الذين غادرونا قد غبنونا
نعم، أقولها هكذا بصراحة أصالة عن نفسي و نيابة عن زملائي الذين يحسون بما أحس به من غبن، إن أذنوا لي بالتحدث باسمهم، جراء افتقادنا هنا لكثير من أساتيذنا الكبار و الكرام رجالا و نساءً و الذين كانوا يمنحوننا من فكرهم الثري و علمهم الواسع في مجالات كثيرة و كنا كالتلاميذ النجباء، أو هكذا خيل إليَّ، نغترف من هذا و ذاك شاكرين لأفضالهم معترفين بأقدارهم و إعطاءاتهم لنا، لكن، و ما أمر هذه الـلَّكن في نفسي، لم نعد نقرأ لهم موضوعا أو تعليقا أو تعقيبا أو تصحيحا لأخطائنا الكثيرة، فقد غادرونا بلا توديع و أهملونا بلا ذنب سوى أننا، ربما، لم نكن التلاميذ الأذكياء الذين كانوا يأملون أو ربما لم نحسن شكرهم فذهبوا مغاضبين فالتقمتهم حيتان "النِّتِّ" النهمة أو اغتالتهم غيلان الحياة الكثيرة فتركوا أماكنهم شاغرة بعدما كانوا يملئونها حياة و عطاءً بسخاء.
ترى، ماذا حدث ؟ حاولت تفسير ظاهرة هجرة الأدمغة التي رُزِئنا بها فغادرنا أولئك الفضلاء فلم أفلح ؛ هل أسأنا التصرف معهم ؟ هل أننا لم نقدِّرهم حق قدرهم و هذه النفس البشرية تحب الثناء الجميل حتى و إن كان كاذبا أو مبالغا فيه ؟ و هل ينتظر الكريم الأصيل شكرَ الناس له حتى يتكرم ؟ و متى كان الحليم النبيل يضيق ذرعا بالجُهّال الذين يُسيئون إليه ؟ فهل تغيّرت معاني الكرم و الحلم فصارا لا يُمنحان إلا بثمن و لا يُؤدّيان إلا بمقابل ؟ لقد حاولت، بيني و بين نفسي، إيجاد المبررات الكثيرة و ألتمس لهم الأعذار ما وسعني التفكير لكنني و مهما حاولت و اجتهدت فلن أعرف الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هجرة الأدمغة من "الملتقى" إن لم يخبرونا هم بأنفسهم.
إننا نشعر بفراغ موحش في الأقسام المختلفة و قد كان ينشِّطها أساتيذ مقتدرون علماء أكْفَاء كرماء أجواد لا يبخلون بمعرفة و لا يضنون بنصيحة و قد أفدت أنا شخصيا منهم كثيرا و صححت أخطاءً لي لم أكن لأصححها أو أنتبه إليها لولا تنبيه أولئك الفضلاء لي فشكرت لهم صنيعهم صراحة و في السر و لو يُمكِّنني القدرُ فألتقي بهم في الواقع لقبّلت رءُوسهم اعترافا بجميلهم عليَّ و أنَّى لي أن ألتقي بهم و قد اختلفت الديار و تناءت الأقطار و باعدت بيننا الأقدار؟ لكن قد جمعنا هذا الفضاء الرحب، فضاء "الملتقى"، فالتقينا هنا و لم نكن نعرف بعضنا أو نسمع ببعضنا فالتقينا و تعارفنا و شدتنا الوشائج المختلفة فصرنا أسرة أو قرية متعارفة متآلفة متحابة حتى و إن اختلف بعض أعضائها مع بعض و أظن أن ما يربطنا أكبر بكثير مما يشتتنا لو تجاوزنا عواطفنا الجامحة و ذاتيتنا الطاغية.
"الملتقى" جامعة افتراضية كبيرة لها قيمتها في هذا الفضاء السيبيري اللامحدود ماديا و لذا فدور الأساتيذ فيه كبير و خطير و ضروري حتى يستفيد منهم الناس و يكونَ عطاؤهم زكاة علمهم و دليل كرمهم و برهان حلمهم فإن ضنوا بعلمهم و كرمهم و حلمهم فقد غبنوا التلاميذ المعوزين للمعرفة و هم كثر، فالذين غادرونا قد غبنونا فعلا بهجرانهم "الملتقى" و تضييعهم لنا و نحن في أمس الحاجة إليهم، سامحهم الله.
الجزائر العاصمة، يوم الأربعاء 13 صفر 1434 الموافق 2012/12/26.
ـــــــــملحوظة مهمة: كنت نشرت هذه المقالة في "ملتقى المفكرين و السياسيين العرب" هنا في هذا الرابط، و أعيدها هنا لحاجة الناس إليها، و الله أعلم.
تعليق