سرت في جسمي رعشة جعلتني أشعر بقشعريرة ، و بدوران معدتي ، و رغبة في التقيؤ ، بعد أن شاهدت ، في الصباح الباكر ، و الجو بارد، الشاب البدين، فارع الطول يطلب قنينة كوكا كولا ، و يفرغها في جوفه دفعة واحدة و بنفس واحد ، ثم تجشأ بصوت مسموع ؛ كنت أحس به يرى القنينة شبيهة بحسناء ذات عنق طويل و صدر نافر ، و خصر نحيف و أرداف ،و لأنه ، في ظن الكثيرين ، يرمز للقوة و الحيوية .. فإن معظم شاربي هذا السائل و المقبلين عليه يعانون من مشاكل نفسية و جنسية ، و هم بتجرعهم لهذا السائل السحري من فم القنينة مباشرة ، كنوع من التقبيل، يتوهمون استعادة فحولتهم الهاربة ،و لهذا يقومون بإفراغ القوة في داخلهم ، و بمثل هذا التوهم يتبدد الفشل مؤقتا. فقد رأيته يفرغ السائل في جوفه دفعة واحدةن و يحلمبالسائل الأسود.. لأن المعتقد و السائد لدى العديدين ، أن السود يمتلكون طاقة جنسية فظيعة ، لذا فالمشروب اتخذ لونهم لمنح قناعة مؤقتة لدى الشارب بأنه قد تملكها. و لما رأى علامات الامتعاض بادية على وجهي ، و ملامح الاستغراب ترتسم كعلامة تعجب ، قال لي ، ربما تحديا ، و ربما سخرية :
_ هذا فعل لا يقدم عليه سوى الرجال !
قلت في نفسي معقبا بسخرية :
_تبا لرجولة لا تستقيم إلا بالأفعال التافهة..
و تذكرت ذلك اليوم الأغر حيث تم فيه تلبية نداء مقاطعة المنتوجات الغربية ، و منها هذا المشروب اللعين. حينها كان بعض المناضلين و المدعين ، و من كان يمتلك قناعة هشة بفكرة التضامن مع الشعب الفلسطيني ، يشترون خلسة ذلك المشرب ، و يتناولونه خفية ؛ لأن الخجل كان مازال حاضرا ، كما الخوف من النبذ..أما اليوم ، فالوقاحة أعلنت عن نفسها ، و صيرت وجهها مكشوفا ، بل اعتبر التضامن من التفاهات ، و الدعوة له حرمان من متع الحياة ، و نجاحه غير وارد على الإطلاق.
أيقظتني من تفكيري يده القوية تنزل على كتفي بثقلها ، و هو يقول لي :
_سأذهب إلى المقهى ، التحق بي حال عودتك من عملك.
حييته ، و أكملت طريقي و أنا أفكر في هاته القنينة العجيبة التي ، وبسرعة ، صارت عروس الموائد ، لا يمكن لحفل أن يخلو منها ، إنها عماد الولائم ، يقبل عليها الطاعمون بنهم لظنهم أنها تسهل عملية الهضم ، و لسن أدري إن كان ذاك من باب تبرير إقبالهم على الطعام و التهامه التهاما ، فأغلبية الموائد تعود فارغة إلا من بعض الهياكل العظمية لدجاج سيء الحظ ، أوقعه حاله بين مخالب و أسنان حادة وفكوك فتاكة ؛ يد تبتر و فم يمضغ و الألة شغالة لا تهدأ إلا حين يمسح الصحن مسحا، أم من باب التجرية التي اثبتت فعاليته في هذا المجال ؟.
وصلت المدرسة ، طلبت من التلاميد الجلوس؛ و لكون الدرس اليوم حول الإشهار ، فقد ارتأيت أن يكون موضوع النقاش ، هذا المشروب السحري ، الذي يكاد يزيح من تقاليدنا الشاي ، و يحل محله سيدا مبجلا تخضع له الرقاب.
أول شيء قمت به قبل بدء الدرس ، هو استشارة الشيخ " غوغول " عن مشروب " كوكا " ، فقدم لي معلومات طيبة ،
طلبت من التلاميذ كتابة موضوع إنشائي حول المشروب السحري :
سرت في جسمي قشعريرة...
دق الجرس فأوقف متعة الاسترسال في الحوار ، فطلبت من التلاميذ القيام ببحوث معمقة حول الموضوع. و انصرفت.
بلغت المقهى فبدا لي الشاب السمين منكبا على لعب الورق ، غارقا فيه ، هو الشاب الذي كان ممتلئا حماسا و اجتهادا ، بمجرد حصوله على الإجازة سقط في الخمول.
كان قد شرب الكثير من هذا المشروب الأسود ،عرفت ذلك من القناني الفارغة كعقله .
أديت الثمن ، و سحبته ورائي. إنه عاري ، و ورقتي الخاسرة في هاته الحياة.
* بضغطة زر يمكنك بلوغ المضار.
_ هذا فعل لا يقدم عليه سوى الرجال !
قلت في نفسي معقبا بسخرية :
_تبا لرجولة لا تستقيم إلا بالأفعال التافهة..
و تذكرت ذلك اليوم الأغر حيث تم فيه تلبية نداء مقاطعة المنتوجات الغربية ، و منها هذا المشروب اللعين. حينها كان بعض المناضلين و المدعين ، و من كان يمتلك قناعة هشة بفكرة التضامن مع الشعب الفلسطيني ، يشترون خلسة ذلك المشرب ، و يتناولونه خفية ؛ لأن الخجل كان مازال حاضرا ، كما الخوف من النبذ..أما اليوم ، فالوقاحة أعلنت عن نفسها ، و صيرت وجهها مكشوفا ، بل اعتبر التضامن من التفاهات ، و الدعوة له حرمان من متع الحياة ، و نجاحه غير وارد على الإطلاق.
أيقظتني من تفكيري يده القوية تنزل على كتفي بثقلها ، و هو يقول لي :
_سأذهب إلى المقهى ، التحق بي حال عودتك من عملك.
حييته ، و أكملت طريقي و أنا أفكر في هاته القنينة العجيبة التي ، وبسرعة ، صارت عروس الموائد ، لا يمكن لحفل أن يخلو منها ، إنها عماد الولائم ، يقبل عليها الطاعمون بنهم لظنهم أنها تسهل عملية الهضم ، و لسن أدري إن كان ذاك من باب تبرير إقبالهم على الطعام و التهامه التهاما ، فأغلبية الموائد تعود فارغة إلا من بعض الهياكل العظمية لدجاج سيء الحظ ، أوقعه حاله بين مخالب و أسنان حادة وفكوك فتاكة ؛ يد تبتر و فم يمضغ و الألة شغالة لا تهدأ إلا حين يمسح الصحن مسحا، أم من باب التجرية التي اثبتت فعاليته في هذا المجال ؟.
وصلت المدرسة ، طلبت من التلاميد الجلوس؛ و لكون الدرس اليوم حول الإشهار ، فقد ارتأيت أن يكون موضوع النقاش ، هذا المشروب السحري ، الذي يكاد يزيح من تقاليدنا الشاي ، و يحل محله سيدا مبجلا تخضع له الرقاب.
أول شيء قمت به قبل بدء الدرس ، هو استشارة الشيخ " غوغول " عن مشروب " كوكا " ، فقدم لي معلومات طيبة ،
طلبت من التلاميذ كتابة موضوع إنشائي حول المشروب السحري :
سرت في جسمي قشعريرة...
دق الجرس فأوقف متعة الاسترسال في الحوار ، فطلبت من التلاميذ القيام ببحوث معمقة حول الموضوع. و انصرفت.
بلغت المقهى فبدا لي الشاب السمين منكبا على لعب الورق ، غارقا فيه ، هو الشاب الذي كان ممتلئا حماسا و اجتهادا ، بمجرد حصوله على الإجازة سقط في الخمول.
كان قد شرب الكثير من هذا المشروب الأسود ،عرفت ذلك من القناني الفارغة كعقله .
أديت الثمن ، و سحبته ورائي. إنه عاري ، و ورقتي الخاسرة في هاته الحياة.
* بضغطة زر يمكنك بلوغ المضار.
تعليق