انتقام

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أمين خيرالدين
    عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
    • 04-04-2008
    • 554

    انتقام

    انتقام

    نسي مؤمن غيضه وغضبه وهو يغلي كالبركان أمام القاضي الذي أصدر الحكم بهدم البيت الذي بناه مؤمن بتعبه وعرق جبينه، وهو يقطع من قوته وقوت أبنائه، ومن طفولتهم، وبدفع غرامة مالية بمقدار نصف تكاليف بناء البيت، وتذكر وهو يقف أمام القاضي أن الله يُمهل ولا يُهمل، وعندما عاد إلى بيته المهدد بالهدم، حاملا بداخله بركانا يكاد ينفجر، وجد بانتظاره إشعارابدفع ضريبة العوائد عن البيت المهدد بالهدم، وكتاب اعتذار مرفقا بالإشعار من رئيس السلطة المحلية، يعتذر فيه من جميع المواطنين عن مضاعفة الضريبة، وذلك من أجل سدّ العجز المتراكم الذي خلفه الرئيسان، السابق والأسبق، فاشتعل غضبه أكثر، وصار كالدّم الآيل للانفجار، لكنه فجأة تذكر ما قاله الواعظ الذي كان يحاضر أمام مجموعة من فتيان وفتيات القرية عن اقتراب قيام الساعة، ويدعوهم إلى الصبر، وأن الله إن مدّ للباغين في الدنيا، وأعطاهم مايتمنون، لكنه يتوعدهم بجحيم اشدّ غليانا، يهون أمامه القار الأسود الذي يغلي على نار متأججة، ويمنّي المؤمنين "بجنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين أبدا".
    ارتخت أعصاب مؤمن، وابتسم عندما مرت بخاطره كلمة مؤمنين، نسي الحكم الذي أصدره القاضي المتجهّم الوجه الذي لا يبتسم، ونسي كلماته التي كانت تخرج من فمه، كلمة،كلمه، كطلقات بندقية تطلقها طلقة طلقه، يشدّ عليها لتسقط على بدنه كما يسقط الرصاص، تخترق لحمه، تقطّعه كما يقطع سكين الجزار في لحم الذبيحة، تذكر كيف كان يقطع من طفولة أبنائه، ويحرمهم من مصروفهم وألعابهم، ليبني لهم بيتا، كيف كانوا يبكون ويقطّعون نياط قلبه، ولا يستطيع عمل شيء !
    عاد من ضياعه على صوت زوجته، وهي تسأله بصوت عال وباستغراب عما أصابه، تلاشت الابتسامة من على شفتيه، وبدا كمن تلقى صفعة على وجهه، وبدت عيناه جمرتان تشعان نارا..ارتعبت زوجته من نظراته الحارقة كجمر النار، ولما لم يجب على أسئلتها المتكررة، جرته من يده إلى السرير فانقاد لها كما ينقاد الطفل الصغير إلى أمّه، أطاعها ومشى خلفها وهو يرتجف من البرد، أدخلته الفراش، وأثقلت عليه الغطاء، وهي تدعو أن يفك الله أزمته، وحين سرى الدفء في عروقه، غاص في نوم عميق عمق البحر المظلم، فرأى نفسه بثياب نوم حريرية يتمشى في قصر كبير، واسع، جدرانه الداخلية تلمع كالبنّور، على بعضها مرايا طويلة، وبعضها الآخر مغطى بسجاد منقوش بأجمل اللوحات الفنية، تحيط بالقصر حديقة، تتشابك فيها أشجار الليمون والبرتقال، لتملأ فضاءها برائحة زكيّة، وتنتشر في زواياها ورود مختلفة الألوان تعطّر الجوب روائحها الطيبة، تتقاطع فيها قنوات يجري فيها ماء صاف، كما يجري في الأنهار، وعلى أماكن متباعدة من سور الحديقة المحيطة بالقصر ثبتت كاميرات الكترونية ترصد كل حركة تقترب من القصر.
    أحسّ بالزهو والسعادة وهو يتجوّل ببطء في أرجاء القصر، يشرف من الكاميرات الالكترونية على الحديقة والشارع القريب، يراقب المارة على الطريق، يتساءل عن العربة الفاخرةالتي تقترب من القصر، وتقف عند البوابة، وما هي لا لحظات حتى جاءه الخدم يزفون إليه خبر زيارة القاضي الذي أصدر أمر هدم البيت، جاء يهنئه بامتلاكه القصر الذي لايليق إلا بالأغنياء أمثاله، ويبشره بإلغاء كل العوائد المتراكمة عليه منذ عهد رئيسي السلطة المحلية،السابق والأسبق.
    أمرالخدم بلغة جافة، وبلهجة حازمة، وبصوت صارم لا يقبل الجدل، أن ينتظر القاضي عند البوابة، وألاّ يسمحوا له بالدخول، حتى يفرغ من تبديل ملابسه بملابس تليق بمستواه،وباستقبال أناس بمناصب أعلى من منصب القاضي.
    احتار أيّة بدله يلبس، ليظهر للقاضي ضآلته، وأن الحياة ليست قانونا وعدالة، وأن المرء لا يساوي إلاّ ما حوى جيبه من المال، ومايربحه هو في صفقة واحدة، بليلة واحده، أضعاف ما يتقاضاه في شهر وربما في سنة، وبينماهو يحلق في خياله هزته يد قوية، وصوت عالٍ ينهره قائلا "استيقظ لقد نمت مافيه الكفاية، حان موعد عودتك إلى العمل، وإلاّ جعنا وجاع أبناؤك"!!!


    عزيزي القارئ يكفيني شرف قراءتك للقصة
    التعديل الأخير تم بواسطة أمين خيرالدين; الساعة 15-02-2014, 13:35.
    [frame="11 98"]
    لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

    لكني لم أستطع أن أحب ظالما
    [/frame]
  • محمد سلطان
    أديب وكاتب
    • 18-01-2009
    • 4442

    #2
    عندما نشعر بالظلم .. تبقى المظلمة بين رئتينا ليلا ونهارا..
    وسيما حينما تكون من قاضي من المفترض
    أنه يحي طقوس العدل بين البشر..

    قصة تربوية تستقيم جدا لتلاميذ المراحل الأساسية من التعليم..
    فما أصعب نسج القص لهذه الشريحة من الأعمار..
    وخاصة أن الأسلوب جاء متناسبا لهم..
    تقديري لك أستاذ أمين
    صفحتي على فيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

    تعليق

    • حارس الصغير
      أديب وكاتب
      • 13-01-2013
      • 681

      #3
      أنه ليس انتقام
      إنه أشد وطأة في زمن المعيار الرئيسي فيه هو لغة المال
      وأصبح الظلم سمة ﻻ تنال إﻻ الفقراء
      نص أجدت فيه بناء ولغة وسردا أخي القدير أمين
      تحيتي

      تعليق

      • مهدية التونسية
        أديبة وكاتبة
        • 20-09-2013
        • 516

        #4
        اراه يهرب من واقعه الاليم ليندس في حلم
        ان يستجدي من منامه حقه الذي لم يستطع ان يأخذه
        زمن قاسي جدا خاصة لما يكون من يزيدك ظلما
        هو من رجوت من خلاله عدلا
        نص محكم وبهي
        تحيتي وتقديري


        http://www.youtube.com/watch?v=RkH_701__k0











        لاتسأل القصيدة عن دمها عن حرفها المغدور بهجر المكان
        لاتسأل فويلها الكلمات حين يسيل دمعها على خد الورق!

        تعليق

        • أمين خيرالدين
          عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
          • 04-04-2008
          • 554

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة محمد سلطان مشاهدة المشاركة
          عندما نشعر بالظلم .. تبقى المظلمة بين رئتينا ليلا ونهارا..
          وسيما حينما تكون من قاضي من المفترض
          أنه يحي طقوس العدل بين البشر..

          قصة تربوية تستقيم جدا لتلاميذ المراحل الأساسية من التعليم..
          فما أصعب نسج القص لهذه الشريحة من الأعمار..
          وخاصة أن الأسلوب جاء متناسبا لهم..
          تقديري لك أستاذ أمين
          أخي محمد سلطان
          تحياتي لك ..ولمصر.. ولشعب مصر...
          ادمنا الظلم كما ادمنا حبة الدواء
          فهو يلاحقنا قبل الاكل وبعده
          في الصباح وبعد العشاء
          حبة الدواء فقدت مفعولها لكن الظلم لا
          تكفيني كلماتك الطيبة التي تدغدغ الشعور بالتفاؤل
          لك خالص الشكر على هذا المرور الكريم
          [frame="11 98"]
          لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

          لكني لم أستطع أن أحب ظالما
          [/frame]

          تعليق

          • أمين خيرالدين
            عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
            • 04-04-2008
            • 554

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة حارس الصغير مشاهدة المشاركة
            أنه ليس انتقام
            إنه أشد وطأة في زمن المعيار الرئيسي فيه هو لغة المال
            وأصبح الظلم سمة ﻻ تنال إﻻ الفقراء
            نص أجدت فيه بناء ولغة وسردا أخي القدير أمين
            تحيتي
            اخي حارس
            وتشتد وطاة الغضب
            حين
            يصبح المعيار دينيا لغرض عرقي وسياسي
            كلماتك الطيبة ايقظت فيّ "الأنا"
            وهو احيانا ايجابي
            تحياتي
            وشكري
            [frame="11 98"]
            لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

            لكني لم أستطع أن أحب ظالما
            [/frame]

            تعليق

            • أمين خيرالدين
              عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
              • 04-04-2008
              • 554

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة مهدية التونسية مشاهدة المشاركة
              اراه يهرب من واقعه الاليم ليندس في حلم
              ان يستجدي من منامه حقه الذي لم يستطع ان يأخذه
              زمن قاسي جدا خاصة لما يكون من يزيدك ظلما
              هو من رجوت من خلاله عدلا
              نص محكم وبهي
              تحيتي وتقديري
              الاخت مهدية التونسية
              واقع اليم حين يجلد الانسان نفسه بالحرمان
              وينشل من ابنائه طفولتهم
              حينها
              تتحول الاحلام الى طفولة ومراهقة
              لكنها لن تصبح واقعا يريح النفس
              ولا حتى الجسد
              تحياتي
              وشكري
              [frame="11 98"]
              لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

              لكني لم أستطع أن أحب ظالما
              [/frame]

              تعليق

              • إيمان الدرع
                نائب ملتقى القصة
                • 09-02-2010
                • 3576

                #8
                الأستاذ القدير: أمين خير الدين
                إن الإحساس بالظلم
                يقتل في الروح أشياء كثيرة
                وتهميش الجانب الإنساني فينا
                يطفئ جذوة الحياة...ويحيلها إلى ساعات خامدة لالون لها ولاظل..
                قصة لها أبعادها، ومشهدها مرسوم بشكل مشوق..غير نمطي
                أسعدني أن أقرأ لك
                وأرى هذا القلم الذي يزداد تعمّقا في الإنسانية
                بمصداقية تعكس الحال ومواجعه
                تحياتي لك واحترامي..أديبنا القدير...

                تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                تعليق

                • أمين خيرالدين
                  عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
                  • 04-04-2008
                  • 554

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
                  الأستاذ القدير: أمين خير الدين
                  إن الإحساس بالظلم
                  يقتل في الروح أشياء كثيرة
                  وتهميش الجانب الإنساني فينا
                  يطفئ جذوة الحياة...ويحيلها إلى ساعات خامدة لالون لها ولاظل..
                  قصة لها أبعادها، ومشهدها مرسوم بشكل مشوق..غير نمطي
                  أسعدني أن أقرأ لك
                  وأرى هذا القلم الذي يزداد تعمّقا في الإنسانية
                  بمصداقية تعكس الحال ومواجعه
                  تحياتي لك واحترامي..أديبنا القدير...
                  إيمان الدرع
                  لا أدري من حيث ادري لماذا أنتظر كلماتك
                  فتشت عنها كثيرا أخيرا
                  تضاربتني المخاوف واالظنون ولهيب المحن
                  من المؤكد أن الحسّ الإنساني يجمعنا
                  ومقت الظلم يجمعنا،
                  وتهميش الجانب الإنساني وتجاهله يجمعنا،
                  لهذا كله ولغيره، كثيرة هي القواسم المشتركة التي تجمعنا
                  ارتاح لكلماتك، أغوص في جوانبها أتأمل، وأتعلم
                  ثم اعود أتامل لأتعلم أكثر وأكثر
                  واقتبس احيانا
                  ****
                  دعك من القصة
                  كلماتك كفاية عليها وأكثر
                  المهم أن تكونوا بخير
                  وان تنتهي المحنة التي تعيشونها
                  ونعيشها معكم
                  تحياتي واحترامي
                  وأخوّتي
                  وتقديري وشكري
                  [frame="11 98"]
                  لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

                  لكني لم أستطع أن أحب ظالما
                  [/frame]

                  تعليق

                  يعمل...
                  X