رسالة الأديب
بين الكاتب الصحيح و المخربش الكسيح
بين الكاتب الصحيح و المخربش الكسيح
الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، و الصلاة و السلام على النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، الذي أوتي جوامع الكلم، و أدّب بسيرته العطرة قبل كلامه الفصيح جميع الأمم، و الرضا عن صحابته الكرام ذوي الجد و الحزم و أصحاب الهمم.
ثم أما بعد، الكتابة الأدبية وظيفة إنسانية نبيلة و رسالة تُؤدَّى إلى البشرية شريفة و مسئولية كبيرة أمام الله تعالى و أمام النفس الشاعرة بأمانتها و أمام الناس أجمعين ؛ و لذا يستلزم على من يُقبل على تحمِّل هذه المسئولية الخطيرة أن يستجمع في نفسه بعض شروطها الضرورية كمعرفة عماذا يتحدث أو يكتب، و كيف يتحدث أو يكتب، ثم عليه أن يسأل نفسه ثلاثة أسئلة أساسية إن كان كاتبا رساليا و ليس مخربشا عابثا مغامرا: ماذا يضيف إلى الأدب نفسه، و ماذا يضيف إلى اللغة التي يكتب بها و ماذا يقدم إلى البشرية جمعاء بما يكتب ؟ فإن لم يستطع أن يضيف شيئا ما إلى هذه "الأقانيم" الثلاثة فلا ينقص ـ على الأقل ـ منها شيئا بشكل من الأشكال و هذا أضعف الإيمان.
و إن من أهم ما يجب التمكن منه، بعد استجماع عناصر موضوع الكتابة أو الحديث من حيث المعرفة به و البحث فيه، معرفةُ الوسيلة، أو الأداة أو الآلة، التي يعبر بها عما يريد التعبير عنه و هي اللغة، أي لغة يريد توظيفها في تعبيره ذاك، و أما من لا يستشعر في نفسه هذه الشروط الموضوعية ثم يقدم على الكتابة فهو إما عابث و إما مغامر، و يكفي العابث سوءا أنه يضيع حياته سدى فيما لا نفع فيه، و يكفي المغامر شرا ما سيلاقيه من المخاطر أقلها النقد اللاذع أو الإهمال الموجع.
هذا المدخل ضروري لما سيتبعه من حديث عن وظيفة الكتابة الأدبية بمختلف أنواعها و متنوع ميادينها و مستوياتها.
ثم أما بعد، فكما أن الكتابة الأدبية أنواع كثيرة فهي مستويات عديدة كذلك، و قد درج الناس على تصنيف الكتابة الأدبية الفنية ـ شعرا كانت أو نثرا ـ التي تعبر عن خواطر الأدباء و هواجسهم النفسية و همومهم الاجتماعية بلغة "أدبية" أنيقة عن الكتابة العلمية الموضوعية "الباردة" التي تعالج موضوعا علميا محددا واحدا أو عددا من المواضيع المشتركة في المادة المعروضة في حيز واحد، و مهما يكن من شأن هذه الكتابة "العلمية" فهي تندرج ضمن مجموعة الكتابات الأدبية بمفهومها العام و الواسع، فكاتب البحث العلمي سيكتب حتما بلغة ما و بأسلوب ما يجعل ما يكتب أدبا من نوع خاص متميز و إن كان هذا الأدب موجها إلى فئة معينة من المهتمين و يدخل هنا ـ كذلك ـ حرص الكاتب "العلمي" على انتقاء لغته من حيث مفرداتها و مصطلحاتها و من حيث التعبير كذلك حسب الجمهور المستهدف بتلك الكتابة فلا يحدث العامة بلغة الخاصة المستغلقة إلا على أهلها فلكل مقام مقال كما يقال و لكل جمهور كلام كما أقول.
و حتى الكتابة الأدبية الفنية نفسها مستويات من حيث موضوعها و من حيث لغتها ؛ فالكتاب الممتازون يختارون المواضيع الكبيرة و الخطيرة و التي تهم البشرية كلها و ينتقون لغتهم "الأدبية" المنتقاة بحرص شديد فتأتي كتاباتهم راقية شكلا و مضمونا و أما الكتاب العاديون فلا يبالون بما "يختارون" من مواضيع و لغة فيرسلون خربشاتهم في وجوه الناس يرجمونهم بها و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أو أنهم "مبدعون" قد أتوا ـ و قد صدقوا ـ بلا لم تأت به الأوائل إن كان الأوائل قد تركوا لنا شيئا لم يأتوا فيه بشيء ما جميل أو قبيح على أن الأمور في هذا وذاك ـ الجمال و القبح ـ نسبية دائما حسب الأذواق و التربية و المعايير المعتمدة في تقويمهما.
هذا و للحديث بقية إن شاء الله تعالى إن كان في العمر بقية.
البُليْدة، صبيحة يوم الأحد الفاتح من شهر جمادى الأولى 1435 الموافق 2 مارس 2014.
تعليق