مقابر خمس جماجم
لم أشعر بالوحدة رغم موتي . نعم دفنوني ، تركوني وحيدا وانصرفوا .
لكن والحق يُقال ، شعرت بسعادة غامرة لحظة فارقتهم وفارقوني .
عندما يأتِ المساء يجتمع الموتى في قبر أحدهم يتسامرون ويتندّرون على
ذكريات حياتهم المنصرمة .
كان صاحب القبر والذي عليه الدور في استضافتهم يذهب للسوق المجاور
يتبضّع ويعود بما لذَّ وطاب من مأكولات وشرب وتوابعهما ، وتمتد السهرة
حتى دفوق أول شعاع للشمس ، فيذهب كل واحد منهم إلى قبره ينام فيه .
تتكرر السهرات في الصيف كما في الشتاء . لا يحتاجون لصوبات ولا لمكيفات هواء .
ولا يحتاجون أيضا لأقراص النوم فالأرق لا يطرق أبوابهم ولا جفونهم .
ذات سهرة طارئة واحتفالا بمناسبة انضمامي إليهم ، اتفقوا بالإجماع على عقد مراسم
الإحتفال في قبري وبضيافتي . طلبوا مني الذهاب إلى السوق الجديد الذي تم افتتاحه
بعد موتهم للتسوّق بما جدَّ في عالم الأحياء لزوم القعدة .
عدت أحمل في السلة لحوم وخضار وفواكه ونُقل من جميع الأصناف ، طبعا لم أنسى
الكوتشينة والمعسّل وبعض زجاجات من البيرا .
لا أعرف كيف يطيقون الزحمة والدوشة ورائحة الدخان . غدا القبر كالغرزة ،
أي والله غرزة خمس جماجم .
استأذنتهم للخروج كي استنشق هواءا نقيا .
بعد لحظات رجعت مهرولا وقلت لهم هامسا :
ــ عثرت على موقع لنادي للعراة .
اشرأَبَّت أعناقهم وسألوني بصوت واحد .
ــ أين يا فصيح ؟
ــ في الحارة المجاورة . في مقبرة المسلمين .
تململ كبير القعدة ، ابتسم ووجّه كلامة لي قائلا :
ــ يبدو أنك حديث عهد بالموت ، ولا تعرف أن طقوس دفن الموتى للمسلمين تختلف
عن طقوسنا نحن المسيحيين .
أجبتهُ وحمرة الخجل تداعب خدّي :
ــ أعرف أن الموت لا يفرّق بين البشر .
أجابني غاضبا :
ــ والموت أيضا يحثّنا على غض البصر . أنت مدسوس علينا ، طابور خامس ،
روحك لم تزل معلّقة بين السماء والأرض . تفضّل من غير مطرود غادر هذا المكان
وعِش المتبقي لك من عمر بعيدا عنا .
لاحظ حفار القبور أن تربة القبر الذي حفره وتم دفني فيه بالأمس تتململ . ظنَّ أن
أفعى قد أنهت بياتها تبحث عن وليمة تسد بها جوع فترة البيات .
تحفَّز ، حدَّدَ الموقع بدقة ، ثم هوى عليه بفأسه .
انتظرتُ حتى انتصف الليل . خرجت من القبر أبحث عن رفاق الأمس ، لم أعثر لهم
على أثر . قلت في نفسي ، فلأذهب إلى مقبرة المسلمين علَّني أعثر عليهم هناك ،
أو على الأقل أجد فيهم وَنَساً ، فالجنة من غير ناس ما بتنداس .
المكان خالٍ والقبور فارغة . لا أحد هنا ولا هناك .
لمحت في السماء ضوءا مبهرا وكأن مصدره مركبة فضائية ضخمة تقترب من الأرض .
شاهدت أرتالا من البشر ، منهم مَن يلبس ملابسا رسمية ، ومنهم يلفون أجسادهم
بقماش أبيض كالمعتمرين في بيت الله الحرام .
في اللحظة التي فُتِحَ بها باب المركبة بدأوا بالدخول وهم في منتهى السعادة والسرور .
انتظروني انتظروني . أخذتُ بالجري والركض ، بالصراخ والتلويح بيدي .
غَمَرَ العرق جسدي من رأسي حتى أخمص قدمَيّ . وإذ بيدٍ حانية تمسح العرق عن جبيني :
ــ اطمئن لقد زال عنك الخطر .
ــ دكتور دكتور ، مريضنا المشاغب قد أفاق من غيبوبته ثانية واستعاد وعيه .
لم أشعر بالوحدة رغم موتي . نعم دفنوني ، تركوني وحيدا وانصرفوا .
لكن والحق يُقال ، شعرت بسعادة غامرة لحظة فارقتهم وفارقوني .
عندما يأتِ المساء يجتمع الموتى في قبر أحدهم يتسامرون ويتندّرون على
ذكريات حياتهم المنصرمة .
كان صاحب القبر والذي عليه الدور في استضافتهم يذهب للسوق المجاور
يتبضّع ويعود بما لذَّ وطاب من مأكولات وشرب وتوابعهما ، وتمتد السهرة
حتى دفوق أول شعاع للشمس ، فيذهب كل واحد منهم إلى قبره ينام فيه .
تتكرر السهرات في الصيف كما في الشتاء . لا يحتاجون لصوبات ولا لمكيفات هواء .
ولا يحتاجون أيضا لأقراص النوم فالأرق لا يطرق أبوابهم ولا جفونهم .
ذات سهرة طارئة واحتفالا بمناسبة انضمامي إليهم ، اتفقوا بالإجماع على عقد مراسم
الإحتفال في قبري وبضيافتي . طلبوا مني الذهاب إلى السوق الجديد الذي تم افتتاحه
بعد موتهم للتسوّق بما جدَّ في عالم الأحياء لزوم القعدة .
عدت أحمل في السلة لحوم وخضار وفواكه ونُقل من جميع الأصناف ، طبعا لم أنسى
الكوتشينة والمعسّل وبعض زجاجات من البيرا .
لا أعرف كيف يطيقون الزحمة والدوشة ورائحة الدخان . غدا القبر كالغرزة ،
أي والله غرزة خمس جماجم .
استأذنتهم للخروج كي استنشق هواءا نقيا .
بعد لحظات رجعت مهرولا وقلت لهم هامسا :
ــ عثرت على موقع لنادي للعراة .
اشرأَبَّت أعناقهم وسألوني بصوت واحد .
ــ أين يا فصيح ؟
ــ في الحارة المجاورة . في مقبرة المسلمين .
تململ كبير القعدة ، ابتسم ووجّه كلامة لي قائلا :
ــ يبدو أنك حديث عهد بالموت ، ولا تعرف أن طقوس دفن الموتى للمسلمين تختلف
عن طقوسنا نحن المسيحيين .
أجبتهُ وحمرة الخجل تداعب خدّي :
ــ أعرف أن الموت لا يفرّق بين البشر .
أجابني غاضبا :
ــ والموت أيضا يحثّنا على غض البصر . أنت مدسوس علينا ، طابور خامس ،
روحك لم تزل معلّقة بين السماء والأرض . تفضّل من غير مطرود غادر هذا المكان
وعِش المتبقي لك من عمر بعيدا عنا .
لاحظ حفار القبور أن تربة القبر الذي حفره وتم دفني فيه بالأمس تتململ . ظنَّ أن
أفعى قد أنهت بياتها تبحث عن وليمة تسد بها جوع فترة البيات .
تحفَّز ، حدَّدَ الموقع بدقة ، ثم هوى عليه بفأسه .
انتظرتُ حتى انتصف الليل . خرجت من القبر أبحث عن رفاق الأمس ، لم أعثر لهم
على أثر . قلت في نفسي ، فلأذهب إلى مقبرة المسلمين علَّني أعثر عليهم هناك ،
أو على الأقل أجد فيهم وَنَساً ، فالجنة من غير ناس ما بتنداس .
المكان خالٍ والقبور فارغة . لا أحد هنا ولا هناك .
لمحت في السماء ضوءا مبهرا وكأن مصدره مركبة فضائية ضخمة تقترب من الأرض .
شاهدت أرتالا من البشر ، منهم مَن يلبس ملابسا رسمية ، ومنهم يلفون أجسادهم
بقماش أبيض كالمعتمرين في بيت الله الحرام .
في اللحظة التي فُتِحَ بها باب المركبة بدأوا بالدخول وهم في منتهى السعادة والسرور .
انتظروني انتظروني . أخذتُ بالجري والركض ، بالصراخ والتلويح بيدي .
غَمَرَ العرق جسدي من رأسي حتى أخمص قدمَيّ . وإذ بيدٍ حانية تمسح العرق عن جبيني :
ــ اطمئن لقد زال عنك الخطر .
ــ دكتور دكتور ، مريضنا المشاغب قد أفاق من غيبوبته ثانية واستعاد وعيه .
تعليق