الدعاء في الخمّارة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اياد الخطيب
    أديب وكاتب
    • 27-02-2014
    • 52

    الدعاء في الخمّارة

    دخل رجل إلى حانة في قلب المدينة القديمة وكان الوقت يوغل في الليل والإنارة الشاحبة يزيد في غموضها دخان السجائر ويرسم على فضاء الحانة فيوضاً من الدوائر , القليل من المتراخين على مقاعدهم لاحظ حضور هذا الزائر أمّا النادل فراح يستحضر أرشيفه من الذاكرة لدراسة وتصنيف هذا الوجه الجديد النافر الملامح , جلس الرجل على البار ومن غير إضاعة للوقت أشار للنادل أن يأتيه بالشّراب , مرّت ساعة وأكثر والرجل ملقياً رأسه فوق الكأس يعصر وجهه بيديه , قال أحدهم لا بدّ أنّ الرجل يحاول أن يخرج لنا شعراً عن العشق في الخمرة أجابه أحدهم وهو يضحك لابد أنّ الرجل يخشى أن يعوم في سكرة الخمرة أو لعلّه تذكّر أنّه لا يتعاطاها بالمرّة ,
    رجلٌ يرفع كأساً في الزاوية قال دعوا هذا البليد يأخذ وقته فالقرار المتعلق برفع الكأس إلى الشفّة قد تمّ اتخاذه ,
    تطايرت الضحكات في فضاء الحانة الخافتة الإنارة ثمّ ساد صمت وبدأ التوجس ينبعث في الأرجاء .
    عندما رفع الرجل رأسه رأى الجميع خيوطاً من الدموع ,
    لم ينطق أحدٌ من الجموع بل كانوا ينتظرون الآتي بخشوع , الرجل استدار بكامل جسده إلى الحضور ومن غير أن ينظر إلى الوجوه
    سأل إن كان أحدهم يعرف أن يجيب على سؤال جوابه من المحال
    ومن غير أن يفسح لهم في المجال قال ما شرط أن يستجيب الربّ للدعاء , ارتاح المخمورون لما تمخّض عنه هذا الغموض وبسهولة جاءه الرد أنّ شرط أن يستجيب الربّ هو أن تكون تقيّاً وعابداً , رجلٌ يسترخي على الكرسي ويعالج الثمالة في كأسه قال هذا قولٌ باطل أو على الأقلّ ليس كامل
    فالله يستجيب للمضطر بأسرع من لمح البصر ,
    وآخر ينفي بهزّ رأسه إلى اليمين متقمصاً ملامح العارفين ويقول أعتقد أنّ العبد يجب أن يكون ملماً بأساليب الدعا مثلما يجري في المنابر على لسان الخطباء ,
    الرجل العجوز الذي لم يكرع الكثير من الخمر لأنّ عدد المحسنين كان قليلاً في آخر الشهر قال إنّ الربّ يستجيب لمن يلحّ في السؤال عن حاجته ولا يمنعه الحياء من متابعة الدعاء ثمّ أشار مرّةً أخرى لرفيقه المحتقن من وجهه الى قدميه أن يقدّم له المزيد من الخمرة وهذا الأخير وقف يُشهد الناس أنّ الله يمقت كلّ محتال ويمحق من لا يتأدّب في السؤال .
    إنّ الله يستجيب لمن هو بحاجةٍ للسؤال قالها رجل يبدو معتزّاً بنفسه
    وسرعان ما نهره الرّجل الذي انتهى من الثمالة موضحاً للقاصي والدّاني أنّ هذا الفصيح من البيضة يصيح
    وقد كرر عبارتي عن المضطرّين بشكلٍ صريح ,
    المعتزّ بنفسه لوّح بقبضته يريد أن يبطش به ويزعق في طبلة أذن الرجل أنّ المضطر هو غير المحتاج من كلّ بدّ ,
    النادل أشار إلى أحدهم بطريقة ساخرة وقال لا يأس عند رجل النحس وهو سيعطيكم رداً ليس فيه لبَس ,
    المنحوس فهم أنّه المقصود وأجاب بأنّ الرب لن يستجيب لأيّ طلب زيادةً عمّا وهب ,
    ضحك الجميع من العجب فليس أحدٌ أجدر منه بالطّلب .
    ثمة تعليقات راجت في القاعة التي تعبق بمزيج رائحة الأنفاس المخمورة والسجائر الرخيصة
    منها أنّ الربّ يستجيب لمن كان قلبه عامراً بالخير والحبّ
    أو أنّ الرّب يستجيب دعاء من كان يصل الرحم ويعطي الفقراء
    ومنها أنّ الرّبّ يستجيب لمن كان قلبه خاوياً كالهواء ويلهث وراء الإغواء
    أو لو أنّ الله يستجيب لكل دعاء لفسدت الأرض والسماء ,
    الرجل المحتقن لفتت انتباهه هذه العبارة وقال في نفسه لو استجاب لي ربّي الدعاء في هذه الأثناء لسالت دماء العجوز في هذا المساء , كلّ هذه الآراء لم تحظ بالإجماع ,
    لكنّ العجوز نفث كلمات فاحت في فضاء الغرفة كالسمّ يسري في الدماء
    بأنّ السماء لا تستجيب للدعاء لأنّها خالية من العقلاء
    وعندما بدأ يتعرّض للتحقير صاح يا جماعة الخير نحن لا نصلّي في جامع ابن الزبير فمن أين هبطت عليكم وخزة الضمير ,
    ضحك من كان يجلس في الزاوية وقال مادحاً يا لك من داهية
    وأضاف إنّ الله يستجيب للمحظوظين قبل أن يتوجهوا إليه راغبين ثمّ كرع ما تبقّى في الطّاسة إلى جوفه الملتهب ,
    قال الرجل الذي مازال يهزّ رأسه إلى اليمين ماذا لو قلنا أنّ السماء لا تستجيب للدعاء لأنّ الأرض هي التي أصبحت خالية من العقلاء ,
    احتدّ المعتزّ بنفسه وقال له طالما أنا على قيد الحياة فإنّ قولك هذا يضيع هباء ويتلاشى في الهواء ,
    وقف الرجلٌ الذي انتهى من الثمالة وقال وهو يقترب على مهل يا أبناء إنّ الله يعطي فقط من كان يستحقّ العطاء
    اعترض أحدهم فوراً على هذا الهراء
    وقال لو كنتُ ربّاً لمنعت عن العجوز الماء والهواء ولما رزقته نصف دينار
    أجابه العجوز محتداً الحمد لله أنّك واحدٌ منّا نحن الأشرار ومع ذلك فإنّ الله لم يرزقني مثل هذا المقدار ,
    ومن بين أصوات الضحكات علا صوتٌ يتعهّد للعجوز بجرعة هواء ونصف كأس ماء
    وسرعان ما انقضّ العجوز عليه وهو يهذي هل أنت أكرم من السماء والتصق بقفاه يؤدّي حركاتٍ خرقاء وساد هرجٌ ومرج ثمّ جاء من يهزّ رأسه إلى اليمين وقال أرجوا الهدوء فنحن أيها السادة لا يجوز أن نُشغل أنفسنا مع هذا الرجل الساخط
    فلو كان فيه القليل من المنطق لما طرح هذا السؤال الآبق في هذا المكان السّاقط ,
    بدا وكأنّ الصواب قد عاد إلى الجميع ثمّ نظروا جهة من كان يبكي على البار ليجدوا الكأس وحده يطوف خليط الخمر والدموع إلى حدّه وقصاصة ورق وقطعة نقود الى جانبه ,
    هرع العجوز إلى الكأس يهيمن عليه وصاح المحتقن وجهه إنّ الربّ في هذا الوقت قد استجاب لي بعض الدعاء ورفع عنّي هذا البلاء , التقط النادل قطعة النقود وقال للعجوز الذي انغمس يكرع من الكأس المهجورة لو أنّك قرأت لنا ما كُتب على القصاصة :
    ( لقد وصلت الى نهاية طريقٍ مشبوه , ماذا لو أنّك وقفت في حضرة الخالق وأشعلت في قلبك الشموع , أيّها المخدوع أنت ترتشف ما يحرق جوف الضلوع لأنّك تحتسي السموم من مرارة الدموع , يا من كُنت للربّ لا تستجيب كان عليك أن تدعو والربّ ينظر فيما يُجيب ) .
    مال رأس العجوز يستند على سطح البار وقصاصة الورق التي لا تحتاج الى توقيع تحترق بين أصابعه .
  • عبد السلام هلالي
    أديب وقاص
    • 09-11-2012
    • 426

    #2
    نص سامي الرسالة، نبيل الغرض،
    أجده اهتم بالرسالة أكثر من الاشتغال الأدبي.
    المدخل كان قويا من حيث جمالية الوصف، و دقة تصوير المكان و الشخوص بلغة رشيقة أعجبتني جدا.
    بعد ذلك انتقل السارد إلى نقل أقوال هي أقرب إلى الآراء أو الحكم أثقل عليها السجع قليلا. لتأتي القفلة واعظة بطريقة مباشرة لا تحقق الإدهاش و لا تفاجئ القارئ.
    أحييك على نبلك و أرجو أن أقرأ لك المزيد في قادم الأيام
    تقديري و المودة.
    كلمتك تعمر بعدك دهرا، فاحرص أن تكون صدقتك الجارية

    تعليق

    • أحمدخيرى
      الكوستر
      • 24-05-2012
      • 794

      #3
      نص جميل ومتناسق " حيث لا قفزات ولا تباطؤ "
      وأسلوب سردى جميل جدا ، ويشي بقلم متميز ..
      وإن كنت أعتب عليك تجاهل علامات الترقيم فى بعض الجمل ..
      أشكرك أستاذ " إياد على متعة القراءة

      تحياتي
      https://www.facebook.com/TheCoster

      تعليق

      • بسباس عبدالرزاق
        أديب وكاتب
        • 01-09-2012
        • 2008

        #4
        نص رائع رائع رائع
        و القفلة مدهشة لأبعد حد

        سيكون هناك بلا شك في حضرة الذهب ليقارع لقوة

        لم استطع غيجاد رد يفي حق هذا الجمال
        سوى اتحفتنا بحق


        محبتي و تقديري استاذ اياد الخطيب
        السؤال مصباح عنيد
        لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

        تعليق

        • اياد الخطيب
          أديب وكاتب
          • 27-02-2014
          • 52

          #5
          اشكر الاستاذ المتميز عبد السلام الهلالي على مروره الكريم ولفتته الزكية فهذا النص رسالة وأنا أهتمّ بكتابة رسائل لا تحمل عناوين خاصّة متخمة بالهموم والهواجس وتتطلع الى مستقبل أفضل وقد أنجزت كتاباً اسمه رسائل من جوف المحرقة يرصد أجواء الرعب الذي عشناه في مدينة حلب خلال السنوات الثلاثة الماضية ومرّة أخرى أشكرك على دقّة ملاحظاتك أخوك اياد الخطيب

          تعليق

          • اياد الخطيب
            أديب وكاتب
            • 27-02-2014
            • 52

            #6
            الاستاذ أحمد خيري أشكرك من قلبي فهذا الاطراء الذي غمرتني به يعني لي الكثير لك مودتي واحترامي أخوك اياد الخطيب

            تعليق

            • اياد الخطيب
              أديب وكاتب
              • 27-02-2014
              • 52

              #7
              في يدك منجم الذهب يا صديقي بسباس عبد الرزاق واعجابك بهذا النصّ هو قيمة اتمسّك بها شكراً لك

              تعليق

              • أم عفاف
                غرس الله
                • 08-07-2012
                • 447

                #8
                صباح الخيرات
                قرأـ بمتعةكبيرة
                أظنّ أنّ السّجع مقصود لإضفاء جانب الطّرافة
                نصّ فيه تلميحات كبيرة
                أعجبتني اللّغة كثيرا خاصّة في المطلع
                تقديري

                تعليق

                • عائده محمد نادر
                  عضو الملتقى
                  • 18-10-2008
                  • 12843

                  #9
                  الزميل القدير
                  أياد الخطيب
                  ماشاء الله
                  أنا اليوم في حضرة مجموعة أقلام واعدة تستحق أن يقرأ لها
                  ملكات واضحة وفكر يطرح أسئلة ربما لم تكن لدينا الجرأة على طرحها
                  نص رائع وفيه اسئلة مرعبة
                  والجواب أيضا
                  سارشحه للذهبية فورا
                  والنجوم مكاني لعلها تخبرك عني
                  محبتي وهلا وغلا وسعيدة ايضا
                  الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                  تعليق

                  • اياد الخطيب
                    أديب وكاتب
                    • 27-02-2014
                    • 52

                    #10
                    أظنّ أنني من الناجين لأنّ من تتحلّى بنزعة الهجوم عبرت على نصّي من غير خسائر تُذكر , وأرغب أن أذكّر أنّ السجع ليس كلّه متكلفاً
                    فهناك السجع المرصّع لكِ تقديري واحترامي

                    تعليق

                    • اياد الخطيب
                      أديب وكاتب
                      • 27-02-2014
                      • 52

                      #11
                      ليس القلم من يسكب شجوني على صفحتي ولكنّ دمي هو الذي ينزف من يدي وفور قرائتي لنقدكِ عرفت أنّني في حضرة من يفهمني , لكِ شكري وامتناني

                      تعليق

                      • وسام دبليز
                        همس الياسمين
                        • 03-07-2010
                        • 687

                        #12
                        نص جميل واسئلة جوهرية تحمل الكثر من جانت ووصف دقيق التفاصيل جعلنا ضمن الحدث والمكان
                        مودتي لك

                        تعليق

                        • اياد الخطيب
                          أديب وكاتب
                          • 27-02-2014
                          • 52

                          #13
                          أشكر الأخت وسام على هذه الإطلالة الكريمة فالمتعة والفائدة هي ما نبغي وشكراً لك
                          التعديل الأخير تم بواسطة اياد الخطيب; الساعة 19-03-2014, 13:02.

                          تعليق

                          • فاطيمة أحمد
                            أديبة وكاتبة
                            • 28-02-2013
                            • 2281

                            #14
                            شكرا لهذا النص المتأمل في العباد وأحوالهم وتفكيرهم بلغة رزينة سلسة
                            جميلة فكرة النص أستاذ أياد الخطيب، وفقنا الله لسبل الرشاد
                            تحياتي وتقديري


                            تعليق

                            • اياد الخطيب
                              أديب وكاتب
                              • 27-02-2014
                              • 52

                              #15
                              أشكر الأخت فاطيمة على اهتمامها بهذا النصّ وأتطلّع دائماً الى رأيها السدسد , بوركت

                              تعليق

                              يعمل...
                              X