ملل وخيبات أمل مثل مكامن رمالٍ متحرّكة تندسّ في أيام حياته المقفرة ,
يتفادى الصراع مع مصاعب الحياة , ويتجنّب المواجهة لينجو من الهزيمة المحتمة ,
وهرباً من اخفاقٍ جديد كان يؤجّل ما يُمكن أن ينجزه من أعمال ,
عروسه ملّت انتظار يوم الزفاف فبادرت الى التخلّي عنه ليبقى في وحدته يمضغ الشِعر في زاوية الغرفة ,
حيث نشأ تحالف عضوي على سطح مكتبه بين الشعر والزمن والغبار وعقب فنجان القهوة ورماد السجائر .
الوقت قبل المغيب ودرج البناء ما زال في قمّته مُضاء
وهناك في الأسفل عند باب المدخل كان شبح امرأة يلوح له من بين خيوط العتمة ,
لم يتحرك الخيال أثناء الاقتراب بل بدأ يكتسب على تدرّج كافّة ملامح أمّه التي شارك في دفنها منذ بضعة سنوات ,
لكنّ الذي غاب عن نظراتها في هذه المرّة هو الحنين والاشتياق ,
العيون التي تغمره في هذه اللحظة لا تشف عن شاطئ بحر الحنان , من رماله نشأ أوّل العالم وفي عمقه تتلاشى الحياة ,
ولطالما أبحر في هدأة موجه يغتسل من الأحزان ويتشرّب الأمان ,
على رصيف عينيّ أمّه أمضى طفولته وحين خشُن صوته لم يبرح تلك الرمال ,
وحين غاب ذاك الشاطئ في عمق القبر انجرفت رمال الشطآن وبانت حوافّ الصخور فانقلب يعدو في مسالك الحياة ,
وكشف للأغراب عن خشونة صوته فارتدّت عليه نقمة الأحياء وجحود الأموات ,
هي ذات نظرة أمّه المغموسة في الذاكرة , لكنّها موجعة وتلسع كالجمرة ,
وتمنع اختراق الحدود الفاصلة , والرغبة في العناق باتت خيبةً أخرى ,
وقف عبد الرحيم على بعد خطوات , وأغمض عينيه لبرهةٍ لعلّ العقل يلفظ هذيان الذاكرة ويعيد انتظام تسلسل الأحداث ,
ثمّ أعاد النظر ليرى ذات الخيال يجثم على درب رغبته وينظر إليه بإصرار ,
بهتت لهفته فوق الرمال الباردة في رصيف عينيها , وتبخّرت حرارة اللقاء في فضاء ذاك الشاطئ المقفر ,
فعاد خطوات الى الوراء وجلس على أولى الدرجات ولم ينقطع النظر ما بين الجسد الذي تغلي فيه الدماء والخيال الشاحب المهيمن على مدخل البناء ,
في هذا الوقت نزل من ورائه ظلٌ ليس له وقع خطوات , مضى يعبر من خلاله الى المدخل وعيناه تبرقان بالوميض ,
في مروره هبّت رياح الماضي النتنة وعشّشت الكراهية على جدران الممرّ المعتم وبدأت تتغيّر الأحداث ,
شبح أمّه اختفى وأخلى المكان وعبد الرحيم اقتحم الباب الذي غادرته الظلال وانفلت في الشارع يعدو الى مكان الأمسية الشعريّة .
المدينة لم تعد تسهر على الأرصفة ولوحات الإعلان المُضاءة باتت يتيمة في وقفتها الحزينة ,
المحلّات مقفلة ومواقف الحافلات موحشة والعبوات الناسفة لا تعلن عن نفسها ,
وحين تنفث نارها تمدّ بألسنة اللهب لتسخر من رجال الأمن وهم ينصبون الكمين على ضفّة الشارع الأخرى ,
ومع المغيب كان وقع حذاء عبد الرحيم يقطع صمت الشارع المحاذي لكليّة الهندسة وجمرة سيجارته تشعّ في باكورة العتمة ,
وعند سور ساحة الكليّة المشغول بقضبان الحديد سمع نداءً خفيّا ووقف يتلفّت حوله ,
الصوت أقرب الى الصفير وينسجم مع خيوط الرعب التي حاكها الموت على أحجار المدينة الهاجعة ,
الصوت يعود بنبرةٍ أخرى يشبه استغاثة القطط الجائعة ,
وصدى الرعب يجول في العتمة حول الأبنية وينسحب على جلده قشعريرة عابرة ,
ومن بعيد لاح له بعض الوافدين يدخلون بوابة صالة الأمسية ,
والى جانبه لمح رجلاً يجلس في عتمة الساحة وخلف سور الحديد مباشرة ,
الرجل الذي له حنجرة قطّة كان يرجوه أن ينحني ويشعل له لفافة من التبغ ,
لكنّ شبح أمّه ظهر من العدم ووقفت بينهما تنظر إليه بإنكار ,
وترجوه بهزّ رأسها أن يمضي وراء رغبته ويعدل عن تلبية هذا النداء ,
وهذه المرّة استطاع شبح الأمّ أن يتزنّر ببعض المشاعر ,
وكاد أن ينطق بملامح الرعب الكامن في اللحظة التي انفصمت عن سياق الزمن الراكد ,
لم يفهم عبد الرحيم لهفة هذا الشبح في قلّة الإحسان فأمّه الحقيقية كانت مثالاً للعطاء ,
وارتأى أن يعبر من خلالها ويلبّي للغريب هذه الخدمة ,
وعندما أشعل عود الثقاب للرجل الذي بدأت عيناه تومضان ,
ظنّ رجال الأمن المتوارين في كمينهم أنّ فتيل العبوة قد اشتعلت وأنّ عملية التفجير تتمّ في حضورهم ,
إنّما لن تسخر منهم هذه المرّة ,
لم يسمع عبد الرحيم أصوات البنادق وهي تلعلع وزعيق رجال الكمين ,
واكتفى برؤية وهج النيران وسماع صفير الرصاص يعبر من حوله ومن خلاله ,
وفي أوّل تقييمٍ للأضرار لاحظ جسداً ممدداً في متناول يديه ساكناً ولا يبدي أيّ حراك , ووقع خطوات تقترب منه ,
وسرعان ما لملم خيوط الفوضى في ذاته وقرر الهروب من غير تأجيل ,
وراح يعدوا الى الصالة ليضيع في الظلمة بين الجموع .
الشاعر تلوح من ملامحه ابتسامة واهية وحزينة وهو يُكمل
الإلقاء :
ونرسل رجاءنا . . لمن لا ينظر إلينا
نسأله . . من أيّ طريقٍ سيأتينا اليقينَ
من أيّ طريق
وبيادر الشوق تلفّنا
خلفنا وأمامنا
وتبقى في انتظارنا . .
هنا كان عبد الرحيم هو من يقوم بالإلقاء والشاعر على المنصّة يهيم في ميادين أخرى ,
فرفع صوته وأحدث جلبة وكأنّه يبوح بأسرار الأشباح المرافقة ,
لكنّ شيئاً لم يتغير في القاعة ولم يلتفت إليه أحدٌ من الحضور وكأنّه لا ينتمي لهذا الجمهور المنظور ,
والمحاضر تابع من غير توقّف :
ولولا أنّه تمّ حسم أمرنا
لكنّا ارتشفنا من الرحيق
حتّى ارتوينا
فاعذرنا ولا تعتب علينا
فنحن من كثرة ما رأينا
من عروض الحلم العتيق
قد اهتدينا . . إلى أننا . .
لا خيار لدينا
في هذه اللحظة جاء شبح الأمّ , وهذه المرّة كان في عينيها زرقة شاطئ الحنين وبهجة رصيف الاشتياق ,
ومسحت رأسه بكلتا يديها ثم غادرا صالة الأمسية ,
ومضيا يتوغّلان في العتمة .
يتفادى الصراع مع مصاعب الحياة , ويتجنّب المواجهة لينجو من الهزيمة المحتمة ,
وهرباً من اخفاقٍ جديد كان يؤجّل ما يُمكن أن ينجزه من أعمال ,
عروسه ملّت انتظار يوم الزفاف فبادرت الى التخلّي عنه ليبقى في وحدته يمضغ الشِعر في زاوية الغرفة ,
حيث نشأ تحالف عضوي على سطح مكتبه بين الشعر والزمن والغبار وعقب فنجان القهوة ورماد السجائر .
الوقت قبل المغيب ودرج البناء ما زال في قمّته مُضاء
وهناك في الأسفل عند باب المدخل كان شبح امرأة يلوح له من بين خيوط العتمة ,
لم يتحرك الخيال أثناء الاقتراب بل بدأ يكتسب على تدرّج كافّة ملامح أمّه التي شارك في دفنها منذ بضعة سنوات ,
لكنّ الذي غاب عن نظراتها في هذه المرّة هو الحنين والاشتياق ,
العيون التي تغمره في هذه اللحظة لا تشف عن شاطئ بحر الحنان , من رماله نشأ أوّل العالم وفي عمقه تتلاشى الحياة ,
ولطالما أبحر في هدأة موجه يغتسل من الأحزان ويتشرّب الأمان ,
على رصيف عينيّ أمّه أمضى طفولته وحين خشُن صوته لم يبرح تلك الرمال ,
وحين غاب ذاك الشاطئ في عمق القبر انجرفت رمال الشطآن وبانت حوافّ الصخور فانقلب يعدو في مسالك الحياة ,
وكشف للأغراب عن خشونة صوته فارتدّت عليه نقمة الأحياء وجحود الأموات ,
هي ذات نظرة أمّه المغموسة في الذاكرة , لكنّها موجعة وتلسع كالجمرة ,
وتمنع اختراق الحدود الفاصلة , والرغبة في العناق باتت خيبةً أخرى ,
وقف عبد الرحيم على بعد خطوات , وأغمض عينيه لبرهةٍ لعلّ العقل يلفظ هذيان الذاكرة ويعيد انتظام تسلسل الأحداث ,
ثمّ أعاد النظر ليرى ذات الخيال يجثم على درب رغبته وينظر إليه بإصرار ,
بهتت لهفته فوق الرمال الباردة في رصيف عينيها , وتبخّرت حرارة اللقاء في فضاء ذاك الشاطئ المقفر ,
فعاد خطوات الى الوراء وجلس على أولى الدرجات ولم ينقطع النظر ما بين الجسد الذي تغلي فيه الدماء والخيال الشاحب المهيمن على مدخل البناء ,
في هذا الوقت نزل من ورائه ظلٌ ليس له وقع خطوات , مضى يعبر من خلاله الى المدخل وعيناه تبرقان بالوميض ,
في مروره هبّت رياح الماضي النتنة وعشّشت الكراهية على جدران الممرّ المعتم وبدأت تتغيّر الأحداث ,
شبح أمّه اختفى وأخلى المكان وعبد الرحيم اقتحم الباب الذي غادرته الظلال وانفلت في الشارع يعدو الى مكان الأمسية الشعريّة .
المدينة لم تعد تسهر على الأرصفة ولوحات الإعلان المُضاءة باتت يتيمة في وقفتها الحزينة ,
المحلّات مقفلة ومواقف الحافلات موحشة والعبوات الناسفة لا تعلن عن نفسها ,
وحين تنفث نارها تمدّ بألسنة اللهب لتسخر من رجال الأمن وهم ينصبون الكمين على ضفّة الشارع الأخرى ,
ومع المغيب كان وقع حذاء عبد الرحيم يقطع صمت الشارع المحاذي لكليّة الهندسة وجمرة سيجارته تشعّ في باكورة العتمة ,
وعند سور ساحة الكليّة المشغول بقضبان الحديد سمع نداءً خفيّا ووقف يتلفّت حوله ,
الصوت أقرب الى الصفير وينسجم مع خيوط الرعب التي حاكها الموت على أحجار المدينة الهاجعة ,
الصوت يعود بنبرةٍ أخرى يشبه استغاثة القطط الجائعة ,
وصدى الرعب يجول في العتمة حول الأبنية وينسحب على جلده قشعريرة عابرة ,
ومن بعيد لاح له بعض الوافدين يدخلون بوابة صالة الأمسية ,
والى جانبه لمح رجلاً يجلس في عتمة الساحة وخلف سور الحديد مباشرة ,
الرجل الذي له حنجرة قطّة كان يرجوه أن ينحني ويشعل له لفافة من التبغ ,
لكنّ شبح أمّه ظهر من العدم ووقفت بينهما تنظر إليه بإنكار ,
وترجوه بهزّ رأسها أن يمضي وراء رغبته ويعدل عن تلبية هذا النداء ,
وهذه المرّة استطاع شبح الأمّ أن يتزنّر ببعض المشاعر ,
وكاد أن ينطق بملامح الرعب الكامن في اللحظة التي انفصمت عن سياق الزمن الراكد ,
لم يفهم عبد الرحيم لهفة هذا الشبح في قلّة الإحسان فأمّه الحقيقية كانت مثالاً للعطاء ,
وارتأى أن يعبر من خلالها ويلبّي للغريب هذه الخدمة ,
وعندما أشعل عود الثقاب للرجل الذي بدأت عيناه تومضان ,
ظنّ رجال الأمن المتوارين في كمينهم أنّ فتيل العبوة قد اشتعلت وأنّ عملية التفجير تتمّ في حضورهم ,
إنّما لن تسخر منهم هذه المرّة ,
لم يسمع عبد الرحيم أصوات البنادق وهي تلعلع وزعيق رجال الكمين ,
واكتفى برؤية وهج النيران وسماع صفير الرصاص يعبر من حوله ومن خلاله ,
وفي أوّل تقييمٍ للأضرار لاحظ جسداً ممدداً في متناول يديه ساكناً ولا يبدي أيّ حراك , ووقع خطوات تقترب منه ,
وسرعان ما لملم خيوط الفوضى في ذاته وقرر الهروب من غير تأجيل ,
وراح يعدوا الى الصالة ليضيع في الظلمة بين الجموع .
الشاعر تلوح من ملامحه ابتسامة واهية وحزينة وهو يُكمل
الإلقاء :
ونرسل رجاءنا . . لمن لا ينظر إلينا
نسأله . . من أيّ طريقٍ سيأتينا اليقينَ
من أيّ طريق
وبيادر الشوق تلفّنا
خلفنا وأمامنا
وتبقى في انتظارنا . .
هنا كان عبد الرحيم هو من يقوم بالإلقاء والشاعر على المنصّة يهيم في ميادين أخرى ,
فرفع صوته وأحدث جلبة وكأنّه يبوح بأسرار الأشباح المرافقة ,
لكنّ شيئاً لم يتغير في القاعة ولم يلتفت إليه أحدٌ من الحضور وكأنّه لا ينتمي لهذا الجمهور المنظور ,
والمحاضر تابع من غير توقّف :
ولولا أنّه تمّ حسم أمرنا
لكنّا ارتشفنا من الرحيق
حتّى ارتوينا
فاعذرنا ولا تعتب علينا
فنحن من كثرة ما رأينا
من عروض الحلم العتيق
قد اهتدينا . . إلى أننا . .
لا خيار لدينا
في هذه اللحظة جاء شبح الأمّ , وهذه المرّة كان في عينيها زرقة شاطئ الحنين وبهجة رصيف الاشتياق ,
ومسحت رأسه بكلتا يديها ثم غادرا صالة الأمسية ,
ومضيا يتوغّلان في العتمة .
تعليق