حمّى الألقاب
هكذا تعوّدَ أهلُ قريته على لقبه الجديد سلطان , قلّة هم الذين ينادونه باسمه الحقيقي , بعضهم سمّاه سلطان .. لأنّه حسب زعمهم دائم السلطنة , تراه يغني ويصدح بمواويلَ وأغنياتٍ لا أحد يفهم منها شيئاً إلاّ هُــــــــــو ...!
دائمُ الترنّح ... مسرعٌ في خطاه أينما سار وكيفما اتجه ..... لم يجنِ أبوه منه نفعاً من يوم ولدته أمّه .. لا بل اعتبره لعنةً أبديّـــــــة ًمن السماء ، أو عقوبـــــــة ًيُكـــفّـِـــر بها عن ذنوبــــــه إلى يوم الدين ...
آخرون اعتبروه بركة القرية و أحد أهمّ معالمها .....
قسمٌ أخر ... سمّاه " سلطان " لأنّه لا يحلو له الغناء والطرب والصراخ إلاّ فوق الأعمدة الأثرية , في ساحة القرية التي تعود إلى العصر الروماني .
المهمّ أنّ اسم سلطان هو اسمه الفنِّي , شأنه في ذلك شأن مطربي العصر... وسلطانُ هذا ..... بالإضافة إلى حــبّه وولعه بالطرب والغناء , هو من أخلص أصدقاء مخفر القرية يحوم حول إسطبل الخيل لعلّـــه يحظى بمهمةٍ ما... كأن يحمل أكياس التِّبن , أو ينظّف أرضَ الإسطبل من روث الخيل ، وينقله إلى الخارج ، و الأجر في نهاية العمل رغيف خبزٍ محشوٍّ بحلاوة الطحينة .
و سلطان هــــذا..... رســــولٌ و إذاعةٌ مجانيّـةٌ لرئيس المخفــر لا تعرف المواربة أو الانحياز, إن كان في نشر الخبر أو تلقِّـيـــــــــه .
مكانٌ آخرَ يستهوي سلطان... وكثيراً ما ضربهُ أبوه و عنّفه من أجل ارتياده هذا المكان .. - دار نورا المرأة الغريبة اللعوب - التي ضربت جذور الرذيلة في أساسات دارها...
اعتاد الرجل أن يجلس أمام بيتها، علّها تُـكلّفه بعمل ما فيكون فتحاً مبيناً له..... كأن يحمل عيدان الحطب إلى التنُّور، أو أن يطرد فأراً أو جرذاً دخل خلسة إلى البيت.
كان أجره في ذلك كلّه نظرة إلى ساقيها السمراوين أو إلى صدرها الممتلئ المتفجر نضارة و شهوة ، و هي لا تبخل عليه في ذلك أبدا ، و في كثير من الأحيان كانت تُعطيه قميصاً أو سروالاً لا بل كانت ترغمه وهو راض ، على تغيير ملابسه عندها .
... سلطان هذا تراث القرية في شخصه و مكانته و لوثته ، يحلو له دائماً أن يلبس أو تُـلبسه نورا كما تشاء ، مـــرةً كوفيـــة و عقالاً ، و مرة قفطاناً ، و مرة أخرى معطفاً عسكرياً طويلاً ذا أزرار نحاسية ( كالذي يرتديه الجنود الفرنسيون ) ينتعل بسطـــاراً جـــلدياً تـــراه دائماً ملــــوثاً بدمــــاء الجُــــرذان و الأفاعــــــي و السحالي ، التي يستهوي هرسها بهذا البسطار الصلب .
ويُحكــــــــــــــــى : ........
و يُــــــــــــــــــــروى : .......
أنّ والد سلطان عندما كبر ابنه سلطان و لم يرجُ منه نفعاً ، راح يُــرسله مع أخيه الأصغر إلى الحقول المجاورة كي يرعى الخراف ، فيكسب بذلك إبعاده عن القرية و استئناس أخيه به وقد أيقن الأب أن سلطان لا ينتمي إلى قوم العقلاء ، ولا معشر الخبلاء ، ...... و يقال إنَّـه في عصر أحد الأيام بينما كان سلطان مع مجموعة من الصبية يرعون الخراف ، شــــرد سلطان فابتعد قليلاً عنهم ، هجم ثلاثة شبان أشداء على الرّعــاة الصغار ، فهرب من هرب ووقع أخو سلطان بين أيديهم فأشبعوه ضرباً و ركلاً ً، و تراكض الصبية باتجاه سلطان خائفين مذعورين ، و قد تركوا خرافهم و أغراضهم وهم يصيحون ، إلحقْ يا سلطان ... أسرع يا سلطان ... قتلوا أخاك أشبعوه رفساً وضرباً و تعفيساً ...هيّا .... هيــّا يا سلطان دخيلك يا سلطان .....
شدّ الصِبية سلطان من يديه و من أطراف ثيابه ، دفعوه من الخلف واحتموا به ، علّه ينصرهم وينجدهم من بطش الشبان الغرباء .
بعد أن يئسوا من تحرّكه ، تعالت أصوات بكائهم صدرت عنه ابتسامة بلهاء و هو يتابع المشهد من بعيد ، رغى .. زبد ثم ضرب الأرض برجليـــــه ، و غرق من جديد في دوامة القهقهات و الضحك ، عُقدت ألسنة الصبية ، تَـمَـتْـرسوا خلفـــه و قد ملأ كل واحد منهم يده بالحجارة ، وضعوه أمامهم كــدرع و راحوا يدفعونه وهو يصيح و يصرخ بهم " لم أحمَ بعد لم أحمَ بعد " .. هيّـــا تحرّك ... جبان .... نَـذل ..... هيّا ... هيّا ... أخوك مات هيا ...
فكّروا أن هذه النعوت قد تحركُ فيه شيئاً من النخوة، أو تثير حميَّته لكن رّده أبداً " لم أحمَ ... اتركوني .... ابتعِدوا .... " ثم شرع يلّوح بذراعيه في الهواء و يدور في مكانه، و يقوم بحركاتٍ لا معنى لها.
استولى الشبانُ الثلاثةُ على زاد الصبية , ثم ساقوا عدداً من الخراف , و نزلوا في الدروب الوعرة , بيـــــن حقـــــول الزيتـــون و الكرز متجهين إلى مغارة تربض على سفح التلّ المقابل .
كانت حُجَّتهم أنّ القطعان ترعى في محمياتِ قريتهم , بعد أن تأكّد الصبيةُ و سلطان أنّ الغرباء قد ابتعدوا.. تراكضوا ملهوفين باتجاه أخي سلطان , وصلوا إليه , كانت الدماء تغطّي وجهه , و قد امتلأ فمهُ و أنفهُ بالتراب المجبول , بالدم بكى حينها سلطان بكاءً مسموعاً ضمّ أخاه إلى صدره مسحَ وجهه وسقاه شربة ماء .
قال الأخ الصغير: افعلْ شيئاً يا فاتــح..! أرجوك يا أخي كسّروا عظامي... سرقوا الخراف, لن يسامحني والدي إن علم بذلك.
فــاتــــــــح ..!؟ انسابت هذه الكلمة بين شرايينه الجّــافة.. فتّحت فيـــــه أزاهير الماضي , منذ متى و لـــم ينادني أحــــــــدٌ بهــــذا الاسم ؟!... مدّته الكلمة بقوة ٍهائلةٍ , جعلتهُ ينتفضُ واقفاً أسندَ أخاه إلى جذع زيتونة , خلع معطفه .. غطّــاه بــه.. ثم انطلق كالسهم يعـــــدو خلف الغرباء , أطلق صوتاً مرعبـاً مدويــاً " ذكرت النسوة فيما بعد أنهنّ سمعنْ الصوتَ من داخل بيوتهن في القرية " .. كالأفعوانِ انساب تلوّى في الدروب الصخرية الوعرة.. باغتهم كنمرٍ قبل وصولهم إلى المغارة , أذهلتهم المفاجأة فشلّت حركتهم , أعملَ فيهم العصيّ و الحجارة كسر يد أحدِهم .. وشجّ رأس الثاني و عفّر بالتراب رأسَ الثالث ثم قيدهم وعاد بهم مع الخرفان إلى رفاقه.. حمل أخاه على ظهره و عاد به مع الغروب .
كان الخبر قد سبقه إلى القرية , في طرفها الغربي استقبله أهلُ القريةِ .. يتقدّمهم أبوه فرحاً , غير مصدقٍ ما حدث غمرته بحورُ النشوة و هو يسمع أهلَ القرية تتعالى أصواتهم : بورك فيك يا فاتــــــح ... أنت بطلٌ يا فاتح تمنّى عندها أنْ يكونَ هذا الاسم آخر اسم له .
*********
هكذا تعوّدَ أهلُ قريته على لقبه الجديد سلطان , قلّة هم الذين ينادونه باسمه الحقيقي , بعضهم سمّاه سلطان .. لأنّه حسب زعمهم دائم السلطنة , تراه يغني ويصدح بمواويلَ وأغنياتٍ لا أحد يفهم منها شيئاً إلاّ هُــــــــــو ...!
دائمُ الترنّح ... مسرعٌ في خطاه أينما سار وكيفما اتجه ..... لم يجنِ أبوه منه نفعاً من يوم ولدته أمّه .. لا بل اعتبره لعنةً أبديّـــــــة ًمن السماء ، أو عقوبـــــــة ًيُكـــفّـِـــر بها عن ذنوبــــــه إلى يوم الدين ...
آخرون اعتبروه بركة القرية و أحد أهمّ معالمها .....
قسمٌ أخر ... سمّاه " سلطان " لأنّه لا يحلو له الغناء والطرب والصراخ إلاّ فوق الأعمدة الأثرية , في ساحة القرية التي تعود إلى العصر الروماني .
المهمّ أنّ اسم سلطان هو اسمه الفنِّي , شأنه في ذلك شأن مطربي العصر... وسلطانُ هذا ..... بالإضافة إلى حــبّه وولعه بالطرب والغناء , هو من أخلص أصدقاء مخفر القرية يحوم حول إسطبل الخيل لعلّـــه يحظى بمهمةٍ ما... كأن يحمل أكياس التِّبن , أو ينظّف أرضَ الإسطبل من روث الخيل ، وينقله إلى الخارج ، و الأجر في نهاية العمل رغيف خبزٍ محشوٍّ بحلاوة الطحينة .
و سلطان هــــذا..... رســــولٌ و إذاعةٌ مجانيّـةٌ لرئيس المخفــر لا تعرف المواربة أو الانحياز, إن كان في نشر الخبر أو تلقِّـيـــــــــه .
مكانٌ آخرَ يستهوي سلطان... وكثيراً ما ضربهُ أبوه و عنّفه من أجل ارتياده هذا المكان .. - دار نورا المرأة الغريبة اللعوب - التي ضربت جذور الرذيلة في أساسات دارها...
اعتاد الرجل أن يجلس أمام بيتها، علّها تُـكلّفه بعمل ما فيكون فتحاً مبيناً له..... كأن يحمل عيدان الحطب إلى التنُّور، أو أن يطرد فأراً أو جرذاً دخل خلسة إلى البيت.
كان أجره في ذلك كلّه نظرة إلى ساقيها السمراوين أو إلى صدرها الممتلئ المتفجر نضارة و شهوة ، و هي لا تبخل عليه في ذلك أبدا ، و في كثير من الأحيان كانت تُعطيه قميصاً أو سروالاً لا بل كانت ترغمه وهو راض ، على تغيير ملابسه عندها .
... سلطان هذا تراث القرية في شخصه و مكانته و لوثته ، يحلو له دائماً أن يلبس أو تُـلبسه نورا كما تشاء ، مـــرةً كوفيـــة و عقالاً ، و مرة قفطاناً ، و مرة أخرى معطفاً عسكرياً طويلاً ذا أزرار نحاسية ( كالذي يرتديه الجنود الفرنسيون ) ينتعل بسطـــاراً جـــلدياً تـــراه دائماً ملــــوثاً بدمــــاء الجُــــرذان و الأفاعــــــي و السحالي ، التي يستهوي هرسها بهذا البسطار الصلب .
ويُحكــــــــــــــــى : ........
و يُــــــــــــــــــــروى : .......
أنّ والد سلطان عندما كبر ابنه سلطان و لم يرجُ منه نفعاً ، راح يُــرسله مع أخيه الأصغر إلى الحقول المجاورة كي يرعى الخراف ، فيكسب بذلك إبعاده عن القرية و استئناس أخيه به وقد أيقن الأب أن سلطان لا ينتمي إلى قوم العقلاء ، ولا معشر الخبلاء ، ...... و يقال إنَّـه في عصر أحد الأيام بينما كان سلطان مع مجموعة من الصبية يرعون الخراف ، شــــرد سلطان فابتعد قليلاً عنهم ، هجم ثلاثة شبان أشداء على الرّعــاة الصغار ، فهرب من هرب ووقع أخو سلطان بين أيديهم فأشبعوه ضرباً و ركلاً ً، و تراكض الصبية باتجاه سلطان خائفين مذعورين ، و قد تركوا خرافهم و أغراضهم وهم يصيحون ، إلحقْ يا سلطان ... أسرع يا سلطان ... قتلوا أخاك أشبعوه رفساً وضرباً و تعفيساً ...هيّا .... هيــّا يا سلطان دخيلك يا سلطان .....
شدّ الصِبية سلطان من يديه و من أطراف ثيابه ، دفعوه من الخلف واحتموا به ، علّه ينصرهم وينجدهم من بطش الشبان الغرباء .
بعد أن يئسوا من تحرّكه ، تعالت أصوات بكائهم صدرت عنه ابتسامة بلهاء و هو يتابع المشهد من بعيد ، رغى .. زبد ثم ضرب الأرض برجليـــــه ، و غرق من جديد في دوامة القهقهات و الضحك ، عُقدت ألسنة الصبية ، تَـمَـتْـرسوا خلفـــه و قد ملأ كل واحد منهم يده بالحجارة ، وضعوه أمامهم كــدرع و راحوا يدفعونه وهو يصيح و يصرخ بهم " لم أحمَ بعد لم أحمَ بعد " .. هيّـــا تحرّك ... جبان .... نَـذل ..... هيّا ... هيّا ... أخوك مات هيا ...
فكّروا أن هذه النعوت قد تحركُ فيه شيئاً من النخوة، أو تثير حميَّته لكن رّده أبداً " لم أحمَ ... اتركوني .... ابتعِدوا .... " ثم شرع يلّوح بذراعيه في الهواء و يدور في مكانه، و يقوم بحركاتٍ لا معنى لها.
استولى الشبانُ الثلاثةُ على زاد الصبية , ثم ساقوا عدداً من الخراف , و نزلوا في الدروب الوعرة , بيـــــن حقـــــول الزيتـــون و الكرز متجهين إلى مغارة تربض على سفح التلّ المقابل .
كانت حُجَّتهم أنّ القطعان ترعى في محمياتِ قريتهم , بعد أن تأكّد الصبيةُ و سلطان أنّ الغرباء قد ابتعدوا.. تراكضوا ملهوفين باتجاه أخي سلطان , وصلوا إليه , كانت الدماء تغطّي وجهه , و قد امتلأ فمهُ و أنفهُ بالتراب المجبول , بالدم بكى حينها سلطان بكاءً مسموعاً ضمّ أخاه إلى صدره مسحَ وجهه وسقاه شربة ماء .
قال الأخ الصغير: افعلْ شيئاً يا فاتــح..! أرجوك يا أخي كسّروا عظامي... سرقوا الخراف, لن يسامحني والدي إن علم بذلك.
فــاتــــــــح ..!؟ انسابت هذه الكلمة بين شرايينه الجّــافة.. فتّحت فيـــــه أزاهير الماضي , منذ متى و لـــم ينادني أحــــــــدٌ بهــــذا الاسم ؟!... مدّته الكلمة بقوة ٍهائلةٍ , جعلتهُ ينتفضُ واقفاً أسندَ أخاه إلى جذع زيتونة , خلع معطفه .. غطّــاه بــه.. ثم انطلق كالسهم يعـــــدو خلف الغرباء , أطلق صوتاً مرعبـاً مدويــاً " ذكرت النسوة فيما بعد أنهنّ سمعنْ الصوتَ من داخل بيوتهن في القرية " .. كالأفعوانِ انساب تلوّى في الدروب الصخرية الوعرة.. باغتهم كنمرٍ قبل وصولهم إلى المغارة , أذهلتهم المفاجأة فشلّت حركتهم , أعملَ فيهم العصيّ و الحجارة كسر يد أحدِهم .. وشجّ رأس الثاني و عفّر بالتراب رأسَ الثالث ثم قيدهم وعاد بهم مع الخرفان إلى رفاقه.. حمل أخاه على ظهره و عاد به مع الغروب .
كان الخبر قد سبقه إلى القرية , في طرفها الغربي استقبله أهلُ القريةِ .. يتقدّمهم أبوه فرحاً , غير مصدقٍ ما حدث غمرته بحورُ النشوة و هو يسمع أهلَ القرية تتعالى أصواتهم : بورك فيك يا فاتــــــح ... أنت بطلٌ يا فاتح تمنّى عندها أنْ يكونَ هذا الاسم آخر اسم له .
*********
تعليق