
الكتابة المغرضة: أسرارها و أساليبها
1) الكتابة، أي كتابة، فن من فنون التعبير الكثيرة، و الكتابة المغرضة، الهادفة، فن راق لا يجيده إلا كاتب حاذق متمرس أريب، أو أديب مجرب لبيب، يعرف مداخل الكلام و مخارجه فيوظف خبرته بأساليب الكتابة أو درايته بأسرارها ليوصل ما يرد إيصاله إلى المتلقين أيا كانوا من حيث نوعُهم أو جنسهم أو فئتُهم أو مستوياتُهم الثقافية ؛ و إن الكتابة، أي كتابة، لا تخلو من غرض صغر أو كبر، قيما كان الغرض أم تافها، فحتى الذين يزعمون أنهم يكتبون من أجل الكتابة، أو ما يُسمى مدرسة الفن من أجل الفن، أو المدرسة "البرناسية"، إنما يكتبون لغاية أو لغرض هو الكتابة نفسها أو الفن نفسه و لا توجد في نظري واعتقادي كتابة خالية كلية من غرض ما و يبقى التعرف على الغرض الذي كُتِب من أجله ما كُتِب سواء اعترف الكاتب بذلك أم لم يعترف، صرح بغرضه أم لم يصرح.
2) و للكتابة المغرضة قواعد أو شروط يجب مراعاتها حتى تقوم بدورها الفعّال في نقل ما يُراد نقله إلى المستهدفين أو المقصودين بتلك الكتابة، و هؤلاء المستهدفون بالكتابة أنواع كثيرة يراد منهم التفاعل المرجو إن إيجابا أو سلبا و ما مدى تأثيرها في المتلقين من خلال ردود أفعالهم و نوعيتها و أنواع تلك الردود التي يمكن قياسها بما تحدثه الكتابة المغرضة من صدى أو الاستجابة أو ما يسمى باللغة الأعجمية "feedback" ؛ في نظام الاتصال كما يقترحه عالم اللغة الروسي/الأمريكي "رومان ياكوبسون"، و الذي سنتعرض إليه لاحقا إن شاء الله تعالى و المكون أساسا من ستة عناصر هي: المرسل، المرسل إليه، الرسالة، الموضوع، القناة، الرمز أو اللغة، و يضاف إليها الصدى أو رد الفعل أو الاستجابة لقياس مدى نجاح العملية كما أشرنا إليه هنا و يضاف إلى هذه العناصر السبعة عنصر ثامن و هو "اللهجة" أو "اللحن" أو "أسلوب الخطاب" من حيث هدوءه و شدته ؛ و لهذا الصدى أو رد الفعل قيمته "العلمية" في تقدير قيمة الكتابة أو تأثيرها في المتلقين بمختلف فئاتهم بما تنقله إليهم من دقائق الحقائق أو تفاصيلها أو تحليلها أو تعليلها أو تبريرها.
3) و الكاتبون أمام الحقائق التي يريدون توصيلها إلى القراء أربعة أصناف أيا كان الداعي إلى ذكر تلك الحقائق كلها أو بعضها أو كتمان بعضها أو إعلان بعضها أو قَلْبِها كلها أو بعضها:
- ناقل للحقائق أيا كانت كما هي كاملة غير منقوصة؛
- ناقل لبعض الحقائق بسبب جهله بالباقي منها أو لغرض ما "سياسي" أو "أخلاقي"؛
- كاتم للحقائق كلها لسبب أو أسباب ما؛
- قالب للحقائق رأسا على عقب لسبب أو لآخر.
4) و من أسرار الكتابة المغرضة الحقيقية أنها تجيب و بكل دقة و ضبط على خمسة أسئلة أسميها حاليا "الأسئلة الجوهرية" في مقابلة الأسئلة الأخرى الموضوعية كما أسميتها حتى تتميز الأولى من الثانية و لا تختلط في ذهن الكاتب أو ذهن القارئ أو المتلقي المستهدف بالكتابة و التي سأذكرها في الفقرة (5) التالية ؛ و هذه الأسئلة الجوهرية هي:
- ماذا أكتب ؟ (موضوع الكتابة)
- لمن أكتب ؟ (الفئة أو الشخص المستهدف بالكتابة)
- كيف أكتب ؟ (الأسلوب الذي نكتب به)
- في أي قالب أكتب ؟ (شكل الكتابة أو نوعها)
- لماذا أكتب ؟ (الغاية من الكتابة).
5) أما الأسئلة الموضوعية المشار إليها في الفقرة السابقة أعلاه فهي الأسئلة التي تخص الموضوع الذي نريد الكتابة فيه نفسه، أو الحديث عن الحدث، و هي أسئلة ضرورية يجب محاولة الرد الموضوعي على أكبر عدد منها و هي عموما سبعة أسئلة و لا تزيد عن عشرة إن أردنا التفصيل:
1ـ ماذا حدث ؟
2ـ من أحدثه ؟
3ـ أين حدث ؟
4ـ متى حدث ؟
5ـ كيف حدث ؟
6ـ لماذا حدث ؟
7ـ لمن حدث ؟
ثم إن أضفنا أسئلة أو تساؤلات أخرى تزيد في تفاصيل الحدث كان أفضل بشرط أن تخدم تلك الأسئلة الموضوع و لا تشحنه بما لا فائدة فيه أو بما يعتبر من فضول الكلام، و على كلٍّ فالتساؤلات التي نضيفها مقترضة من مقولات العَرَض التي تذكر في كتب المنطق الصوري، كمحاولة معرفة "الكم" أو "النسبة" بالمقارنة مع شيء ما، أو "الوضعية" أو "الملكية" أو "الانفعال" و هذه التساؤلات و هي أوصاف إضافية تفصل الموضوع، أو المقولات كما تُسمَّى في علم المنطق الصوري حسب نظرية أرسطو في "الجوهر و العَرَض"، تزيد في تفاصيل الموضوع المعالج بالكتابة المغرضة و لذا يستلزم على من يريد ضبط موضوعه تماما أن يعود إلى "المنطق الصوري" لفهم المقصود ؛ و الجدير بالملاحظة هنا هو ضرورة التمييز بين "ما حدث" و بين "المُحدِث"، فالحدث هو ما وقع و المحدِث بكسر الدّال هو الذي أوقع ما وقع، فكلما كانت التفاصيل أكثر كلما ازداد القارئ إدراكا للحدث و المحدث.2ـ من أحدثه ؟
3ـ أين حدث ؟
4ـ متى حدث ؟
5ـ كيف حدث ؟
6ـ لماذا حدث ؟
7ـ لمن حدث ؟
هذا و الله أعلم و نسبة العلم إليه، سبحانه، أسلم، و للحديث بقية إن شاء الله تعالى.
البُليْدة، عشيَّةَ يوم الجمعة 21 من ربيع الثاني 1435 الموافق 21/02/2014.
تعليق