ذكرياتٍ استدرجته إلى الشارع الرئيس الذي لا زال يختنق بأنفاس مرتاديه ، و تتزاحم عليه الخطوات كما تركه قبل عشر سنوات.
    تغيرت الملامح ، شاخت وجوه ، ورحلت أخرى فاسحة المجال لوجوه جديدة أُلقي بها على هامش الحياة في دورة لا تنتهي . أصوات الباعة تصدح بكل أملها ، تنادي كسرة خبز صماء. تتنافس على استمالة الأسماع لتنفذ إلى الجيوب.
    أفواج تتناسل ، أجساد لا تفصلها عن بعضها سوى الثياب ، عيون هائمة تحاول استيعاب عناصر المشهد المكتظ . أياد تقلب السلع مفتشة عن عيوبها للإفلات من حبال صاحبها ، أو تقوية الموقف التفاوضي ، و أخرى تتلمس الأجساد ، تسترق متعة عابرة ، وغيرها غاطسة في رحلة استكشاف لجيوب و حقائب شاردة.
    تتعالى الأصوات أكثر فأكثر ، يزداد الشارع ازدحاما بسيول بشرية تتدفق من كل الأزقة الفرعية ومعها تزداد سيول الذاكرة دفقا وقوة . تجرفه نحو أيام كان أقسم أن يحرقها نسيانا.
    خيل إليه الفضاء من حوله بحرا و العابرون أمواجا متلاطمة ، تاهت بوصلته ، أحس بدوار وتعب ، لم يقو على مواصلة المسير ، ولا مجال للوقوف. إلتجأ إلى الرصيف حيث يلقي الشارع بالضعفاء ، وحيث تتزاحم معروضات الباعة وإلى جانبها أحلامهم و أجسادهم لتشكل عناصر الفرجة. استند إلى جدار يحمي ظهره ، فقد علمته سنوات الشقاء التي أمضاها في المكان أن لا يترك ظهره دون حماية ، وأن أغلب الأخطار تأتي من الخلف.
    طويتِ المسافات بين ماضيه وحاضره . حتى لكأنها البارحة حين قرر أن يتخلص من صفة عاطل ويعلي شأن يده، لم يتطلب الأمر غير رزمة جوارب نسائية ، بساط قديم ، وصوت قوي يبدأ يومه بعد العصر محتشما ، ليصل أوج الحماسة قبيل المغيب ، ثم يأخذ في الانحدار والتقطع استعداد للرحيل. الصوت في مثل هذه الأسواق رأسمال مهم ويصنع الفارق ، من يصرخ أعلى يربح أكثر تماما كما في السياسة ، ولا عجب ، فكلاهما سوق وإن تفاوتت الأرباح.
    ابتسم عندما تذكر أول مرة سمع تلك الجملة المستنفرة : " القايد جاي ..... القايد جاي " . فقد ترك البضاعة و أطلق ساقيه للريح ، ليبقى مدة طويلة عرضة للسخرية من طرف الباعة. تطلب منه الأمر وقتا طويلا ، وخسارات عديدة قبل أن يعتاد الكر والفر ، ويتعرف قواعد السوق و يتقن لعبة المساومة مع الزبائن و أعوان "القايد".
    تذكر آخر يوم له في المكان ، حين اهتز هاتفه فرحا بقبوله النهائي كأستاذ في إطار حملة لتوظيف أصحاب الشواهد العليا . باع بضاعته لأحد جيرانه من الباعة بنصف الثمن و انطلق دون أن يلتفت.
    " القايد جاي .... القايد جاي ... !!!" أفاقته الصيحة من سفر الذاكرة ، أطلق ساقيه للريح ، ولم يلتقط أنفاسه إلا داخل سيارته.
    كلمتك تعمر بعدك دهرا، فاحرص أن تكون صدقتك الجارية
  • اماني مهدية الرغاي
    عضو الملتقى
    • 15-10-2012
    • 610

    #2
    وواووو روعة هذه اللوحة البانورامية
    حيكت باتقان وكأني تواجدت لهنيهة في سوق
    من اسواق الاحياء الشعبية...النهاية اتت غير متوقعة
    فاكملت دائرة القص ...
    بوركت وسلم اليراع
    مودتي
    اماني

    تعليق

    • رويده العاني
      أديب وكاتب
      • 08-05-2010
      • 225

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة عبد السلام هلالي مشاهدة المشاركة
      بَقايا الأمسِ
      ركن سيارته عند المدخل البحري للمدينة العتيقة ، وترجل يلاحق ذكرياتٍ استدرجته إلى الشارع الرئيس الذي لا زال يختنق بأنفاس مرتاديه ، و تتزاحم عليه الخطوات كما تركه قبل عشر سنوات.
      تغيرت الملامح ، شاخت وجوه ، ورحلت أخرى فاسحة المجال لوجوه جديدة أُلقي بها على هامش الحياة في دورة لا تنتهي . أصوات الباعة تصدح بكل أملها ، تنادي كسرة خبز صماء. تتنافس على استمالة الأسماع لتنفذ إلى الجيوب.
      أفواج تتناسل ، أجساد لا تفصلها عن بعضها سوى الثياب ، عيون هائمة تحاول استيعاب عناصر المشهد المكتظ . أياد تقلب السلع مفتشة عن عيوبها للإفلات من حبال صاحبها ، أو تقوية الموقف التفاوضي ، و أخرى تتلمس الأجساد ، تسترق متعة عابرة ، وغيرها غاطسة في رحلة استكشاف لجيوب و حقائب شاردة.
      تتعالى الأصوات أكثر فأكثر ، يزداد الشارع ازدحاما بسيول بشرية تتدفق من كل الأزقة الفرعية ومعها تزداد سيول الذاكرة دفقا وقوة . تجرفه نحو أيام كان أقسم أن يحرقها نسيانا.
      خيل إليه الفضاء من حوله بحرا و العابرون أمواجا متلاطمة ، تاهت بوصلته ، أحس بدوار وتعب ، لم يقو على مواصلة المسير ، ولا مجال للوقوف. إلتجأ إلى الرصيف حيث يلقي الشارع بالضعفاء ، وحيث تتزاحم معروضات الباعة وإلى جانبها أحلامهم و أجسادهم لتشكل عناصر الفرجة. استند إلى جدار يحمي ظهره ، فقد علمته سنوات الشقاء التي أمضاها في المكان أن لا يترك ظهره دون حماية ، وأن أغلب الأخطار تأتي من الخلف.
      طويتِ المسافات بين ماضيه وحاضره . حتى لكأنها البارحة حين قرر أن يتخلص من صفة عاطل ويعلي شأن يده، لم يتطلب الأمر غير رزمة جوارب نسائية ، بساط قديم ، وصوت قوي يبدأ يومه بعد العصر محتشما ، ليصل أوج الحماسة قبيل المغيب ، ثم يأخذ في الانحدار والتقطع استعداد للرحيل. الصوت في مثل هذه الأسواق رأسمال مهم ويصنع الفارق ، من يصرخ أعلى يربح أكثر تماما كما في السياسة ، ولا عجب ، فكلاهما سوق وإن تفاوتت الأرباح.
      ابتسم عندما تذكر أول مرة سمع تلك الجملة المستنفرة : " القايد جاي ..... القايد جاي " . فقد ترك البضاعة و أطلق ساقيه للريح ، ليبقى مدة طويلة عرضة للسخرية من طرف الباعة. تطلب منه الأمر وقتا طويلا ، وخسارات عديدة قبل أن يعتاد الكر والفر ، ويتعرف قواعد السوق و يتقن لعبة المساومة مع الزبائن و أعوان "القايد".
      تذكر آخر يوم له في المكان ، حين اهتز هاتفه فرحا بقبوله النهائي كأستاذ في إطار حملة لتوظيف أصحاب الشواهد العليا . باع بضاعته لأحد جيرانه من الباعة بنصف الثمن و انطلق دون أن يلتفت.
      " القايد جاي .... القايد جاي ... !!!" أفاقته الصيحة من سفر الذاكرة ، أطلق ساقيه للريح ، ولم يلتقط أنفاسه إلا داخل سيارته.
      الاستاذ عبد السلام الهلالي .. نص جميل فيه لمحة عفوية ..ونصك أكبر دليل على أن بقايا الماضي مازالت عالقة في أذيال ذاكرتنا ..دم طيباً سيّدي.
      حتماً اليك, حتى بعد الفراق ..!

      تعليق

      • حسن لختام
        أديب وكاتب
        • 26-08-2011
        • 2603

        #4
        قص ممتع، لغة متينة ووصف دقيق للأحداث. التقاط موفق لمشاهد، وتجارب حياتية، بأسلوب أدبي ممتع. هناك أشياء تبقى قابعة في غياهب الذاكرة..لاتمحى أبدا
        شكرا لك على متعة القراءة
        محبتي وتقديري، أيها الجميل

        تعليق

        • حسن لختام
          أديب وكاتب
          • 26-08-2011
          • 2603

          #5
          نص يستحق أن يثبت بجدارة
          محبتي

          تعليق

          • أحمد عكاش
            أديب وكاتب
            • 29-04-2013
            • 671

            #6
            الأخ (عبد السلام الهلالي):
            ما إن بدأتُ بالقراءة والاسترسال فيها،
            حتى تبادرت رواية (الزلزال) للكاتب الجزائري (الطّاهر وطّار) إلى ذاكرتي،
            حين جاء بطل الرواية (أبو الأرواح) إلى (قسنطينة)...
            وجعل يراقب الناس والباعة، ويلاحظ الظواهر الجديدة في المدينة،
            وقصّتكم بعدها نحت منحى مُغايراً، ...
            ولكن باتّجاه الجمال والتّفرّد أسلوباً ..
            أمَّا(الحدث) فهو مكرور قديم.
            لا ضير ..
            فالمهمّ هو بروز (ذاتيّة الكاتب)، .. أن يحمل النصّ (بصمة الكاتب)،
            وهذه بارزة عميقة.
            أمتعتنا أخي ( عبد السلام).. ننتظر منك الروائع.
            يَا حُزْنُ لا بِنْتَ عَنْ قَلْبِي فَمَا سَكَنَتْ
            عَرَائِسُ الشِّعْرِ فِي قَلْبٍ بِلا حَزَنِ
            الشاعر القروي

            تعليق

            • أم عفاف
              غرس الله
              • 08-07-2012
              • 447

              #7
              ذلك الواقع الذي نهرب منه هو الخلفية الحقيقية لمجتمعنا
              وما يحصل فيه مرآة تتجلى فيها طباعنا ،ممارساتنا ،أخلاقياتنا
              والسوق له طبقته من الحرفاء الذين يتعامل معهم
              الغريب في الأمر أنه حين يختار السوق يذهب في ظنه أنه نجا من الاستغلال الفاحش خارجه
              بساطة هؤلاء الناس تجعلهم عرضة لما هو أقوى
              كل ما وصفته من ممارسات لا تعدو أن تكون عينة بريئة عما يحصل في السوق
              تعجبني كثيرا هذه المواضيع وأقبل عليها بشهية خاصة حين تكون اللغة نقية ومسبوكة
              كل الاحترام
              التعديل الأخير تم بواسطة أم عفاف; الساعة 15-01-2014, 05:21.

              تعليق

              • ريما ريماوي
                عضو الملتقى
                • 07-05-2011
                • 8501

                #8
                جميل النص ولغته متينة، لا عجب .. فالاستاذ عبد السلام
                حريص على اللغة متمكن منها...

                لكن القفلة المدهشة لم تفاجئني.. لأنني ما زلت أذكرها
                من أول مرة قرأتها فيها...

                طبعا النص كان مشاركا في المسابقة.. لهذا السبب.

                شكرا على تحقيق المتعة لنا...

                تحيتي وتقديري.


                أنين ناي
                يبث الحنين لأصله
                غصن مورّق صغير.

                تعليق

                • محمد الشرادي
                  أديب وكاتب
                  • 24-04-2013
                  • 651

                  #9
                  أهلا اخي عبد السلام
                  لقد سبق لي ان قرات هذا النص المائز. إنه فعل الشرط المنعكس الذي يترسخ في أعماق أولئك الباعة الذين يطاردهم الجميع في الشوارع.
                  بناء رائع لفكرة انسانية جميلة
                  تحياتي

                  تعليق

                  • شيماءعبدالله
                    أديب وكاتب
                    • 06-08-2010
                    • 7583

                    #10
                    مؤلم ما يحدث
                    حقيقة الشارع الذي يضم شرائح شتى من مجتمع مرهق ..
                    شهادة عليا لا تجد سوى عمالة في إحدى الأسواق !؟
                    هذا ما تسببه التضخم الاقتصادي
                    وانعكاسات الظروف السيئة على الشعوب التي تعيش في ضنك وحيف
                    نص مشغول بحبكة وتقنية حريفة
                    دمت مبدعا قاصنا الراقي عبد السلام هلالي
                    تحايا تليق مع جل التقدير

                    تعليق

                    • سعاد محمود الامين
                      أديب وكاتب
                      • 01-06-2012
                      • 233

                      #11
                      مشاهد مصورة بقلم مبدع يعرف كيف ينتقى مفرداته الجاذبة
                      ويدفع بها فى سرد مدهش
                      جعلنى كأنى أشاهد صورا واسمع أصوات الباعة واشتم رائحة المكان..
                      لم تتلاشى هذه الصورمن ذاكرة بطلنا
                      بل قبعت فى مؤخرة الذاكرة حتى استدعيت فهرب..
                      شكرا لك الصديق الأديب عبدالسلام على قصك الماتع دوما
                      مصر ومامصر سوى الشمس
                      التي بهرت بثاقب نورهاكل الورى
                      والناس فيك إثنان...
                      شخص رأى حسنا فهام به
                      وشخص لايرى!

                      تعليق

                      • عبد السلام هلالي
                        أديب وقاص
                        • 09-11-2012
                        • 426

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة اماني مهدية الرغاي مشاهدة المشاركة
                        وواووو روعة هذه اللوحة البانورامية
                        حيكت باتقان وكأني تواجدت لهنيهة في سوق
                        من اسواق الاحياء الشعبية...النهاية اتت غير متوقعة
                        فاكملت دائرة القص ...
                        بوركت وسلم اليراع
                        مودتي
                        اماني
                        أختي أماني مهدية،
                        سعيد أنا بمرورك و أن لاقيت هنا مايروق ذائقتك.
                        لك مني التحية و التقدير.
                        كلمتك تعمر بعدك دهرا، فاحرص أن تكون صدقتك الجارية

                        تعليق

                        • عبد السلام هلالي
                          أديب وقاص
                          • 09-11-2012
                          • 426

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة رويده العاني مشاهدة المشاركة
                          الاستاذ عبد السلام الهلالي .. نص جميل فيه لمحة عفوية ..ونصك أكبر دليل على أن بقايا الماضي مازالت عالقة في أذيال ذاكرتنا ..دم طيباً سيّدي.
                          و ما نحن إلا ركام من الذكريات أختي رويده.
                          شاكر لك المرور و التفاعل الطيب.
                          تحيتي و تقديري
                          كلمتك تعمر بعدك دهرا، فاحرص أن تكون صدقتك الجارية

                          تعليق

                          • عبد السلام هلالي
                            أديب وقاص
                            • 09-11-2012
                            • 426

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة حسن لختام مشاهدة المشاركة
                            قص ممتع، لغة متينة ووصف دقيق للأحداث. التقاط موفق لمشاهد، وتجارب حياتية، بأسلوب أدبي ممتع. هناك أشياء تبقى قابعة في غياهب الذاكرة..لاتمحى أبدا
                            شكرا لك على متعة القراءة
                            محبتي وتقديري، أيها الجميل
                            و الشكر لك أخي حسن، على هذا الكرم و التقدير لحروفي المتواضعة.
                            سعيد أن لاقيت هنا ما يروق ذائقتك. و كلماتك شهادة تسرني.
                            تحيتي و تقديري
                            كلمتك تعمر بعدك دهرا، فاحرص أن تكون صدقتك الجارية

                            تعليق

                            • عبد السلام هلالي
                              أديب وقاص
                              • 09-11-2012
                              • 426

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة أحمد عكاش مشاهدة المشاركة
                              الأخ (عبد السلام الهلالي):
                              ما إن بدأتُ بالقراءة والاسترسال فيها،
                              حتى تبادرت رواية (الزلزال) للكاتب الجزائري (الطّاهر وطّار) إلى ذاكرتي،
                              حين جاء بطل الرواية (أبو الأرواح) إلى (قسنطينة)...
                              وجعل يراقب الناس والباعة، ويلاحظ الظواهر الجديدة في المدينة،
                              وقصّتكم بعدها نحت منحى مُغايراً، ...
                              ولكن باتّجاه الجمال والتّفرّد أسلوباً ..
                              أمَّا(الحدث) فهو مكرور قديم.
                              لا ضير ..
                              فالمهمّ هو بروز (ذاتيّة الكاتب)، .. أن يحمل النصّ (بصمة الكاتب)،
                              وهذه بارزة عميقة.
                              أمتعتنا أخي ( عبد السلام).. ننتظر منك الروائع.
                              أخي أحمد، أشكر كرمك البالغ و تفاعلك المثمر مع نصي المتواضع.
                              و أسأل الله أن أكون دوما عند حسن ظنكم بي .
                              لك التحية و الود و الورد
                              كلمتك تعمر بعدك دهرا، فاحرص أن تكون صدقتك الجارية

                              تعليق

                              يعمل...
                              X