هناك في تلك الزاوية من الشُرفة الخلفية للمنزل و بين عرائش ياسمين تتهادى بها فوق هودج الشذا ، أدمنتْ التمدد على الكرسي الهزّاز..عن سبق إصرار ترمي مسامعها عند الجيران ؛
لتسترق كلمات الغزل التي يصبها جارها في أذن زوجته صبًا كل ليلة ..
حملتها مخملية صوته على بساط الروعة ، و ذاك الهمس الناعم دغدغ أحاسيسها التي ظلت مدفونة لسنيٍن طويلة تحت ثلوج حياتها الزوجية المجمدة ؛ فتفتحت براعم قلبها مستجدية الرواء ،
فهل يضن الغيم عليها بلثمة تفجر الماء في حقول العطش ؟هل سيستحيل عليها قطاف النجوم
و يعود بها الكرسي لمحطة الإرتطام ؛لتتحسر على حالها وحال زوجها "الرجل الخشبي"
الذي يعمل طوال الليل ويعود على مشارف النهار جثة هامدة،لاينظر إليها ..لا يُكلمها إلا شاكياً..أو لائماً.. أو آمراً ، ناهياً ، ثم يأكل ويحتضن النوم بحميمية ..ويصحو ليأكل ثم يذهب لعمله مجددا،
حتى يوم عطلته يؤثر قضاءه مع أصدقائه على المكوث معها، يتركها وجدران تتشعب أنفاسها؟؟
ويح هذا الرجل الذي حولها لآلة مُفرغة تُحلق في حواشيها غِربان الصدأ ،
دفَن أنوثتها برماد مشاعره ومشاعرها ..
لكنها هنا .. هنا كل أمسية ، تخنع للإنسلاخ ؛ فالسحاب وحده يتقن مداواة أرواحِ
تبحث عن خُبز العِتق ؛ لتُطعم الرغبات الخرساء ..
هي هنا تبصق الجمود ..تفك أزرار الحرمان وتخلع ثياب الحزن فوق رمال الإغتراب ..
تُبحر بعيدًا..بعيدًا في انثيالٍ من هديلٍ دافئ يُذيب تجاعيد ثلوجها
ويُغرِق أوراقها اليابسة بهمهمات الندى ؛فتغترف منه حدّ اللّارتواء ،
تتورق كوردةٍ يانعة يُطوِقها الشوك من كل الجهات لكنها تعيش الحلم لمنابت النُخاع ..
تدُكّ أوتاد الصمت القاني وتعزفه لحن اشتهاء.. هي هنا ممددة يختمر النغم حواسها ،
لكنه جرس الباب يرن على حين غرة ويقطع عليها خلوتها ..
قامت الزوجة متأففة ،وفتحت الباب على عُجالة فإذا به جارها !!!!!!
نعم هو ... بكل تهذيبٍ يستأذن للدخول لإجراء مكالمة هامة لأن هاتفه مُعطل
وهي بالطبع لن تمانع بل وأغلقت الباب بعد دخوله..
هي شمس الليل اشتعلت في مدار قلبها ورسمت ابتسامة عميقة برّجت محياها ..
هو الآن أمامها صوتاً وصورة..الحلم الحريري تجسد أمام عينيها بكل تفاصيله الساحرة،
تلتهمه بنظرات تهفو لِصَهر قوافل الحنين المُكدسة فوق خاصرة الليالي التي أمضتها هناك
هائمة مع طيفه فوق قمة الوهج..
انتبه الرجل لنظراتها وبادلها الشغف بشغف وحين أراد الخروج ، مدّ يده مصافحاً ؛
فتسربت إلى جسده قشعريرة تُزلزل بدنها .. شعر أن ثمة فاتنة بقربه تسكب كل فتنتها في كفه ،
وبجرأة شديدة , اقترب الرجل من وجنتها هامساً في أذنها "أنتِ أجمل امرأة رأتها عيني"
كيف تقاومه وهو يغازلها بنفس النبرة التي عبرت ممراتها السرّية واستوتْ على أبعد نقطة فيها ؟؟
ظلّ يقترب..ويقترب..ويقترب ، وهي تسقط ..وتسقط.. وتسقط ،وفي غَمرة السقوط ...
جلجل صوت الحق مؤذناً للصلاة ، انتفضت المرأة من فوق الكرسي الهزاز وأخذت تفرك جفنيها بقوة ..
تتحسس جسدها , تدعك عينيها التي تدلت هلعاً..مشطت المكان بنظراتها الغاضبة، لاأحد..لاأحد ..
تنفست الصعداء ورددت الآذان .. استغفرت الله واستعاذت به من الشيطان الرجيم ؛
فسكنت نفسها وهدأ صهيل أنفاسها .. ثبتت قدميها على الأرض جيداً ، ثم قبضت على الكرسي بغِلظة ..
نحرت عليه كل الأحلام العَفِنة..كل المشاعر المُحرمة،هشمت فوقه أدوات التنصت الخبيثة والليالي الملوثة بالخطيئة
و ألقت به من الشرفة، أغلقت باب الشُرفة المشرع على قعر جهنم وأحكمت إغلاقه ثم أرخت عليه الستائر السوداء السميكة..هرولت إلى غرفتها وارتدت أجمل ثيابها فبدت كبدر ليلة تمام ،
جلست تنتظر شريك حياتها وهي ولأول مرة قابضة على كبد الحقيقة ،
ضميرها يصرخ في أعماقها ويُسائلها.."منذ متى لم ترتدِي هذه الثياب الشفافة التي اشتراها لكِ
وتركتّها في الخزانة قوتا للعِثة؟
منذ متى لم تتخضبِي بالعطر الفرنسي الذي عتقهُ لكِ ؟
منذ متى لم تنزعِي العصابة البغيضة التي تُتوّج رأسكِ, وتُصففي شَعْركِ؟
منذ متى......؟
منذ متى.........؟
منذ متى.............؟".
/
منية الحسين
2011/8
تعليق