سبع ساعات والحافلة تطوي المسافات،تغمض عينيها لتتخيل اللقاء القريب ، مرت سنوات وهي تمني النفس وتسلحها بالصبر والجلد ، اخير بدأ العد العكسي وسيتحقق الحلم وترتمي في حضنه ، ليحملها لسعادة تمنتها ليكون السند والظهر وعزوتها ، لكزتها رقية بوخزة خفيفة فأيقظتها من الافكار التي تكاتفت في مخيلتها لتخبرها وصول الحافلة لمقصدهم
مدينة كبيرة تفوق مد البصر ،بنايتها أشعرتها برهبة كبيرة من المجهول القادم .لم تغادر قريتها مذ أن حلّت بها طفلة ذات الأربع سنين.
ـ أتظنّين أنّه سيستقبلنا...
ـ أكيد... حددت موعدا بالهاتف معه ، فهو بانتظارك .أجابتها رُقيّة بنت فقيه قريتهم ومرشدها، ومعلمة في مدرسة .
ضغطت رقية بإصبعها على جرس الباب الفخم ،وحليمة كالبلهاء مسلوبة الارادة ، عنقها يؤلمها من كثرة الالتفاف والرفع والدوران طول مسافة الطريق ، تستكشف خبايا هذا التجمع السكاني الضخم المتراس بنظام عجيب يدل على ذوق رفيع ، عكس قريتهم ومبانيها المتفرقة العشوائية ...
كان العالم في عقلها الجاهل مختصرا في قريتها وتلك القرى المجاورة ، هناك يتشابه الطوب والحجر والبشر . كل شيء مختلف في مدينتهم ،حتى النساء انيقات جميلات بملابسهن العجيبة ونظيفات ويلمعن كحلوى العيد .
فتح الباب ،
انحنت حليمة وقبّلت يد الخادمة كعادة أهل قريتها في القاء التحية ، نهرتها رقية بغضب ،فاستقام عودها ثانية لتتساءل عن سبب غضب رفيقتها التي بدا على ملامحها واضحا:
أليست عادتنا ان نقبل أيادي بعضنا حتى لو كان غريبا ..
قالت مستفسرة عن غلط ارتكبته ربما سهوا.
انها خادمة البيت ، اتركي عنك عادتنا ، فعاداتهم لا تتمشى مع طبعنا البسيط .
نظرات اشمئزاز ترسلها الفتاة المتأنقة بثوب موحد ونظيف ،حسدتها عليه حليمة وهي تنظر لحال ملابسها المزركشة البالية التي تشبه الفزاعة وسطهم .
دخلت البيت الفاخر بأثاثه وديكوراته وألوانه الزاهية التي تسلب العقل،
انها الجنة التي يحدثنا عنها فقيه القرية اكيد . ومن يعش فيها سيكون سعيدا.رددت مع نفسها .
فرغت فاها وعيناها تتنقل بين أروقته وكل ما تملكه هي في حياتها –حنبلا- صوفيا نسجته بيدها ، باليا يغطيها صيفا وشتاءا وحصيرة دوم تفترشها في عشتها ، قرب زريبة الغنم .
تسمّرت في مكانها وهي ترى الرجل الأربعيني الأبيض ، الوسيم والأنيق أمامها ،
ملامحها تشبهه كثيرا ، لولا أن قسوة طقس قريتها وقصر يدها جعلت لون بشرتها مائلا للسُمْرة ،
ونحافتها الزائدة أخفت جمالها فبدا وجهها كأنه عظام مكسوة بجلد لا لحم فيها .
مدّ يده ليسلّم عليها ، استحيَت ،قد توسّخ يده الناعمة بيدها المتشققة والخشنة... فسحبتها بسرعة
خاب أملها حين ظنت حضنه سيلمها ويبكي حالها وتبكيه معه .
ـ هو نعم إنه هو ... كلّ هذه السنين وأنا أحلم برؤيته ولقاءه..وحضنه .
ارتبكت ، لم تفهم كلماته الموجهة إليها بالعربية... فاستنجدت نظراتها برقية ، تتوسل منها ترجمة فورية...
لم تتكلم ولم تسمع غير الآمازغية ،كانت لغتها منذ أن تزوجت أمها ثانية لترحل معها لتلك القرية الجبلية
تاهت بين كلماته ، لم تفهم منها غير ما ترجمة لها رقية بعجالة ،بدا لها كلاما بلا معنى ولا طعم من فم رفيقتها،فردد صداه اثاث منزل كبير وضخم فأضحت خرساء صماء تجمد الدم في عروقها وتصلبت لتصير امامه جسدا بلا روح ،لم تستطع ان تعانقه ،ولا هو اقترب منها ليختصر تلك المسافات التي فرقتهما طيلة السنوات التي غاب عنها ، لتحجب كلمات امها الحانقة واقعها :إنّه عربي الأصل ، لقد رحل وتركك ،لعينة انت لو كنت صبيا لما تركنا ، لقد طلقني لأنها غنية وقال انه يحبها ...
انطفأ الحلم بداخلها ، ليكسر بروازا جميلا رسمته ليوم للقاء ، فانهار الجسر الجميل في مخيلتها ليبعدها عن الحضن العظيم ولم يتبق لها غير
اسم نسب حملته بالولادة ، ودم يسري في عروقها ظنته للحظة سيفور ليتبرأ من واقع أمر من ماض عاشته .
دخلت فجأة ثلاث بنات رشيقات أنيقات ، في نفس عمرها تقريبا ، لم يبلغن الثامنة عشرة بعد .
أخذهنّ بحضنه ، وطبع قبلتين على خد كل واحدة منهن ...
رمقنها بنظرات استصغار..وتجاهلنها .
انها قطعة خردة بالية ومتسخة ، أفسدت جمالية المكان...
عرفتهن من كثر ما بغضتهن أمها أكيد أنّهنّ بنات زوجته.
ـ لقد أدخلهنّ أرقى المدارس... واشترى لهنّ أغلى الملابس والحليّ... وأنتِ فلذة كبده تركك للغريب،
اشكريه على ايوائه لك في بيته المتواضع ،يصارع الزمن من اجل لقمة عيش تكفينا انا وبناته ...
كانت امها تردد على مسامعها بحقد وغل كبير كلما شكت لها حالها .
مرارة كالعلقم سرت في حلقها وسممت دمها ، حاولت جاهدة أن تبلع ريقا خنقها :
ـ أخبريه رقية أنّني سأتزوّج في الشهر المقبل من راعي الحاج وجيه قريتنا ، وعليه أن يوقّع عقد الزواج وكذلك أريد نسخة من شهادة ميلادي حتى تكتمل أوراق الملف ، لقد بلغت سن الخامسة عشر ولا يزال هو الوصي.
ـ سأرسلها وسأكتب وكالة لخالها ليوقّع العقد مكاني....
مؤلم جرح المشاعر ، خصوصا ممن تظنه الدواء لكل داء ، ليتها توقفت عن الكلام ولم تترجمه بالحرف لتُبقي باب الآمل الكاذب مفتوحا ، وتمني النفس بلقاء اخر ...
ـ بابا... بابا... الغذاء جاهز .
إحساس غريب انتابها عندما نادته احداهن... تمنّت لو تكون هي من تنطق هذه الكلمة...
كم ردّدتها في نفسها ، كانت تؤنسها في خلوتها مع الغنم، وترددها لكل نعجة خفية ،بابا حتى انا عندي بابا ،
لتستطعم احساس الكلمة ومعناها ،فلا يعرف قيمة الشيء إلا فاقده . كم ليالي شتاء ضمت نفسها لتتحسس دفئه ، وتمني نفسها بضمة من أب حنون يعوض صبرها على زوج امها.
وجدت الاب لكن لم تجد مكانا شاغرا في حناياه ، فعيونه ونظراته لهن غير ما يرمقها به ،كأن القدر يعاقبها مرتين ، لغته تختلف عما تنطقه ، لم تحس بحلاوة كلماته وعذوبة صوته ، لتخنق في أعماقها تلك اللهفة والشوق والحنين طوال هذه السنين . خذلتها الحقيقة ، فتحطمت في خيالها مثاليته وصورة أب حلمت به ولم تتوافق مع الشخص الذي امامها الآن.
كان رسمها بسيطا لرجل وحضن وقلب ، وقبلة تمحي بها جفاف السنين وقسوة زوج أم ...
احست أنها نشازٌ هنا... وعالمه نبذها ، قبل أن يعرفها...ولم يترك لها مساحة تنبث هي فيها .
فمات الحلم الدافئ ليسكب على جرحها جفاء المشاعر وتبني المقامات جدار جليد فصل بينهما للأبد ، ليقتل الدمعة في أحداقها ويوصد باب الامل.
جلست على مائدة الطعام ، تطالع هذه الأصناف التي لا تعرف حتى اسمها ، ابتسمت حين رأت لحما ،
وهي من كان زادها اليومي وراء قطيعها ، كسرة خبز شعير ، وشايا باردا في زجاجة كوكاكولا...
كانت تجد اللحمة فقط في مائدة العيد الذي لم تحتفل إلا ببقاياه ، وولائم الحاج وحفلات أعراسه حين يرسلها زوج أمها كخادمة ،تجلب له بعض المال وبقايا اللحم للأسرة.
أو يوم تتصدق عليها رُقيّة بالغذاء من بيتهم... شفقة على حالها ، كباقي أهالي القرية...
حزن ،ألم وغيرة ، وهي ترى أباها وسط بنات زوجته ، يُداعبهن ويضحك معهن ويحضنهن وعيناه تنطق بحنو الآب ا لذي فقدته ، ليتشارك وزوجته فرحتهن وكل كلامهم عن مستقبلهن .
ابتسامة ساخرة خطتها على شفتيها كأنها تواسي حالها فهمها اكبر من أن تذرف عليه دمعا :
ـ " وأنا ، لا أب مهتمّ بوجودي... ولا يد أمّ حنونة رعتني...
ـ سنرحل بعد قليل فموعد الحافلة قريب .
باغتها صوت رقية ، كأنها تعمدت الكلام ، لتنتشلها من بحر الحزن الذي سلمت له روحها ليمزق بعضها بعضا.
ـ لا شيء مهمّ ، سأتزوج بأحمد ، فهو يتيم الأبوين ايضا،ٍٍونبني بيتا طينيا في قريتهم ، وتكون لي اسرتي .رددت في طريق العودة...
فلن اقتل الحلم في اعماقي
مدينة كبيرة تفوق مد البصر ،بنايتها أشعرتها برهبة كبيرة من المجهول القادم .لم تغادر قريتها مذ أن حلّت بها طفلة ذات الأربع سنين.
ـ أتظنّين أنّه سيستقبلنا...
ـ أكيد... حددت موعدا بالهاتف معه ، فهو بانتظارك .أجابتها رُقيّة بنت فقيه قريتهم ومرشدها، ومعلمة في مدرسة .
ضغطت رقية بإصبعها على جرس الباب الفخم ،وحليمة كالبلهاء مسلوبة الارادة ، عنقها يؤلمها من كثرة الالتفاف والرفع والدوران طول مسافة الطريق ، تستكشف خبايا هذا التجمع السكاني الضخم المتراس بنظام عجيب يدل على ذوق رفيع ، عكس قريتهم ومبانيها المتفرقة العشوائية ...
كان العالم في عقلها الجاهل مختصرا في قريتها وتلك القرى المجاورة ، هناك يتشابه الطوب والحجر والبشر . كل شيء مختلف في مدينتهم ،حتى النساء انيقات جميلات بملابسهن العجيبة ونظيفات ويلمعن كحلوى العيد .
فتح الباب ،
انحنت حليمة وقبّلت يد الخادمة كعادة أهل قريتها في القاء التحية ، نهرتها رقية بغضب ،فاستقام عودها ثانية لتتساءل عن سبب غضب رفيقتها التي بدا على ملامحها واضحا:
أليست عادتنا ان نقبل أيادي بعضنا حتى لو كان غريبا ..
قالت مستفسرة عن غلط ارتكبته ربما سهوا.
انها خادمة البيت ، اتركي عنك عادتنا ، فعاداتهم لا تتمشى مع طبعنا البسيط .
نظرات اشمئزاز ترسلها الفتاة المتأنقة بثوب موحد ونظيف ،حسدتها عليه حليمة وهي تنظر لحال ملابسها المزركشة البالية التي تشبه الفزاعة وسطهم .
دخلت البيت الفاخر بأثاثه وديكوراته وألوانه الزاهية التي تسلب العقل،
انها الجنة التي يحدثنا عنها فقيه القرية اكيد . ومن يعش فيها سيكون سعيدا.رددت مع نفسها .
فرغت فاها وعيناها تتنقل بين أروقته وكل ما تملكه هي في حياتها –حنبلا- صوفيا نسجته بيدها ، باليا يغطيها صيفا وشتاءا وحصيرة دوم تفترشها في عشتها ، قرب زريبة الغنم .
تسمّرت في مكانها وهي ترى الرجل الأربعيني الأبيض ، الوسيم والأنيق أمامها ،
ملامحها تشبهه كثيرا ، لولا أن قسوة طقس قريتها وقصر يدها جعلت لون بشرتها مائلا للسُمْرة ،
ونحافتها الزائدة أخفت جمالها فبدا وجهها كأنه عظام مكسوة بجلد لا لحم فيها .
مدّ يده ليسلّم عليها ، استحيَت ،قد توسّخ يده الناعمة بيدها المتشققة والخشنة... فسحبتها بسرعة
خاب أملها حين ظنت حضنه سيلمها ويبكي حالها وتبكيه معه .
ـ هو نعم إنه هو ... كلّ هذه السنين وأنا أحلم برؤيته ولقاءه..وحضنه .
ارتبكت ، لم تفهم كلماته الموجهة إليها بالعربية... فاستنجدت نظراتها برقية ، تتوسل منها ترجمة فورية...
لم تتكلم ولم تسمع غير الآمازغية ،كانت لغتها منذ أن تزوجت أمها ثانية لترحل معها لتلك القرية الجبلية
تاهت بين كلماته ، لم تفهم منها غير ما ترجمة لها رقية بعجالة ،بدا لها كلاما بلا معنى ولا طعم من فم رفيقتها،فردد صداه اثاث منزل كبير وضخم فأضحت خرساء صماء تجمد الدم في عروقها وتصلبت لتصير امامه جسدا بلا روح ،لم تستطع ان تعانقه ،ولا هو اقترب منها ليختصر تلك المسافات التي فرقتهما طيلة السنوات التي غاب عنها ، لتحجب كلمات امها الحانقة واقعها :إنّه عربي الأصل ، لقد رحل وتركك ،لعينة انت لو كنت صبيا لما تركنا ، لقد طلقني لأنها غنية وقال انه يحبها ...
انطفأ الحلم بداخلها ، ليكسر بروازا جميلا رسمته ليوم للقاء ، فانهار الجسر الجميل في مخيلتها ليبعدها عن الحضن العظيم ولم يتبق لها غير
اسم نسب حملته بالولادة ، ودم يسري في عروقها ظنته للحظة سيفور ليتبرأ من واقع أمر من ماض عاشته .
دخلت فجأة ثلاث بنات رشيقات أنيقات ، في نفس عمرها تقريبا ، لم يبلغن الثامنة عشرة بعد .
أخذهنّ بحضنه ، وطبع قبلتين على خد كل واحدة منهن ...
رمقنها بنظرات استصغار..وتجاهلنها .
انها قطعة خردة بالية ومتسخة ، أفسدت جمالية المكان...
عرفتهن من كثر ما بغضتهن أمها أكيد أنّهنّ بنات زوجته.
ـ لقد أدخلهنّ أرقى المدارس... واشترى لهنّ أغلى الملابس والحليّ... وأنتِ فلذة كبده تركك للغريب،
اشكريه على ايوائه لك في بيته المتواضع ،يصارع الزمن من اجل لقمة عيش تكفينا انا وبناته ...
كانت امها تردد على مسامعها بحقد وغل كبير كلما شكت لها حالها .
مرارة كالعلقم سرت في حلقها وسممت دمها ، حاولت جاهدة أن تبلع ريقا خنقها :
ـ أخبريه رقية أنّني سأتزوّج في الشهر المقبل من راعي الحاج وجيه قريتنا ، وعليه أن يوقّع عقد الزواج وكذلك أريد نسخة من شهادة ميلادي حتى تكتمل أوراق الملف ، لقد بلغت سن الخامسة عشر ولا يزال هو الوصي.
ـ سأرسلها وسأكتب وكالة لخالها ليوقّع العقد مكاني....
مؤلم جرح المشاعر ، خصوصا ممن تظنه الدواء لكل داء ، ليتها توقفت عن الكلام ولم تترجمه بالحرف لتُبقي باب الآمل الكاذب مفتوحا ، وتمني النفس بلقاء اخر ...
ـ بابا... بابا... الغذاء جاهز .
إحساس غريب انتابها عندما نادته احداهن... تمنّت لو تكون هي من تنطق هذه الكلمة...
كم ردّدتها في نفسها ، كانت تؤنسها في خلوتها مع الغنم، وترددها لكل نعجة خفية ،بابا حتى انا عندي بابا ،
لتستطعم احساس الكلمة ومعناها ،فلا يعرف قيمة الشيء إلا فاقده . كم ليالي شتاء ضمت نفسها لتتحسس دفئه ، وتمني نفسها بضمة من أب حنون يعوض صبرها على زوج امها.
وجدت الاب لكن لم تجد مكانا شاغرا في حناياه ، فعيونه ونظراته لهن غير ما يرمقها به ،كأن القدر يعاقبها مرتين ، لغته تختلف عما تنطقه ، لم تحس بحلاوة كلماته وعذوبة صوته ، لتخنق في أعماقها تلك اللهفة والشوق والحنين طوال هذه السنين . خذلتها الحقيقة ، فتحطمت في خيالها مثاليته وصورة أب حلمت به ولم تتوافق مع الشخص الذي امامها الآن.
كان رسمها بسيطا لرجل وحضن وقلب ، وقبلة تمحي بها جفاف السنين وقسوة زوج أم ...
احست أنها نشازٌ هنا... وعالمه نبذها ، قبل أن يعرفها...ولم يترك لها مساحة تنبث هي فيها .
فمات الحلم الدافئ ليسكب على جرحها جفاء المشاعر وتبني المقامات جدار جليد فصل بينهما للأبد ، ليقتل الدمعة في أحداقها ويوصد باب الامل.
جلست على مائدة الطعام ، تطالع هذه الأصناف التي لا تعرف حتى اسمها ، ابتسمت حين رأت لحما ،
وهي من كان زادها اليومي وراء قطيعها ، كسرة خبز شعير ، وشايا باردا في زجاجة كوكاكولا...
كانت تجد اللحمة فقط في مائدة العيد الذي لم تحتفل إلا ببقاياه ، وولائم الحاج وحفلات أعراسه حين يرسلها زوج أمها كخادمة ،تجلب له بعض المال وبقايا اللحم للأسرة.
أو يوم تتصدق عليها رُقيّة بالغذاء من بيتهم... شفقة على حالها ، كباقي أهالي القرية...
حزن ،ألم وغيرة ، وهي ترى أباها وسط بنات زوجته ، يُداعبهن ويضحك معهن ويحضنهن وعيناه تنطق بحنو الآب ا لذي فقدته ، ليتشارك وزوجته فرحتهن وكل كلامهم عن مستقبلهن .
ابتسامة ساخرة خطتها على شفتيها كأنها تواسي حالها فهمها اكبر من أن تذرف عليه دمعا :
ـ " وأنا ، لا أب مهتمّ بوجودي... ولا يد أمّ حنونة رعتني...
ـ سنرحل بعد قليل فموعد الحافلة قريب .
باغتها صوت رقية ، كأنها تعمدت الكلام ، لتنتشلها من بحر الحزن الذي سلمت له روحها ليمزق بعضها بعضا.
ـ لا شيء مهمّ ، سأتزوج بأحمد ، فهو يتيم الأبوين ايضا،ٍٍونبني بيتا طينيا في قريتهم ، وتكون لي اسرتي .رددت في طريق العودة...
فلن اقتل الحلم في اعماقي
تعليق