عين الذئب
انشقّ الليل عن صبية سمراء، تمتطي صهوة الريح، تتلفّتُ حائرة، تتلمّسُ طريقاً لا تدري مدخله، تضمّ إلى صدرها المرتجف وليدها، تتراقص ندف الثلج على ضفائرها، فتحيلها إلى امرأة ثلج، تطفق بالدموع..
الطفل يختلجُ، يلوب بفمه الجاف عن رشفة حليب دافئة، فتدنيه من صدرها مهدهدةً، ليشمّ رائحة دفء واعدٍ، تنام لها جوارحه المتجمّدة....
تركض ...تركض...تحاول أن تصمّ أذنيها عن أصواتٍ تلاحق سمعها، قنابل متفجّرة، أزيز رصاص، نسوة تولول، بيوت تحترق، ..تركض ..تركض..، تنخلع فردة حذائها عن قدمها ، لا تبالي...، تتعثّر بكومة أحجار، تفخّخت بوشاحٍ أبيضَ، انفلت وليدها من يدها، أخذ يبكي كا لمغشي عليه، زحفت إليه، تمدّ أصابعها الراعشة نحوه..،
تسمّرتْ عيناها على طيف يلتحف عباءة سوداء... بدا يتوضّح لها شيئاً، فشيئاً، رفعت بصرها ببطء...من القدم، حتى الرأس...ارتطم نظرها بعينٍ تخافها، عين ذئبٍ، كانت ترعب فرائصها، تجفل منها.
..أصيبتْ بدوارٍ أفقدها ما بقي من نبض، سألها بحدة: ــ إلى أين ؟؟؟
بصوت متقطع الحروف أجابته: ـــ أرجوووووك ...دعني أهرب...، جماعة ملثمة اختطفت زوجي، اقتادته معصوب العينين، مع غيره من الرجال، إلى جهة مجهولة، خشيت منهم ..، خاتلتهم وساقتني قدماي حيث تراني، ..أرجوك..دعني أمضي..
افترستْها عيناه، جذبها ...نهرها متمتماً بشفتين غليظتين، جافتين ـــ هيااااا .....انهضي، واتبعيني...
أدنت طفلها من حضنها، تشهق بالبكاء، تمسح بكمّها الطين اللزج العالق بثيابه، وبضع قطرات حمراء على طرف شفته.
تطايرتْ نظراتها صوب كلّ الاتجاهات...تلتمس طريقاً للهروب منه،..وقد أوشكت ...فهزّها بقسوةٍ آمراً: ــ قلت لك اتبعيني
فلم تجد بدّاً من أن تمشي خلفه مكسورة الخطوات، حتى وصل بها إلى دار ترابيّة، متآكلة الجدران، وفتح الباب عن غرفةٍ يتوسّط أرضها بساط صوفيّ عتيق، وفراش إسفنجيّ رقيق باهت اللون،
هياا ادخلي قالها: ( وهو يدفعها بغلظةٍ ) ...ثم أغلق الباب ...وغاب
تكوّرتْ على نفسها في زاوية الغرفة، وقد غطّ طفلها على أثر الإرهاق، في نومٍ يشبه وهنه أنين الموت..، تراءت لها الجدران قد تداخلت..دوائرَ ، دوائرَ..حتى استحالتْ إلى عين ذئب تشبه عينه، كما كانت تراها، مذ كانت طفلة تخشاها، وترتعد لها، نفس العين التي دخلت دار أهلها تطلبها حليلة، فذُرّ التراب بها مطرودةً واللعنات تلاحق صاحبها:: ـــ خسئ ابن الكافرة .....
نفس العين التي شهدتها يوم عرسها، ترقبها خلف السور، على غصن شجرة التين ، ذاتها التي كانت تشظّيها، تعرّيها، كلما تأبطت ذراع زوجها، تتبختر وسط الدروب، فتتبعها حتى الدار، ترصد ضوء نوافذها، حين تُضاء، وحين يختبئ خيالهما المتعانق وراء العتمة، حين تُطفأ....ذات العين التي أطبقت على حنق مكتومٍ، حين ضبط الزوج تتبّعها، فكاد يسملها مهدّداً: إياك أن تتجرّأ ، وتعيدها يا بن الكافرة....
بدأ الثلج يغزو الشباك العتيق، تسلّلتْ على رؤوس أصابعها ترقبه، وقد كاد قلبها يتوقف عن نبضه، بعد أن تناهى إلى سمعها صوت وقع أقدامه ، وطرطقة أوانٍ تخفت، وتعلو .....مسحت غباشة الزجاج من الداخل، وجدته في صحن الدار، يشعل كومة حطب...
عادت تفرك كفيها، تسدل ثوبها على منكبيها، تشبك أزراره حتى العنق، تغزو خيالها ألف صورة مرعبة التفاصيل،..جنون الخوف يعربد في حناياها..
أزيز الباب دلّها على أنه دلف إلى الغرفة، ...إنها تميز رائحته التي تكرهها مذ كانت برعماً، لم تقو على النظر في عينيه...تقدّم منها يدفع بكوب شاي ساخن إليها...قائلاً باختصار: اشربيه...
توجّستْ من ارتشافه، أعطافها الباردة تتمنى أن تدفأ به، ولكن خوفها ألجمها.
رجع إلى كومة النار المتأزّزة بشراهةٍ، لمزيد من الاشتعال، حرّك الجمرات بسيخٍ حديديّ، انتقلت حرارة النار إلى جسده:
ــــــ هاهو حلم العمر بين يديك...من أحببتها تضطجع على فراشٍ، تمنيت بلهفة حارقة أن تقاسمه معك...هاهي تحت إمرتك، فريسة ، تنتفض بين يديك خوفاً، فتزداد رغبتك في التهامها، وقعت في شباك أوصد عنها كلّ المنافذ، حيث لا أهل يبعدونها باحتقار عنك، ولا زوج يمسك بخناقك ...يعيّرك بطائفتك، يتفل في وجهك..
هيااااااااااا ...هياااااااا يا بن الكافرة، الوليمة الشهية بين يديك، فتشبّع بها حدّ الثمالة، واسكب أنفاسها المشتهاة بين عروق دمك، كم حلمت بأن تضمها بين ذراعيك تحت سقف واحد !!! كم تمنى صدرك أن يتوسّده رأسها الجميل، تغطيه خصلات شعرها !!! كم تمنيت أن تجوب أصابعك، تضاريس جسدها المرمري !!!
هياااااااااااا ...إنها فرصتك....جاءتك على قدميها الضعيفتين...هيااااااااااا..مااذا تنتظر ؟؟؟
وتوهّجتْ عين الذئب بألسنة نار، تلاقت مع ضوء قمر شتائي، يظهر للحظات، ثم يختبئ خلف غيمة بيضاء،..في ليلة ثلج عاصفة...
هزّه العواء، كلّ مابه جائع، يعوي...وقد سال لعاب الشهوة المحمومة على شفتيه..
ذرع المكان ألف مرة، صوت أقدامه يتوغل عميقاً في مسافات رعبها عند كلّ خطوة..
اقتحم الغرفة.،.تطاير شرر الرغبة المجنونة، كانت ترضع صغيرها، فسحبت فمه عن ثديها، فامتعض، وبكى يستجدي عطفها.. وأرختْ سدل جيبها بسرعة البرق، و التصقتْ بالحائط، وقد اصطكّتْ رجلاها ارتجافاً.
رمقتها عين الذئب، توقّفت عند تفاصيلها، تعرّيها أنملة، أنملة....سألت السماء أن يعجّل في موتها،..وهو يقترب منها شيئاً، فشيئاً، حتى صار بمحاذاتها، يسمع تسارع أنفاسها...
وفجأة بكتْ عين الذئب...وهو يخلع عباءته الصوفية السميكة عن جسمه المرتعش اضطراباً، يدفعها إليها بصوت أشبه بهذيان ينوح مختنقاً:
ـــ تدثري بها ...ونامي ..واستريحي..لن يمسك سوء... سأوصلك غداً إلى مكان آمن...تصبحين على خير..... ياااااااا أختي.
/ إيمان الدرع /
انشقّ الليل عن صبية سمراء، تمتطي صهوة الريح، تتلفّتُ حائرة، تتلمّسُ طريقاً لا تدري مدخله، تضمّ إلى صدرها المرتجف وليدها، تتراقص ندف الثلج على ضفائرها، فتحيلها إلى امرأة ثلج، تطفق بالدموع..
الطفل يختلجُ، يلوب بفمه الجاف عن رشفة حليب دافئة، فتدنيه من صدرها مهدهدةً، ليشمّ رائحة دفء واعدٍ، تنام لها جوارحه المتجمّدة....
تركض ...تركض...تحاول أن تصمّ أذنيها عن أصواتٍ تلاحق سمعها، قنابل متفجّرة، أزيز رصاص، نسوة تولول، بيوت تحترق، ..تركض ..تركض..، تنخلع فردة حذائها عن قدمها ، لا تبالي...، تتعثّر بكومة أحجار، تفخّخت بوشاحٍ أبيضَ، انفلت وليدها من يدها، أخذ يبكي كا لمغشي عليه، زحفت إليه، تمدّ أصابعها الراعشة نحوه..،
تسمّرتْ عيناها على طيف يلتحف عباءة سوداء... بدا يتوضّح لها شيئاً، فشيئاً، رفعت بصرها ببطء...من القدم، حتى الرأس...ارتطم نظرها بعينٍ تخافها، عين ذئبٍ، كانت ترعب فرائصها، تجفل منها.
..أصيبتْ بدوارٍ أفقدها ما بقي من نبض، سألها بحدة: ــ إلى أين ؟؟؟
بصوت متقطع الحروف أجابته: ـــ أرجوووووك ...دعني أهرب...، جماعة ملثمة اختطفت زوجي، اقتادته معصوب العينين، مع غيره من الرجال، إلى جهة مجهولة، خشيت منهم ..، خاتلتهم وساقتني قدماي حيث تراني، ..أرجوك..دعني أمضي..
افترستْها عيناه، جذبها ...نهرها متمتماً بشفتين غليظتين، جافتين ـــ هيااااا .....انهضي، واتبعيني...
أدنت طفلها من حضنها، تشهق بالبكاء، تمسح بكمّها الطين اللزج العالق بثيابه، وبضع قطرات حمراء على طرف شفته.
تطايرتْ نظراتها صوب كلّ الاتجاهات...تلتمس طريقاً للهروب منه،..وقد أوشكت ...فهزّها بقسوةٍ آمراً: ــ قلت لك اتبعيني
فلم تجد بدّاً من أن تمشي خلفه مكسورة الخطوات، حتى وصل بها إلى دار ترابيّة، متآكلة الجدران، وفتح الباب عن غرفةٍ يتوسّط أرضها بساط صوفيّ عتيق، وفراش إسفنجيّ رقيق باهت اللون،
هياا ادخلي قالها: ( وهو يدفعها بغلظةٍ ) ...ثم أغلق الباب ...وغاب
تكوّرتْ على نفسها في زاوية الغرفة، وقد غطّ طفلها على أثر الإرهاق، في نومٍ يشبه وهنه أنين الموت..، تراءت لها الجدران قد تداخلت..دوائرَ ، دوائرَ..حتى استحالتْ إلى عين ذئب تشبه عينه، كما كانت تراها، مذ كانت طفلة تخشاها، وترتعد لها، نفس العين التي دخلت دار أهلها تطلبها حليلة، فذُرّ التراب بها مطرودةً واللعنات تلاحق صاحبها:: ـــ خسئ ابن الكافرة .....
نفس العين التي شهدتها يوم عرسها، ترقبها خلف السور، على غصن شجرة التين ، ذاتها التي كانت تشظّيها، تعرّيها، كلما تأبطت ذراع زوجها، تتبختر وسط الدروب، فتتبعها حتى الدار، ترصد ضوء نوافذها، حين تُضاء، وحين يختبئ خيالهما المتعانق وراء العتمة، حين تُطفأ....ذات العين التي أطبقت على حنق مكتومٍ، حين ضبط الزوج تتبّعها، فكاد يسملها مهدّداً: إياك أن تتجرّأ ، وتعيدها يا بن الكافرة....
بدأ الثلج يغزو الشباك العتيق، تسلّلتْ على رؤوس أصابعها ترقبه، وقد كاد قلبها يتوقف عن نبضه، بعد أن تناهى إلى سمعها صوت وقع أقدامه ، وطرطقة أوانٍ تخفت، وتعلو .....مسحت غباشة الزجاج من الداخل، وجدته في صحن الدار، يشعل كومة حطب...
عادت تفرك كفيها، تسدل ثوبها على منكبيها، تشبك أزراره حتى العنق، تغزو خيالها ألف صورة مرعبة التفاصيل،..جنون الخوف يعربد في حناياها..
أزيز الباب دلّها على أنه دلف إلى الغرفة، ...إنها تميز رائحته التي تكرهها مذ كانت برعماً، لم تقو على النظر في عينيه...تقدّم منها يدفع بكوب شاي ساخن إليها...قائلاً باختصار: اشربيه...
توجّستْ من ارتشافه، أعطافها الباردة تتمنى أن تدفأ به، ولكن خوفها ألجمها.
رجع إلى كومة النار المتأزّزة بشراهةٍ، لمزيد من الاشتعال، حرّك الجمرات بسيخٍ حديديّ، انتقلت حرارة النار إلى جسده:
ــــــ هاهو حلم العمر بين يديك...من أحببتها تضطجع على فراشٍ، تمنيت بلهفة حارقة أن تقاسمه معك...هاهي تحت إمرتك، فريسة ، تنتفض بين يديك خوفاً، فتزداد رغبتك في التهامها، وقعت في شباك أوصد عنها كلّ المنافذ، حيث لا أهل يبعدونها باحتقار عنك، ولا زوج يمسك بخناقك ...يعيّرك بطائفتك، يتفل في وجهك..
هيااااااااااا ...هياااااااا يا بن الكافرة، الوليمة الشهية بين يديك، فتشبّع بها حدّ الثمالة، واسكب أنفاسها المشتهاة بين عروق دمك، كم حلمت بأن تضمها بين ذراعيك تحت سقف واحد !!! كم تمنى صدرك أن يتوسّده رأسها الجميل، تغطيه خصلات شعرها !!! كم تمنيت أن تجوب أصابعك، تضاريس جسدها المرمري !!!
هياااااااااااا ...إنها فرصتك....جاءتك على قدميها الضعيفتين...هيااااااااااا..مااذا تنتظر ؟؟؟
وتوهّجتْ عين الذئب بألسنة نار، تلاقت مع ضوء قمر شتائي، يظهر للحظات، ثم يختبئ خلف غيمة بيضاء،..في ليلة ثلج عاصفة...
هزّه العواء، كلّ مابه جائع، يعوي...وقد سال لعاب الشهوة المحمومة على شفتيه..
ذرع المكان ألف مرة، صوت أقدامه يتوغل عميقاً في مسافات رعبها عند كلّ خطوة..
اقتحم الغرفة.،.تطاير شرر الرغبة المجنونة، كانت ترضع صغيرها، فسحبت فمه عن ثديها، فامتعض، وبكى يستجدي عطفها.. وأرختْ سدل جيبها بسرعة البرق، و التصقتْ بالحائط، وقد اصطكّتْ رجلاها ارتجافاً.
رمقتها عين الذئب، توقّفت عند تفاصيلها، تعرّيها أنملة، أنملة....سألت السماء أن يعجّل في موتها،..وهو يقترب منها شيئاً، فشيئاً، حتى صار بمحاذاتها، يسمع تسارع أنفاسها...
وفجأة بكتْ عين الذئب...وهو يخلع عباءته الصوفية السميكة عن جسمه المرتعش اضطراباً، يدفعها إليها بصوت أشبه بهذيان ينوح مختنقاً:
ـــ تدثري بها ...ونامي ..واستريحي..لن يمسك سوء... سأوصلك غداً إلى مكان آمن...تصبحين على خير..... ياااااااا أختي.
/ إيمان الدرع /
تعليق