مقابر خمس جماجم

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فوزي سليم بيترو
    مستشار أدبي
    • 03-06-2009
    • 10949

    مقابر خمس جماجم

    مقابر خمس جماجم

    لم أشعر بالوحدة رغم موتي . نعم دفنوني ، تركوني وحيدا وانصرفوا .
    لكن والحق يُقال ، شعرت بسعادة غامرة لحظة فارقتهم وفارقوني .
    عندما يأتِ المساء يجتمع الموتى في قبر أحدهم يتسامرون ويتندّرون على
    ذكريات حياتهم المنصرمة .
    كان صاحب القبر والذي عليه الدور في استضافتهم يذهب للسوق المجاور
    يتبضّع ويعود بما لذَّ وطاب من مأكولات وشرب وتوابعهما ، وتمتد السهرة
    حتى دفوق أول شعاع للشمس ، فيذهب كل واحد منهم إلى قبره ينام فيه .
    تتكرر السهرات في الصيف كما في الشتاء . لا يحتاجون لصوبات ولا لمكيفات هواء .
    ولا يحتاجون أيضا لأقراص النوم فالأرق لا يطرق أبوابهم ولا جفونهم .

    ذات سهرة طارئة واحتفالا بمناسبة انضمامي إليهم ، اتفقوا بالإجماع على عقد مراسم
    الإحتفال في قبري وبضيافتي . طلبوا مني الذهاب إلى السوق الجديد الذي تم افتتاحه
    بعد موتهم للتسوّق بما جدَّ في عالم الأحياء لزوم القعدة .
    عدت أحمل في السلة لحوم وخضار وفواكه ونُقل من جميع الأصناف ، طبعا لم أنسى
    الكوتشينة والمعسّل وبعض زجاجات من البيرا .
    لا أعرف كيف يطيقون الزحمة والدوشة ورائحة الدخان . غدا القبر كالغرزة ،
    أي والله غرزة خمس جماجم .
    استأذنتهم للخروج كي استنشق هواءا نقيا .
    بعد لحظات رجعت مهرولا وقلت لهم هامسا :
    ــ عثرت على موقع لنادي للعراة .
    اشرأَبَّت أعناقهم وسألوني بصوت واحد .
    ــ أين يا فصيح ؟
    ــ في الحارة المجاورة . في مقبرة المسلمين .
    تململ كبير القعدة ، ابتسم ووجّه كلامة لي قائلا :
    ــ يبدو أنك حديث عهد بالموت ، ولا تعرف أن طقوس دفن الموتى للمسلمين تختلف
    عن طقوسنا نحن المسيحيين .
    أجبتهُ وحمرة الخجل تداعب خدّي :
    ــ أعرف أن الموت لا يفرّق بين البشر .
    أجابني غاضبا :
    ــ والموت أيضا يحثّنا على غض البصر . أنت مدسوس علينا ، طابور خامس ،
    روحك لم تزل معلّقة بين السماء والأرض . تفضّل من غير مطرود غادر هذا المكان
    وعِش المتبقي لك من عمر بعيدا عنا .

    لاحظ حفار القبور أن تربة القبر الذي حفره وتم دفني فيه بالأمس تتململ . ظنَّ أن
    أفعى قد أنهت بياتها تبحث عن وليمة تسد بها جوع فترة البيات .
    تحفَّز ، حدَّدَ الموقع بدقة ، ثم هوى عليه بفأسه .

    انتظرتُ حتى انتصف الليل . خرجت من القبر أبحث عن رفاق الأمس ، لم أعثر لهم
    على أثر . قلت في نفسي ، فلأذهب إلى مقبرة المسلمين علَّني أعثر عليهم هناك ،
    أو على الأقل أجد فيهم وَنَساً ، فالجنة من غير ناس ما بتنداس .
    المكان خالٍ والقبور فارغة . لا أحد هنا ولا هناك .
    لمحت في السماء ضوءا مبهرا وكأن مصدره مركبة فضائية ضخمة تقترب من الأرض .
    شاهدت أرتالا من البشر ، منهم مَن يلبس ملابسا رسمية ، ومنهم يلفون أجسادهم
    بقماش أبيض كالمعتمرين في بيت الله الحرام .
    في اللحظة التي فُتِحَ بها باب المركبة بدأوا بالدخول وهم في منتهى السعادة والسرور .
    انتظروني انتظروني . أخذتُ بالجري والركض ، بالصراخ والتلويح بيدي .

    غَمَرَ العرق جسدي من رأسي حتى أخمص قدمَيّ . وإذ بيدٍ حانية تمسح العرق عن جبيني :
    ــ اطمئن لقد زال عنك الخطر .
    ــ دكتور دكتور ، مريضنا المشاغب قد أفاق من غيبوبته ثانية واستعاد وعيه .

  • عبدالرحيم التدلاوي
    أديب وكاتب
    • 18-09-2010
    • 8473

    #2
    حمدا لله على سلامتك.استمتعت بسخريتك اللذيذة.لا فرق في الموت إلا بما تحقيقه من خير و إحسان.مودتيبعض الهنات ينبغي تصويبها.

    تعليق

    • عاشقة الادب
      أديب وكاتب
      • 16-11-2013
      • 240

      #3
      حمد لله على سلامتك
      كدت تعبر الى الجهة الاخرى
      ابدعت في السرد وراق لي ماكتبت
      مميزة فعلا حروفك

      تعليق

      • محمد هشام الجمعة
        عضو الملتقى
        • 07-11-2011
        • 472

        #4
        من ماذا يشكو الادب الساخر دكتور فوزي ام القصة سقطت هنا سهوا
        قصة ساخرة ممتعة وتحمل في طياتها خفايا حشرت في كل الزوايا
        منها ما يسر النفس ومنها موجع يجلب التعس
        ظاهرها سخرية ومرح وباطنها ذر الملح فوق الجرح
        تقبل مروري دكتور مع الود لشخصكم الطيب

        تعليق

        • فوزي سليم بيترو
          مستشار أدبي
          • 03-06-2009
          • 10949

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحيم التدلاوي مشاهدة المشاركة
          حمدا لله على سلامتك.استمتعت بسخريتك اللذيذة.لا فرق في الموت إلا بما تحقيقه من خير و إحسان.مودتيبعض الهنات ينبغي تصويبها.

          الله يسلمك ويمتعك بالصحة أخي عبد الرحيم التدلاوي
          الحقيقة أنني قرأت النص مرة أخرى ولم أعثر عليها الهنات
          هل من الممكن أن تشير إليها حتى أقوم بتصويبها مع الشكر سلفا .
          تحياتي
          فوزي بيترو

          تعليق

          • فوزي سليم بيترو
            مستشار أدبي
            • 03-06-2009
            • 10949

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة عاشقة الادب مشاهدة المشاركة
            حمد لله على سلامتك
            كدت تعبر الى الجهة الاخرى
            ابدعت في السرد وراق لي ماكتبت
            مميزة فعلا حروفك
            يا عاشقة الأدب
            ألله يسلمك ويحميكي
            شكرا لنفاعلك ومرورك على النص
            مودتي
            فوزي بيترو

            تعليق

            • فوزي سليم بيترو
              مستشار أدبي
              • 03-06-2009
              • 10949

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة محمد هشام الجمعة مشاهدة المشاركة
              من ماذا يشكو الادب الساخر دكتور فوزي ام القصة سقطت هنا سهوا
              قصة ساخرة ممتعة وتحمل في طياتها خفايا حشرت في كل الزوايا
              منها ما يسر النفس ومنها موجع يجلب التعس
              ظاهرها سخرية ومرح وباطنها ذر الملح فوق الجرح
              تقبل مروري دكتور مع الود لشخصكم الطيب

              الحقيقة يا أخي الجميل محمد هشام الجمعة أنني تردّدت كثيرا في نشر هذا النص
              وهو كما قلت لما يحمل من سخرية ، وسخرية من الموت
              فإذا قمت بوضعه في الساخر فسوف تثبت التهمة وقد ينالني ما لا تُحمد عقباه من المتربصين بي
              قلت أنشره في القصة ، ولعله يمر دون أن ينتبه أحد .
              لكنك كنت فطنا وفضحتني .
              على العموم سوف أقوم بنقله إلى هناك إذا كان مناسبا .
              أجمل تحية ومحبة كبيرة
              فوزي بيترو

              تعليق

              • بسباس عبدالرزاق
                أديب وكاتب
                • 01-09-2012
                • 2008

                #8
                الأستاذ الدكتور فوزي سليم بيترو

                جميل جدا أن نمارس التلاعب بالحلم و أن نغوص في الخيال

                نعم الأدب هو رحلة خارج المعقول و المنطق و للقاريء حق الإسقاط على واقعه
                حتما أنت تؤيدني أننا نكتب في لحظة ربما نكون فيها خارج وعينا
                فلاوعينا الذي نحت بكم هائل من التجارب يمارس حضوره اثناء اقتناصنا لحدث طاريء أمانا
                فنبث فيه همومنا و رؤانا و أكثر من ذلك آلامنا

                قرائتي للقصة ذهبت بي بعيدا

                و لكن الجميل الذي رأيته هنا
                هو حضور روحك و قلبك الذي تكتب به
                حيث تكتب بنقاء و انفلات تلقائي عذب

                أسعدني و امتعني النص حتما

                تقديري و احتراماتي أستاذي فوزي بيترو
                السؤال مصباح عنيد
                لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

                تعليق

                • ريما ريماوي
                  عضو الملتقى
                  • 07-05-2011
                  • 8501

                  #9
                  ذكرني نصك الجميل بالمسيحي الذي دفن بمقبرة للمسلمين...
                  عاد بعد برهة يرجو نقله إلى مقبرة النصارى.. وفسر السبب:
                  أن طلبات المسلمين زادت عليه كثيرا لأنهم دوما يطلبون منه
                  أن يذهب للبقالة لشراء ما يحتاجونه فهو الوحيد الذي يرتدي
                  ثيابه.

                  قرأت مستمتعة ... والحمد لله على سلامة بطلنا...

                  ..شكرا لك... تحيتي وتقديري.


                  أنين ناي
                  يبث الحنين لأصله
                  غصن مورّق صغير.

                  تعليق

                  • فوزي سليم بيترو
                    مستشار أدبي
                    • 03-06-2009
                    • 10949

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة بسباس عبدالرزاق مشاهدة المشاركة
                    الأستاذ الدكتور فوزي سليم بيترو

                    جميل جدا أن نمارس التلاعب بالحلم و أن نغوص في الخيال

                    نعم الأدب هو رحلة خارج المعقول و المنطق و للقاريء حق الإسقاط على واقعه
                    حتما أنت تؤيدني أننا نكتب في لحظة ربما نكون فيها خارج وعينا
                    فلاوعينا الذي نحت بكم هائل من التجارب يمارس حضوره اثناء اقتناصنا لحدث طاريء أمانا
                    فنبث فيه همومنا و رؤانا و أكثر من ذلك آلامنا

                    قرائتي للقصة ذهبت بي بعيدا

                    و لكن الجميل الذي رأيته هنا
                    هو حضور روحك و قلبك الذي تكتب به
                    حيث تكتب بنقاء و انفلات تلقائي عذب

                    أسعدني و امتعني النص حتما

                    تقديري و احتراماتي أستاذي فوزي بيترو

                    أتفق معك أخي بسباس أننا نكتب في لحظة نكون فيها خارج وعينا
                    لكنني في هذا النص عن الموت ، كتبت لإسترجاع بعضا من الوعي
                    الذي نفقده جميعنا إذا ما فكّرنا بما يتنظرنا بعد الرحيل . بلا شك نكون
                    في حالة خوف ورعب من هذا المجهول .
                    هي محاولة بسيطة ومتواضعة مني لرسم صورة ساخرة عن الموت
                    على أمل أن نبيّض صفحته إذا ما أتانا على غفلة .

                    أطال الله في عمرك متمتعا بالصحة
                    مودتي
                    فوزي بيترو

                    تعليق

                    • فوزي سليم بيترو
                      مستشار أدبي
                      • 03-06-2009
                      • 10949

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة ريما ريماوي مشاهدة المشاركة
                      ذكرني نصك الجميل بالمسيحي الذي دفن بمقبرة للمسلمين...
                      عاد بعد برهة يرجو نقله إلى مقبرة النصارى.. وفسر السبب:
                      أن طلبات المسلمين زادت عليه كثيرا لأنهم دوما يطلبون منه
                      أن يذهب للبقالة لشراء ما يحتاجونه لانه الوحيد الذي يرتدي ثيابه.

                      قرأت مستمتعة ... والحمد لله على سلامة بطلنا...

                      ..شكرا لك... تحيتي وتقديري.
                      نعم أذكرها هذه الطرفة أختي ريما
                      تخيّلي معي لو أن مسلما قد دُفن في مقابر المسيحيين !
                      لن يسلم من القيل والقال ، وسيتم اتهامه بالفعل الفاضح في المدافن العامة

                      تحياتي
                      فوزي بيترو

                      تعليق

                      • وسام دبليز
                        همس الياسمين
                        • 03-07-2010
                        • 687

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة فوزي سليم بيترو مشاهدة المشاركة
                        نعم أذكرها هذه الطرفة أختي ريما
                        تخيّلي معي لو أن مسلما قد دُفن في مقابر المسيحيين !
                        لن يسلم من القيل والقال ، وسيتم اتهامه بالفعل الفاضح في المدافن العامة

                        تحياتي
                        فوزي بيترو
                        هههه حتى بعد الموت تطال الطرفة الموتى...لكنها اضحكتني
                        القصة كانت جميلة استمتعت بهذه الهلوسة على طرف عالم يفصل بين الموت والحياة
                        مودتي لك

                        تعليق

                        • محمد هشام الجمعة
                          عضو الملتقى
                          • 07-11-2011
                          • 472

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة فوزي سليم بيترو مشاهدة المشاركة
                          نعم أذكرها هذه الطرفة أختي ريما
                          تخيّلي معي لو أن مسلما قد دُفن في مقابر المسيحيين !
                          لن يسلم من القيل والقال ، وسيتم اتهامه بالفعل الفاضح في المدافن العامة

                          تحياتي
                          فوزي بيترو
                          الله يسامحك يادكتور انت والأستاذة ريمة يعني الحجاج من كل اصقاع الارض في بيت الله الحرام هم عراة
                          مع العلم انهم يرتدون اقل مما نكسو به موتانا
                          مرة ثانية اكرر شكري على هذا النص دكتور وتقبل مروري بطيبتك المعهودة
                          دمت بخير

                          تعليق

                          • فوزي سليم بيترو
                            مستشار أدبي
                            • 03-06-2009
                            • 10949

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة وسام دبليز مشاهدة المشاركة
                            هههه حتى بعد الموت تطال الطرفة الموتى...لكنها اضحكتني
                            القصة كانت جميلة استمتعت بهذه الهلوسة على طرف عالم يفصل بين الموت والحياة
                            مودتي لك
                            نعم هي اللحظة الفاصلة بين الموت والحياة
                            وما أكثر هلوسات هذه اللحظة
                            أفلا يحق لنا التندر ؟! لقد سررت بسرورك وبضحكتك
                            شكرا لمرورك وسام
                            وأجمل تحية لك
                            فوزي بيترو

                            تعليق

                            • فوزي سليم بيترو
                              مستشار أدبي
                              • 03-06-2009
                              • 10949

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة محمد هشام الجمعة مشاهدة المشاركة
                              الله يسامحك يادكتور انت والأستاذة ريمة يعني الحجاج من كل اصقاع الارض في بيت الله الحرام هم عراة
                              مع العلم انهم يرتدون اقل مما نكسو به موتانا
                              مرة ثانية اكرر شكري على هذا النص دكتور وتقبل مروري بطيبتك المعهودة
                              دمت بخير
                              هناك من يلبسون ما لا تتخيّل من ثياب
                              لكنهم في الحقيقة عراة من القِيَم والأخلاق ...
                              أشكرك مرة أخرى أخي هشام
                              فوزي بيترو

                              تعليق

                              يعمل...
                              X