معابد الأسرار
لم تعنها ساقاها المتعبتان تسلق الرابية العظيمة خلف سلسلة جبال الظلام، تجر خلفها جثة كاهن المعبد خازن الأسرار وحاميها الأمين المقتول غيلة، بعد أن وجدته خلف المعبد ينزف دمه من تجويف صدره الفارغ من القلب.
تهاوت منهكة على الأحراش النارية، تنغرس بجسمها شظايا سنابل عجفت من سنين قحط أصابت زرع الممالك والمدن بكل أصقاع العوالم حولها، وترامت سهام المسافة بعدا عن مأربها، وماعادت ثيابها المتآكلة تستر جلدها المخملي، لتتخطى عتبة رحلة لابد وأن تنتهي عبر مسيرة محفوفة بالأخطار، فخلعت عند المغيب عن الكاهن عباءته ولفتها حول جسدها المدمى، وأنشأت تنتحب معتذرة من الآلهة أن تغفر لها فعلتها، وتمسح وجه الكاهن بوهن يدها المرتجفة بردا، تتقي بها مخالب النسور المرتقبة على الثغور أن تهوى صريعة، لتغدو وليمة تطفئ بها جمرة أكبادها.
غفوة التعب امتدت عميقا داخل عينيها الوسنتين، تصارعها لحظات تستسلم لعنانها، وتؤرقها تمتمة زهرة اللوتس في دمها بأدعية كاهنة المعبد ونذورها، أن
- انهضي أيتها المأمورة بأمر كهنة المعبد وأتمي المهمة المخطوطة بنقش الحناء على لوح يدك، فقدرك أن تحملي وريث الحلم الأزلي، لتحكم امبراطورية العدل، ولتكن المشيئة الآلهية نحو شاروكين العظيمة وبواباتها السبع الحصينة.
ركعت أمام محفة ملك الملوك المحمولة لما وصلت امبراطوريته، كأنها تصلي للرب.
أحنت رأسها عميقا، فانسدلت ضفيرتها الصهباء على متن خاصرتها، وشعت خصلتها الفضية المتوسدة غرتها بريقا وامضا أغشى عيون الحاشية، وخطف أنظار عيني الملك العميقة المتحدرة من إصوله العربية، فخشع أمامها ورمى رأسا مدمية من يده كما ترمى الدمية، لتطير في الهواء محلقة تنثر الدم الأسود، ثم تحط فوق جسد خادم كاهن المعبد خازن الأسرار الممسكة يده بقلب مازال ينبض، وعينا المأمورة تحملق مندهشة بالجثة والرأس المقطوعة فعرفتها رأس من فتح صدر خازن الأسرار ليبوح بأسرار معبدها للغرباء، فتفتح البوابات الأربع لأسوار المدينة للغازين، ويهطل السبي المقيت على الأميرات العذراوات كانهمار الزوابع العاتيات، ويبعن في أسواق النخاسة والرقيق كعبدات، ليطمر التاريخ الأسطوري المنقوش على الخزائف والصلصال.
رفعت القلب النابض أعلى ماتستطيع، فبان الرقن المبصوم على معصمها، وشرعت تتمتم الأدعية المنقوشة على الشغاف، فاجتاح الكهنة والحاشية الخشوع، ومد الملك يده الممهورة بالطهر نحوها، مناجيا:
- كنت بانتظارك ملكة السماء وسيدة العالم، بعد انزياح مكدود لعيون الليل البهيم، عند انفطار وجه النهار العظيم، كنت بانتظار فجرك.
تعليق