احتمينا بمرقص هروبا من رتابة الوقت و برودة طقس أصيب بتغير بشكل مفاجئ فانتقل من الإعتدال إلى البرودة اللاسعة ؛ كانت الأمطار عنوان الأمسية ، نفضنا عن ملابسنا ما
تيسر من بلل ،و أودعنا معاطفنا لدى المكلف بذلك ، و كأننا نتحرر من ثقل سفيه أراد بنا شرا؛ بعدها توجهنا للحلبة حيث كانت الأجساد تراقص الأجساد في تناغم عجيب وفق رقص مضبوط تحت أنوار مشتعلة و بالألوان مزينة. و انخرطنا في حميا الجمع انتصارا للحب و تطهيرا للنفس من رواسب البلادة و هياج البؤس.
أتذكر يوم نشرت صورتها على صفحتها ؛ سروال دجينز أزرق بارد التصق بها فبانت تضاريس ثروتها ، و قميص بمربعات بين الأخضر و الأزرق اللامع ، و شعر مقصوف إلى الوراء ، و عينان براقتان تشيان بذكاء و فتوة. اهتز قلبي بل زلزل زلزالا ، و تصدعت أركانه ،هل أصبت بالحب ؟. كانت ذات جمال شرس كاد يفتك بقلبي الذي انتصب كعنق يريد مقصلة عن طيب خاطر ، راسلتها على الخاص فتجاهلتني. جفاني النوم و تصلبت أجفاني و تعرق بدني و كدت أصاب بالحمى ،هي أعراض الحب و لا شك ، بل أصبت بها حتى إني بدأت أهلوس. و تفتق ذهني عن حيلة لترطيب الأجواء فكانت قصيدة في مدح جمالها ادعيت أني ناظمها ، تناول جسدها البض و الغض ، الممتلئ في غير إفاضة و لا ترهل . قوام ممشوق و وجه مشرق باسم. أذكر أني كتبت لها :
فإذا صحوتُ فأنت أوّلُ خاطري
وإذا غفا جفني فأنت الآخر
و الحق أني لست الناظم ، فالبيتان ظلا عالقين بذهني ينتظران مثل هاته المناسبة.
أعجبت بما كتبته لها ، فشكرتني ، و تلك نقطة البداية و صلاح نفسي. صرت أبحث في الشبكة عن قصائد غزلية غير معروف صاحبها حتى لا أقع في ورطة الانكشاف فتتعرى ذاتي فيكون انهيار صورتي لديها؛ ثم إني لم أكن أريد أن أكون كاذبا ؛ لأن ذلك يعني زيف العلاقة ، و ما كان نبضي زائفا. و بعد مراسلات و صور و غراميات انتقلنا من الافتراضي إلى الواقعي ، كنا نسير في الطريق متحدين كما لو كنا عصفورين يغردان بمتعة و يرتشفان جمال اللحظة. لأول مرة أشعر أن مدينتي جميلة ، و وجهها طلق المحيا. كما اتخذنا منتزها خارج المدينة ملجأنا من العيون المتلصصة ، كي لا ترشقنا بالنميمة . نجلس لوقت طويل في مأمن نسمح لقلبينا بالنبض الحر و التحليق الطليق.
كنا نرقص على إيقاع موسيقى صاخبة ، و كانت حبيبتي تضمني بوله ، تمنحني المتعة ، كنا ذاهلين عن العالم ، لا نفكر إلا في ذاتينا المنصهرتين ؛ و
إذا بصمت رهيب يحلق في المكان. توقفت الموسيقى ، و تسمر الراقصون و كأن على رؤوسهم الطير. مررنا بلحظة صمت عصيبة شعارها الحيرة و توقف الذهن عن التفكير ؛ أحاط بنا رجال شداد غلاظ عابسو الوجوه يتطاير الشرر من عيونهم، يرتدون السواد و لا يتكلمون إلا قليلا ، أصواتهم حادة و قاطعة. سريعا ، حطموا الآلات ، و كسروا الكثير من المصابيح لدرجة صار المكان شبع معتم ، ثم بدأوا يقطفون بسيوفهم الكالحة رؤوسا يانعة..
نهضت متعرقا خافق القلب مستعيذا بالله من كابوس فظيع ، هل كنت أحلم أم فقدت وعيي ؟غير أن الأصوات
كانت ماتزال ترتفع و بقوة تذكرني أنني لم أغادر المذبحة..جف الدم في أوعيتي ، و تصلبت شراييني ، و ضعف خفقان قلبي. و بعد تفكير، تفتق ذهني :
للقبائل القادمة من ظلام الكهوف النتنة قدمت لها رأسي في طبق من ذهب ..و من دون مرق.
تعليق