شجرة جفاها الثمر - قصة ادبية من الواقع

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د نزار نبيل الحرباوي
    أديب وكاتب
    • 16-08-2014
    • 76

    شجرة جفاها الثمر - قصة ادبية من الواقع

    شجرة جفاها الثمر

    إذا ضنَّ البحرُ بما في جوفه على الصيادين المنتشرين على حدوده، ومنعهم خيرَه ومحتواه، فإن الرد الطبيعي عليه أن يجعله الناس مكبًّا للنفايات، ومنتهى لبصاق كل مارٍّ. بهذا الفهم الشمولي تتعامل الدنيا مع بنيها، إما أن تكونوا أشجارًا مثمرة فوقي يستظل الناس بوارفِ ظلالكم، ويقصدونكم إذا مسهم طائفٌ من الجوع، وتخدُموا البشر حتى حين تلفظون آخر أنفاسكم الكلوروفيلية، حين يقطعونكم للتدفئة والاستنارة، وإما أن تكونوا زيادة على ظهري، يتساوى في واقع الموجودات مَحياكم ومماتكم. وحين يكون الإنسان رساليًّا، يتوجب عليه أن يغالب الموج ويسبح ضد التيار، وإلا فقَدَ نور التميز في كيانه، وبات هو وكل مَن حوله سواءً، لا تكاد تجد سِمة فارقة بينهم، فلا تعتب على جاهل تصدَّر موقعًا مرموقًا بين الخلائق، ولكن تصب جام غضبك وعتبك على متعلم تسبقه في تبليغ عِلمه إلى الناس سلحفاةٌ، ويُدَعُّ ليقول كلمة الحق دعًّا. مثل هذه النوعية الخربة، إنما هي نبتة زرعها الزراع وسمَّدوها وجهدوا في رعايتها حتى استوت على سُوقها، ومدت فروعها تطاول عَنان السماء، ولما حان موعد الثمر، إذا بها تطرَحُ بكل لؤم إلى العيون التي تعهدتها بالرعاية شوكًا بدل أزاهير الثمار. امتطت عيناي صهوة البحث في البيئة التي كنت أحل بها أيام المحنة والأَسْر، وكنت ألتقي بنوعيات من الطبقة الواعية، أو شريحة المثقفين، كما يسميها الناس في اصطلاحهم، ولكن بعضهم كانوا يعيشون على هامش الحياة، لا يؤثِّرون فيها نقيرًا، فتجد بضاعتهم في عِلمهم مزجاةً، ونفوسهم قد تقهقرت في تخبطها وجُبنها من اللقاء والمواجهة، كما يقف الطالب في كلية الطب يمسك بيده المشرط أمام جثة يُطلَبُ منه تشريحها والتعامل مع أحشائها! أوْجُ العجب حين ترى متخصصًا في أحد فنون هذه الدنيا، عاش مع دقائق جزيئاته أعوام دراسته العليا، واجتاز المسافاتِ الجامعية الواحدة تلو الأخرى ليخرج إلى المجتمع صفحة بيضاء، كأنَّ أذنيه تحولتا إلى الإرسال بدل الاستقبال. خلال تجوالي في مقابر الأحياء، صادفت العديد من هذه النماذج التي تنُوح عليها أزاهير الرياض، وتنعاها دورة الفصول، فإذا حل الشتاءُ منعه البردُ من العطاء، وإذا لبست الدنيا حلَّتها البيضاء خبأ فضله - كنَعَامة خائفة - في الرمال، وإذا حل الربيع انشغل بجمال الطبيعة التي لا يراها أصلاً، وأورقَتْ في قلبه زهورُ الحنان والعطف، وإذا جاء الصيف أخمد الحرُّ بقَيظه ثورتَه، وإذا ما هلَّ الخريفُ تساقطت روحُه الإيجابية أو ما تبقَّى منها مع أوراق الأشجارِ المنحدرة إلى الوحل. لقد راعني في منفاي القسريِّ أن أقف مكتوف الأيدي أمام هؤلاء، فجالست العديد منهم محاولاً أن أوقد فيهم نارَ التوقُّد والتوثُّب، ولكن حجري الصوّان في يدي كانا متكلّسينِ، أو أن الأخشاب والأوراق في قلوبهم قد ابتلَّت بماء اللامبالاة. وكان "أنس" أحد هؤلاء، كنت أجُسُّ نبضه في أوقات فراغي لأجده يمتلك مادة يمكنه أن ينقُلَها إلى غيره؛ فهو متعلم ذو خبرة سابقة، ولكنه أبى - وبكل شدة - أن يقف بين الناس معلمًا، في تخلٍّ سافر عن دوره الرئيس في الحياة. إذًا لِم يتعلَّم أمثالُه؟ ومن أجل أيِّ هدف؟!إن فقراءَ النفوس من أمثاله حتى لو فاضت معلوماتهم في قلوبهم كفيضانات النيل الغاضب، ولو تمرَّسوا في بناء القواعد العِلمية والإدارية في مجاهيل قلوبهم دون أن ينقُلوها إلى غيرهم، فهم مبتورون لا عقِبَ لهم، وسيموت إبداعُهم ويُقبَرُ معهم في نفس اللَّحد، حتى يمرَّ الراكب على بلدانهم يسأل عن آثارِ رجالها، فيُذكَر ساقةُ الناس ولا يُذكَرون. أعياني نقاشه، واحتلتُ عليه بِما أوتيت من حجة ومنطق، وكان كلما وصلنا إلى نقطة مفصلية يتملَّص من الخوض فيها كقطعة الصابون في يد أحدنا، حتى إذا دعتني نفسي للعزوف عنه وعدم إهدار وقتها في أمور لا طائلَ تحتها، انبجَسَتْ في نفسي حسراتُ التأفُّفِ والحزن عليه وعلى أقرانه، ونعَيْتُه إلى أمته وقضيّتِه شهيدَ خَوَر وضعف واستكانة. حدود معرفتي، وسقف اطلاعي وحُكمي على الرجال يكون بالأثر الذي يتركونه خلفهم؛ فهم في مجتمعهم كمغناطيس يجذب الناس إليهم، وهم في عطائهم منارةٌ تُرشِدُ كلَّ ضال وتائهٍ، وتراهم في صبرهم واحتمالهم وعزائمهم يدُوسون على صخورِ الطريق التي يتخذونها سُلَّمًا للرقي، وهم إذا عصفت بهم عاديات الليالي ونوائب الدهر حطموا كلَّ سدود الصمت، وتمرَّدوا على دعوات النفس بالتخلِّي، فكانوا لفسطاط أمتهم أعمدةً استنادية، وكانوا في مواجهة خصومها قلاعًا محصنة في أعالي الجبال، يُعَد الاقتراب منها انتحارًا محتومًا. أما في هذا العصر الذي انتشر على جسده طفح جلدي خاص يسمى التراخي، هو بحاجة إلى ثورة طبية شاملة حتى تقمع جذوره وتستأصل خلاياه دون رحمة، فهذا المرض إذا استباح الدعاة دَمْدَم عليهم عمرانهم الذي بنَوْه، وكان مِعولَ هدم خلف كلِّ بانٍ مِعطاء. حين كنت أراه يجلس متكئًا على سريره ساعات طويلة لا يثمر في تربية الناشئة وإخوانه معروفًا، أو مُضطجعًا أو غارقًا في لهوه كنت أهزُّ رأسي استهزاءً بعِلمه الذي خانه، وبعقله الذي أصبح قربةَ ماءٍ مثقوبة من كل صوب، فلا يرسو بها إلا ما يُقام به الأَوَد. ألِمِثل هذا جهدت الأمَّةُ في تربيتكم؟!أم إذا مسكم قدر الله بابتلاء جزعتم كرعاة الإبل الذين ما تعلَّموا من الدنيا سوى قيادة القطعان؟!ما بال هذه النفوس قد التصقت بتراب الفقر وهي نفِيسة سامية؟ ما بال صفائها قد خبا؟ وسماحتها قد جفت؟ وآلائها قد اهترأت حتى باتت ككتابٍ ضخم لا يوجد فيه سوى عنوانه، وما وراء العنوان لو أمعنت النظر ما وجدت حبة من خردل؟! إن أمثال أنسٍ كُثر، حازوا من المواهب والطاقات والقدرات ما يؤهلهم لسكنى الكواكب، ومما يملّكهم القول الفصل في العمل والعطاء على حد سواء، ولكنهم تلكَّؤوا، واثَّاقلوا إلى الأرض لا يلوُون على عطاء، ولا ينوُون ترك أثَرِ. بإمكانك يا أنس أن تربي وتدعم، بإمكانك أن تبني وتعمُر؛ فمشوار الألف ميل يبدأ بنية صادقة تتبعها بخطوة أولى، فبادِرْ وكن سباقًا لماحًا؛ فهذه أمتك افترستها الآفات، وأحاطت بها البلايا، ودورك في حياتك أن تنشر العلمَ والتُّقى والرُّشد، وإلا خنت اللهَ ورسوله وأمَّة المسلمين وعامتهم. كنت أصاب بحالةٍ من الفزع الداخلي حين كنت أسمع جوابه المقرون بحركة رأسه: لا!كانت تهوي عليَّ كطعنةٍ نجلاء، حيث لا أحتسب ولا أتوقع، وأراها تضَعُني في وحشة قبر أطبق عليَّ وأنا حيٌّ أُرزَقُ، فقل لي بربِّك: ماذا أضاف هؤلاء على حياة الناس؟! ماذا جددوا في قلوب الخلائق؟وأين دورهم الريادي الذي كدَّ المجتمع وسهر الأهل وأُنشِئت من أجلِه كلُّ صروح العلم، وخصصت لها الكفاءات والطواقم؟!وبعد كل هذا تنزوي يا أنس؟! الأجدرُ بمطأطئي الرؤوس في زمن المحن وقد غاب عن أنفسهم ذلك أن يوفروا على أنفسهم عَناءَ المسير، وأن يقبلوا بحالهم بدل التمادي في أمر هم أول من يقتنع بزُوره؛ فالواقع لا يترك لنا مجالاً للمراهنة على شخص يُحسُّ بالأرواح تحلق في سماء خياله، وتُعَد عليه أنفاسه، ويرتفع في مروج الخرافة والرعب غير المبرَّر حتى تفقدَه الهيبةُ ذاتَه، ويستأصل التخيُّل خضراءَه. فأنت يا طالب العلم قد أعطتك الدهور صكًّا تُولَد بموجبه كبيرًا راشدًا، وأعطتك الحضارة منها وكالة وتفويضًا لكي تتسامى وتتعاظم، لا لتتقزم وتذوي؛ فسهمُ الله الذي وُضِع في جَعبتك لا بد أن يفارق قوسك، والماء الراكد يأسَنُ لا محالة، والليث الذي لم يتعوَّدْ على التجوال والبحث عن طرائده لا يعدو كونه قطًّا منتفخًا. اغرورقت عين الغمام بلوعة من حديثي وما اغرورقت عيناه، وشاب رأس الجبل البادي أمام نواظِرِنا وما تفتَّحت أُذناه، وبات في ريعان شبابه وهو لم يُنهِ ربيعَه السادس والعشرين مثقَلاً يسير بخفين من الباطون الثقيل، حتى تكاد تُلحقه بمن احدودب ظَهرُه من هول النائبات، وكأنه لم يفقِدْ في شبابه شيئًا سوى روح الشباب! تخيَّلت مستقبل هذا الشاب، وبأي وجه سيواجه مجتمعه، وأي عين سيفتحها في مقابلة أناسٍ جاؤوه يتسوَّلون من عِلمه فردّهم من بابه خائبين منكسِري النفس. تخيَّلته وقد جرَتْ عليه عادات مجتمع مختلِّ الموازين وقد نال مكانة من أمته، فرأيته كفلاَّح بذر أرضه وتعب فيها وكدَّ وجهد حتى أينعت الأوراق وبزغت السوق، فطاف على أرضه العامرة جرادُ اليأس فتركها قاعًا صفصفًا، سوَّى فيها شوامخَ النبتِ بالبِذار التي لم يحالفها الحظ فظلت مخبوءةً في أعماق الأعماق، فأنَّى لهذا الفلاَّح وقد قهرته نائبةُ الجراد أن يمنِّيَ الناس بزرعه وثماره؟! أيها السيد، من باع الناس ليشتري علمًا لا يظهر أثره على رؤوس الأنامل، فستبيعه البشرية دون عِوض، وستُكبِّله وتقذفه مع أول قافلة تقصِد غاباتِ النسيان، ولن تذرف على ودَاعه دمعةً كرؤوس الذرِّ. إن عالَم المؤسساتية الذي نحيا فيه يحتم علينا أن نضع الأمور في نصابها، وأن نعدَّ للأمر عدَّتَه، وأن نحشدَ كل طاقة ممكنة لمواجهة الصائل الذي تعددت أسماؤُه، وتعددت مواقعه، وتنوَّعت وسائله، وإلا بِتْنا كمن نزل إلى ميدان الحرب دون أن يتزنَّرَ بسلاحه، أو كمن قدم لوظيفة للتدريس في الكليات الدراسية العليا وهو أُمِّيٌّ. فإن تخليت أنت، وتخليت أنا، وهجر الدربَ ذاك، وقصرت نوقُ أولئك، فلمن تكل حلبة الصراع؟ أم أننا سنكرر قول بني إسرائيل لموسى حين تخلوا عنه: ﴿ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ [المائدة: 24]؟! وبينما أسرح في تيارات التخيُّل إذا به يجثم أمامي، ثم دنا نحوي ببطءٍ وعيناه تنشران حديثَ التشكُّك، وتحدَّث معي بنبرة صوته الهادئة، وبعد أن أطرقت له سمعي دون أن أنبِسَ ببنت شَفَةٍ، طلب مني رأيي، وكان قد عرض عليَّ أن أعِينَه في بحث عِلمي يكتبه. حدقت في عينيه طويلاً، كان كالرضيع قرَص الجوعُ أحشاءَه، وما إن أنهى حديثه العلمي، سلطت عليه من عيني سوط عذاب، لو كان فيه مقدار خردلة من الوعي ما لبث بعدها لحظة، ولكنه يبحث عن ذاته باقتناع زائفٍ أن العِلمَ التجريدي واقتناص المعرفة من رياضِها هو أساسُ الرِّفعة، دون أن يكونَ لديه الحدُّ الأدنى من الإرادة التغييرية. ولاتساع البونِ بيني وبينه، وبين أطروحاته التي تصادمت بشكل كلي مع نظرتي للعمل والحياة، حشدت بلاغة القول في ذهني، وانتقيتُ أبلغ الكلمات لديَّ، كما يصطفي القائد خير جنده لأداء مهمات خاصة يوكلها إليهم، وانهلتُ عليه بها بعد صمت طويل، فكنتُ بِصَمْتي كالماء الرقيق الذي يبعث في عين رائِيه صورةَ الرقة والدَّعة، وما إن تحدثتُ جعلت من حديثي ماءً يسقط من أعلى قمة جبل شامخ، فيَهوِي عليه ليس يسعفه منه قارب نجاة. قد أكون قاسيًا بعض الشيء، ولكن الحياة قد علمتنا في جامعاتها التخصصية أنه لا يعيش فيها من اعتنى بذاته، واستعبدته لذَّاته حتى خر لها راكعًا ساجدًا، إن هذه الدنيا ميدانُ ابتلاء، ولو علمنا أنها دارُ قرارٍ لاصطرعنا عليها اصطراعَ الوحوش الكاسرة في البرِّية، ولكنها مغالبة للباطل وحزبه، واستعلاء على جِراحٍ لا تملِكُ وقتًا مداواتها. ومع صلصلة الحديث الجارح، لم أنْسَ أن أُبقيَ له باب الأمل مفتوحًا؛ علَّه يُقدِم بعدما أحجَم، أو تدفَعُه عزيمةٌ طارئة على ولوج بوابة العطاء بعد تردُّد، ومَن قال: إن البذرة التي هوت تحت صخرة لم يطلها الماء هذا العام لن يصلها العام المقبل، أو الذي يليه؟! يا حسرةً على جيل العِلم المقعد، هذا البعض الذي شوَّه سمعة الكل، وهدم بناءً قد بدأ يعلو ويسمو، ستَتْفُلُ الأيام في وجهِ مَن تراخى، وستبصُقُ الأجيال على قبرِ مَن تناكص، ولا ينفع في ساحة الحرب الضروس استجداءٌ مِن ضعيف لا تحميه قوة. عندما فهمت ألف باء العِلم، وهضمتها بجوارحي، هكذا تعرفت إليها، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يبدلوا قناعاتي ما فعلوه، فهل بعد الصواب إلا الزيغ؟! وهل بعد الحق إلا الباطل؟!





  • د نزار نبيل الحرباوي
    أديب وكاتب
    • 16-08-2014
    • 76

    #2
    بانتظار مشاركاتكم وملاحظاتكم الطيبة

    تعليق

    يعمل...
    X