مفاجأة شديدة تلك التي صادفتني و أنا أخرج من منزلي و أتجول في أطراف المدينة : كانت الشوارع فارغة ، و النوافذ و الأبواب مقفلة ، و كان الهدوء باسطا سلطانه ، أستمتعت قليلا ، لكن ، سرعان ماهبت رياح الشك تداعب مشاعري و تهز أركان قلبي و تنبت فيه السؤال : أين ذهب الناس ؟ أين الأطفال الذين كانوا يقلقون راحتي و ينغصون علي نومي و يحرمونني من قيلولتي ؟ أين صراخ النساء و تعاركهن اليومي ؟ أين جيراني الذين يتابعون حركات الناس اليومية و بالتفصيل ؟ الحق أني اشتقت لضوضائهم ، لشغبهم ، لفضولهم ، إنهم يشعرونني بوجودي.
أين اللصوص الذين يتسللون إلى جيوب الخلق ، يسلوبنها ما حملت ؟ أين رجال الشرطة و هم يوقفونني و يطلبون مني أوراق ثبوتيتي ، حتى يغضوا طرف أعينهم ؟
ماذا حصل ؟ هل مرت من هنا طيور أبابيل ببراميلها المشتعلة ؟ لا وجود لمبان مهدمة ، و لا لجثت متفحمة تزين الشوارع بفظاعات الجرم المرتكب. إذن ، أين هم أحبابي ؟ أريدكم معي ، لا تتركونني وحيدا ، ثلج الوحدة يجمد أطرافي..
هل هناك مقابلة في كرة القدم جعلت الناس يتابعونها بدل التجوال في الطرقات ؟ المقاهي فارغة على عروشها ، لا حركة و لا نأمة ، أكاد أجن ، كل فرضياتي ذهبت هباء ، لم أجن سوى ريح الخيبة .
أحس بحنين للفراشة و هم يعددون جمال بضاعتهم و أنها مستوردة ذان جودة ، و لبائعي الخضر و السمك ، و لخصاماتهم الغريبة ، حيث تخرج السكاكين من قلوبهم الملأى بالضغينة ، و قد رفدتها أياد آثمة.
أين القطط و الكلاب الضالة ؟ كانت إلى قريب تجوب الشوارع بكل صلف. لا ، لست نائما ، لا يمكن أن يكون هذا حلما ، أبدا ، الهواء المنعش الذي يداعب وجنتي يقول لي إنني مستيقظ. لا أعاني من ضربة شمس .
و إذ فاجأني سرب طيور ، فقد انحنيت تفاديا لمخالبه ، حميت عيني بمرفقي لصده ، ظننته من تلك الطيور التي ظهرت في أحد أشرطة هيتشكوك. لكنها لم تؤذني ، حلقت بعيدا. لم أبال إلا بحماية نفسي ، لم أقرأ الحدث إلا بعد خروجي من الصدمة ، هناك حياة ، و إلا لما ظهرت الطيور ، هذه علامة على أني سليم الحواس. لكن ، أين ذهب الخلق ؟
هذا سؤال يحيرني ، يدخل في نفسي الخوف ، يجعلني مضطربا ، لكنه يشعرني بأني كائن اجتماعي ، فرغم حبي للعزلة و هروبي من الناس ، فذلك لا يحني حبي أن أكون وحيدا ، أن أعيش من دون الآخرين.
رباه ، أيقظني من هذا الكابوس اللعين ، أخرجني من محنتي الشديدة ، أنقذني من عزلتي..
و بقيت أنتظر حدوث المعجزة ، ان يظهر الناس ، أن تعود الحياة للشوارع ، للمدينة الملعونة.
بعد إرهاق البحث و الخوف ، عدت إلى المنزل ، انكببت على ورقة ، كتبت فيها عن مدينة صاخبة ، ضاجة بالحياة ، انقذفت فيها لأمارس العيش
2
تعليق