انتقام
نسي مؤمن غيضه وغضبه وهو يغلي كالبركان أمام القاضي الذي أصدر الحكم بهدم البيت الذي بناه مؤمن بتعبه وعرق جبينه، وهو يقطع من قوته وقوت أبنائه، ومن طفولتهم، وبدفع غرامة مالية بمقدار نصف تكاليف بناء البيت، وتذكر وهو يقف أمام القاضي أن الله يُمهل ولا يُهمل، وعندما عاد إلى بيته المهدد بالهدم، حاملا بداخله بركانا يكاد ينفجر، وجد بانتظاره إشعارابدفع ضريبة العوائد عن البيت المهدد بالهدم، وكتاب اعتذار مرفقا بالإشعار من رئيس السلطة المحلية، يعتذر فيه من جميع المواطنين عن مضاعفة الضريبة، وذلك من أجل سدّ العجز المتراكم الذي خلفه الرئيسان، السابق والأسبق، فاشتعل غضبه أكثر، وصار كالدّم الآيل للانفجار، لكنه فجأة تذكر ما قاله الواعظ الذي كان يحاضر أمام مجموعة من فتيان وفتيات القرية عن اقتراب قيام الساعة، ويدعوهم إلى الصبر، وأن الله إن مدّ للباغين في الدنيا، وأعطاهم مايتمنون، لكنه يتوعدهم بجحيم اشدّ غليانا، يهون أمامه القار الأسود الذي يغلي على نار متأججة، ويمنّي المؤمنين "بجنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين أبدا".
ارتخت أعصاب مؤمن، وابتسم عندما مرت بخاطره كلمة مؤمنين، نسي الحكم الذي أصدره القاضي المتجهّم الوجه الذي لا يبتسم، ونسي كلماته التي كانت تخرج من فمه، كلمة،كلمه، كطلقات بندقية تطلقها طلقة طلقه، يشدّ عليها لتسقط على بدنه كما يسقط الرصاص، تخترق لحمه، تقطّعه كما يقطع سكين الجزار في لحم الذبيحة، تذكر كيف كان يقطع من طفولة أبنائه، ويحرمهم من مصروفهم وألعابهم، ليبني لهم بيتا، كيف كانوا يبكون ويقطّعون نياط قلبه، ولا يستطيع عمل شيء !
عاد من ضياعه على صوت زوجته، وهي تسأله بصوت عال وباستغراب عما أصابه، تلاشت الابتسامة من على شفتيه، وبدا كمن تلقى صفعة على وجهه، وبدت عيناه جمرتان تشعان نارا..ارتعبت زوجته من نظراته الحارقة كجمر النار، ولما لم يجب على أسئلتها المتكررة، جرته من يده إلى السرير فانقاد لها كما ينقاد الطفل الصغير إلى أمّه، أطاعها ومشى خلفها وهو يرتجف من البرد، أدخلته الفراش، وأثقلت عليه الغطاء، وهي تدعو أن يفك الله أزمته، وحين سرى الدفء في عروقه، غاص في نوم عميق عمق البحر المظلم، فرأى نفسه بثياب نوم حريرية يتمشى في قصر كبير، واسع، جدرانه الداخلية تلمع كالبنّور، على بعضها مرايا طويلة، وبعضها الآخر مغطى بسجاد منقوش بأجمل اللوحات الفنية، تحيط بالقصر حديقة، تتشابك فيها أشجار الليمون والبرتقال، لتملأ فضاءها برائحة زكيّة، وتنتشر في زواياها ورود مختلفة الألوان تعطّر الجوب روائحها الطيبة، تتقاطع فيها قنوات يجري فيها ماء صاف، كما يجري في الأنهار، وعلى أماكن متباعدة من سور الحديقة المحيطة بالقصر ثبتت كاميرات الكترونية ترصد كل حركة تقترب من القصر.
أحسّ بالزهو والسعادة وهو يتجوّل ببطء في أرجاء القصر، يشرف من الكاميرات الالكترونية على الحديقة والشارع القريب، يراقب المارة على الطريق، يتساءل عن العربة الفاخرةالتي تقترب من القصر، وتقف عند البوابة، وما هي لا لحظات حتى جاءه الخدم يزفون إليه خبر زيارة القاضي الذي أصدر أمر هدم البيت، جاء يهنئه بامتلاكه القصر الذي لايليق إلا بالأغنياء أمثاله، ويبشره بإلغاء كل العوائد المتراكمة عليه منذ عهد رئيسي السلطة المحلية،السابق والأسبق.
أمرالخدم بلغة جافة، وبلهجة حازمة، وبصوت صارم لا يقبل الجدل، أن ينتظر القاضي عند البوابة، وألاّ يسمحوا له بالدخول، حتى يفرغ من تبديل ملابسه بملابس تليق بمستواه،وباستقبال أناس بمناصب أعلى من منصب القاضي.
احتار أيّة بدله يلبس، ليظهر للقاضي ضآلته، وأن الحياة ليست قانونا وعدالة، وأن المرء لا يساوي إلاّ ما حوى جيبه من المال، ومايربحه هو في صفقة واحدة، بليلة واحده، أضعاف ما يتقاضاه في شهر وربما في سنة، وبينماهو يحلق في خياله هزته يد قوية، وصوت عالٍ ينهره قائلا "استيقظ لقد نمت مافيه الكفاية، حان موعد عودتك إلى العمل، وإلاّ جعنا وجاع أبناؤك"!!!
عزيزي القارئ يكفيني شرف قراءتك للقصة
تعليق