بائع الخضروات
==============
في المساء، دفع عربته أمامه بعد عناء نهار طويل باع فيه خضرواته حتى هده التعب. جر قدميه التي انبطحت على الأرض وأصبحت كخفي جمل. حاول أن يقهر خوفه، وزخات المطر التي تلاحقه بلا توقف. السماء ملبدة بغيوم سوداء، وتنذر بعاصفة رعدية شديدة. دندن بأغنية حزينة اعتاد أن ينشدها في الأوقات العصيبة.
بدت الشوارع أمامه خاوية من كل ما ينبض بحياة، والصمت خلف جدران البيوت كصمت القبور.
لم يبق سواها يسمع صوتها على استحياء: كلاب تنبح، وتحرك أذيالها، وسرعان ما تهرع خائفة لتختبئ من مجهول ليلة حالكة استولى فيها الظلام على كل شيء، وأعلن بسطته على كل امتداد.
تمشى في الشوارع التي امتدت وأصبحت بلا نهاية. فجأة رأى شيئا يبرق أمام عينيه، ويزداد لمعانا كلما اقترب منه.
حدثته نفسه بأن يواصل طريقه إلى بيته ليحتمي من خطر محدق يبشر به صوت الرعد المدوي في السماء، والذي لا ينقطع لحظة واحدة. بيد أن هاتفا همس في أذنيه جعله يتقدم نحوها. بدت له كلما اقترب منها كأنها كرة زجاجية تبهره بألوانها المتلألئة.
زرعت داخله شكا بأنها كنز، وقد تكون جوهرة نفيسة. تذكر أحاديث الناس عن الكنوز التي تخرج للمحظوظين. ترك عربته، واندفع نحوها بلا إرادة.
تراكضت الأفكار والأحلام في رأسه، وجد يحدث نفسه بفرح قائلا:
- غدا سأصبح من الأثرياء، وأنفض غبار الفقر عني!
وقف فوقها، ثم انحني والتقطها، وحملها بين يديه. لامسها بأصابعه، فانطفأت جذوة فرحته. لم تكن سوى خدعة كبرى زينتها أنوار البرق المتلاحقة.
قذفها بقوة، وغاص في بحر من الأحزان. شعر بأكوام الخيبة تثقل فوق كتفيه، حدث نفسه بصوت أقرب للبكاء:
- المتعوس متعوس!
وقبل أن يترك نفسه طويلا لأحزانه، تذكر عربته، فقال بنبرة قوية يشجع بها نفسه ويواسيها:
- ليس لي سوى عربتي!
عاد حيث تركها، لكنه لم يجدها في مكانها. تلفت يمينا ويسارا، ولا أثر لها. جن جنونه!
لا أحد سواه في الفضاء الواسع يصارع الأمطار والرعد. فأين ذهبت؟
قطع الشارع ذهابا وإيابا دون جدوى.
اختفت تماما وكأنها لم تكن.
جلس على الرصيف ووضع يديه فوق رأسه. رأي الدنيا تضيق حوله حتى كادت تطبق على جسده، وزخات المطر تواصل هطولها فوقه بلا هوادة.
حدق في السماء يبحث عن نجمة لامعة، عساها أن تبعث له أملا. لم ير غير السواد الممتد؛ فنظر إلى أديم الأرض الغارق بالماء بحسرة وألم.
==============
في المساء، دفع عربته أمامه بعد عناء نهار طويل باع فيه خضرواته حتى هده التعب. جر قدميه التي انبطحت على الأرض وأصبحت كخفي جمل. حاول أن يقهر خوفه، وزخات المطر التي تلاحقه بلا توقف. السماء ملبدة بغيوم سوداء، وتنذر بعاصفة رعدية شديدة. دندن بأغنية حزينة اعتاد أن ينشدها في الأوقات العصيبة.
بدت الشوارع أمامه خاوية من كل ما ينبض بحياة، والصمت خلف جدران البيوت كصمت القبور.
لم يبق سواها يسمع صوتها على استحياء: كلاب تنبح، وتحرك أذيالها، وسرعان ما تهرع خائفة لتختبئ من مجهول ليلة حالكة استولى فيها الظلام على كل شيء، وأعلن بسطته على كل امتداد.
تمشى في الشوارع التي امتدت وأصبحت بلا نهاية. فجأة رأى شيئا يبرق أمام عينيه، ويزداد لمعانا كلما اقترب منه.
حدثته نفسه بأن يواصل طريقه إلى بيته ليحتمي من خطر محدق يبشر به صوت الرعد المدوي في السماء، والذي لا ينقطع لحظة واحدة. بيد أن هاتفا همس في أذنيه جعله يتقدم نحوها. بدت له كلما اقترب منها كأنها كرة زجاجية تبهره بألوانها المتلألئة.
زرعت داخله شكا بأنها كنز، وقد تكون جوهرة نفيسة. تذكر أحاديث الناس عن الكنوز التي تخرج للمحظوظين. ترك عربته، واندفع نحوها بلا إرادة.
تراكضت الأفكار والأحلام في رأسه، وجد يحدث نفسه بفرح قائلا:
- غدا سأصبح من الأثرياء، وأنفض غبار الفقر عني!
وقف فوقها، ثم انحني والتقطها، وحملها بين يديه. لامسها بأصابعه، فانطفأت جذوة فرحته. لم تكن سوى خدعة كبرى زينتها أنوار البرق المتلاحقة.
قذفها بقوة، وغاص في بحر من الأحزان. شعر بأكوام الخيبة تثقل فوق كتفيه، حدث نفسه بصوت أقرب للبكاء:
- المتعوس متعوس!
وقبل أن يترك نفسه طويلا لأحزانه، تذكر عربته، فقال بنبرة قوية يشجع بها نفسه ويواسيها:
- ليس لي سوى عربتي!
عاد حيث تركها، لكنه لم يجدها في مكانها. تلفت يمينا ويسارا، ولا أثر لها. جن جنونه!
لا أحد سواه في الفضاء الواسع يصارع الأمطار والرعد. فأين ذهبت؟
قطع الشارع ذهابا وإيابا دون جدوى.
اختفت تماما وكأنها لم تكن.
جلس على الرصيف ووضع يديه فوق رأسه. رأي الدنيا تضيق حوله حتى كادت تطبق على جسده، وزخات المطر تواصل هطولها فوقه بلا هوادة.
حدق في السماء يبحث عن نجمة لامعة، عساها أن تبعث له أملا. لم ير غير السواد الممتد؛ فنظر إلى أديم الأرض الغارق بالماء بحسرة وألم.
تعليق