بَقايا الأمسِ
ركن سيارته عند المدخل البحري للمدينة العتيقة ، وترجل يلاحق ذكرياتٍ استدرجته إلى الشارع الرئيس الذي لا زال يختنق بأنفاس مرتاديه ، و تتزاحم عليه الخطوات كما تركه قبل عشر سنوات.
تغيرت الملامح ، شاخت وجوه ، ورحلت أخرى فاسحة المجال لوجوه جديدة أُلقي بها على هامش الحياة في دورة لا تنتهي . أصوات الباعة تصدح بكل أملها ، تنادي كسرة خبز صماء. تتنافس على استمالة الأسماع لتنفذ إلى الجيوب.
أفواج تتناسل ، أجساد لا تفصلها عن بعضها سوى الثياب ، عيون هائمة تحاول استيعاب عناصر المشهد المكتظ . أياد تقلب السلع مفتشة عن عيوبها للإفلات من حبال صاحبها ، أو تقوية الموقف التفاوضي ، و أخرى تتلمس الأجساد ، تسترق متعة عابرة ، وغيرها غاطسة في رحلة استكشاف لجيوب و حقائب شاردة.
تتعالى الأصوات أكثر فأكثر ، يزداد الشارع ازدحاما بسيول بشرية تتدفق من كل الأزقة الفرعية ومعها تزداد سيول الذاكرة دفقا وقوة . تجرفه نحو أيام كان أقسم أن يحرقها نسيانا.
خيل إليه الفضاء من حوله بحرا و العابرون أمواجا متلاطمة ، تاهت بوصلته ، أحس بدوار وتعب ، لم يقو على مواصلة المسير ، ولا مجال للوقوف. إلتجأ إلى الرصيف حيث يلقي الشارع بالضعفاء ، وحيث تتزاحم معروضات الباعة وإلى جانبها أحلامهم و أجسادهم لتشكل عناصر الفرجة. استند إلى جدار يحمي ظهره ، فقد علمته سنوات الشقاء التي أمضاها في المكان أن لا يترك ظهره دون حماية ، وأن أغلب الأخطار تأتي من الخلف.
طويتِ المسافات بين ماضيه وحاضره . حتى لكأنها البارحة حين قرر أن يتخلص من صفة عاطل ويعلي شأن يده، لم يتطلب الأمر غير رزمة جوارب نسائية ، بساط قديم ، وصوت قوي يبدأ يومه بعد العصر محتشما ، ليصل أوج الحماسة قبيل المغيب ، ثم يأخذ في الانحدار والتقطع استعداد للرحيل. الصوت في مثل هذه الأسواق رأسمال مهم ويصنع الفارق ، من يصرخ أعلى يربح أكثر تماما كما في السياسة ، ولا عجب ، فكلاهما سوق وإن تفاوتت الأرباح.
ابتسم عندما تذكر أول مرة سمع تلك الجملة المستنفرة : " القايد جاي ..... القايد جاي " . فقد ترك البضاعة و أطلق ساقيه للريح ، ليبقى مدة طويلة عرضة للسخرية من طرف الباعة. تطلب منه الأمر وقتا طويلا ، وخسارات عديدة قبل أن يعتاد الكر والفر ، ويتعرف قواعد السوق و يتقن لعبة المساومة مع الزبائن و أعوان "القايد".
تذكر آخر يوم له في المكان ، حين اهتز هاتفه فرحا بقبوله النهائي كأستاذ في إطار حملة لتوظيف أصحاب الشواهد العليا . باع بضاعته لأحد جيرانه من الباعة بنصف الثمن و انطلق دون أن يلتفت.
" القايد جاي .... القايد جاي ... !!!" أفاقته الصيحة من سفر الذاكرة ، أطلق ساقيه للريح ، ولم يلتقط أنفاسه إلا داخل سيارته.
تغيرت الملامح ، شاخت وجوه ، ورحلت أخرى فاسحة المجال لوجوه جديدة أُلقي بها على هامش الحياة في دورة لا تنتهي . أصوات الباعة تصدح بكل أملها ، تنادي كسرة خبز صماء. تتنافس على استمالة الأسماع لتنفذ إلى الجيوب.
أفواج تتناسل ، أجساد لا تفصلها عن بعضها سوى الثياب ، عيون هائمة تحاول استيعاب عناصر المشهد المكتظ . أياد تقلب السلع مفتشة عن عيوبها للإفلات من حبال صاحبها ، أو تقوية الموقف التفاوضي ، و أخرى تتلمس الأجساد ، تسترق متعة عابرة ، وغيرها غاطسة في رحلة استكشاف لجيوب و حقائب شاردة.
تتعالى الأصوات أكثر فأكثر ، يزداد الشارع ازدحاما بسيول بشرية تتدفق من كل الأزقة الفرعية ومعها تزداد سيول الذاكرة دفقا وقوة . تجرفه نحو أيام كان أقسم أن يحرقها نسيانا.
خيل إليه الفضاء من حوله بحرا و العابرون أمواجا متلاطمة ، تاهت بوصلته ، أحس بدوار وتعب ، لم يقو على مواصلة المسير ، ولا مجال للوقوف. إلتجأ إلى الرصيف حيث يلقي الشارع بالضعفاء ، وحيث تتزاحم معروضات الباعة وإلى جانبها أحلامهم و أجسادهم لتشكل عناصر الفرجة. استند إلى جدار يحمي ظهره ، فقد علمته سنوات الشقاء التي أمضاها في المكان أن لا يترك ظهره دون حماية ، وأن أغلب الأخطار تأتي من الخلف.
طويتِ المسافات بين ماضيه وحاضره . حتى لكأنها البارحة حين قرر أن يتخلص من صفة عاطل ويعلي شأن يده، لم يتطلب الأمر غير رزمة جوارب نسائية ، بساط قديم ، وصوت قوي يبدأ يومه بعد العصر محتشما ، ليصل أوج الحماسة قبيل المغيب ، ثم يأخذ في الانحدار والتقطع استعداد للرحيل. الصوت في مثل هذه الأسواق رأسمال مهم ويصنع الفارق ، من يصرخ أعلى يربح أكثر تماما كما في السياسة ، ولا عجب ، فكلاهما سوق وإن تفاوتت الأرباح.
ابتسم عندما تذكر أول مرة سمع تلك الجملة المستنفرة : " القايد جاي ..... القايد جاي " . فقد ترك البضاعة و أطلق ساقيه للريح ، ليبقى مدة طويلة عرضة للسخرية من طرف الباعة. تطلب منه الأمر وقتا طويلا ، وخسارات عديدة قبل أن يعتاد الكر والفر ، ويتعرف قواعد السوق و يتقن لعبة المساومة مع الزبائن و أعوان "القايد".
تذكر آخر يوم له في المكان ، حين اهتز هاتفه فرحا بقبوله النهائي كأستاذ في إطار حملة لتوظيف أصحاب الشواهد العليا . باع بضاعته لأحد جيرانه من الباعة بنصف الثمن و انطلق دون أن يلتفت.
" القايد جاي .... القايد جاي ... !!!" أفاقته الصيحة من سفر الذاكرة ، أطلق ساقيه للريح ، ولم يلتقط أنفاسه إلا داخل سيارته.
تعليق