كانت تحمل ابنتها وهي تجوب شوارع المدينة ، تنظر يمينا وشمالا لعل هناك من يرحمه ويرحم صغيرتها ،كانت حافية القدمين لقد وخط البياض شعرها الأسود، لقد تجاوزت العقد الخامس ، كانت ابنتها تبكي بكاء يمزق القلوب ، لا أحد يوليهااهتماما ، الجميع غارق في زوبعة الحياة ، كانت البنت جميلة ، شعرها الأصفر يتدلى ، ماذا تريد هذه الصغيرة؟ ، لا شك أنها جائعة ، وربما لم تذق طعاما منذ أمس ...كان الناس يتبادلون أطراف الحديث وهم يضحكون لا يبالون ، قال أحدهم : وددت شراء سيارة فخمة ، وقال الثاني : أريد بناء سكنا على شاطئ البحر ، وقال الثالث : سأقضي عطلتي رفقة عائلتي في انجلتر ....كانت المدينة تعج بالناس كأمواج البحر المتلاطمة ...وفي الجهة المقابلة كان طفل صغير يقترب من المرأة المسكينة وابنتها يتساءل في قرارة نفسه : لما تبكي هذه الصغيرة ؟ ما بها هذه المرأة ؟ لما ثيابها رثة ؟ دارت أسئلة كثيرة في رأسه الصغير ...اقترب من المرأة المسكينة ، وقال لها : مالك يا خالة ؟ لما هذه الصغيرة تبكي ؟ ...نظرت إليه المرأة وهي تحاول الابتسام وقالت : يا ولدي لقد عضني الزمن ....بقي الطفل حائرا ربما لم يفهم ما تقصده المرأة وراح ينظر إليها مندهشا ، أدركت بحدسها أن الطفل لم يفهم لغتها فقالت له : : لقد توفي زوجي في حادث مروع اهتزت له قريتنا الصغيرة لقد كان رؤوفا بالجميع ، لقد كان يسعى ويكد ويعمل من أجلنا ، وفي يوم عصيب وأثناء زيارته للمدينة لجلب بعض الملابس لهذه البنت التي تراها مر دون أن ينتبه للسيارة كانت سريعة فدهسته ونقل إلى المستشفى لكنه توفي ...وقد طردت أنا وابنتي من سكن كان لأحد الأثرياء ، وكنت أعمل في قصور الأغنياء ، لكن المرض كان يزورني من حين إلى آخر فكنت أتغيب عن العمل ، فطردت شر طرد ، وهأنذا أتسكع في شوارع المدينة المترامية الأطراف لعل وعسى أن أظفر بلقمة عيش من أيدي رحيمة ، ولكن ....كانت تمسح دموعها الحارة محاولة أخفاء ها ...كان الطفل الصغير يستمع لقصة هذه المسكينة البائسة ، فعلا لقد عضها الزمن ولم يرحمها البشر ، وتساءل في قرارة نفسه وقال : ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ...أسرع الطفل وأعطى للمرأة رغيفا وتفاحة ، ثم قال للمرأة : يا خالتي هيا معي ، أمي امرأة طيبة ، هيا معي ...مشت المرأة مع الطفل وهي تشعر بالسعادة والشقاء ، ها قد وصل الجميع ، دخل الطفل إلى البيت وسلم على أمه ثم قص لها قصة المرأة المسكينة البائسة ، أسرعت الأم وأدخلت المرأة وابنتها واحضرت لهما طعاما لذيذا ، فأكلاوشربا ، ثم نامت الطفلة وهي تشعر بسعادة غامرة ، ثم احضرت أم الطفل ملابس جديدة وأعطتها للمرأة ، شكرت المرأة المسكينة الطفل وأمه وهمت بالخروج والأنصراف وأرادت أن توقظ صغيرتها فمنعتها أم الطفل ، ثم بادرتها بالكلام وقالت لها : مارائك لو نتعاون في شؤون البيت ، وفي خدمة هذا البستان وتعيشين في بيتنا ، أن لي غرف كثيرة سأمنحك غرفتين ، سكتت المرأة ثم قالت كما تريدين سيدتي ، فقالت أم الطفل : قولي أختي ** أنما المؤمنون أخوة ** فأنت من اليوم تساعدني في شؤون البيت وفي الاعتناء بالبستان ، فلا تجزعي أبدا ، أحست المرأة البائسة بحياة جديدة ودم جديد يسري في عروقها وراحت تتجول في أرجااء البستان ناظرة إلى ا لأشجاره وثمارها اليانعة وطيورها الجميلة وزهورها ذات الأشكال المختلفة ، وقالت : الحمد لله ، الحمد لله ، إنه الفرج ، إنه الفرج ، يكتبها أبوبكر الأوراس الجزائر شرقا ....

تعليق