هو فصل ثالث من رواية ولدت من رحم قصة، و ها هي الفكرة تنمو بداخلي و لم أجد إلا مقاسمتها معكم، فصلاها السابقان هما إحساس ماطر و في لحظة الكتابة...و ارتكزت على قصة حين عودة روحي
****************
لست بحاجة للأدب بعد الآن؛ لتصميم موعد يليق بمفاجآتها، تلزمني علبة سجائر محلية الصنع، و خطوات عشوائية أوزعها بطرقات المدينة، تماما كما أربكني حضورها الأخير.
بعد حديثنا الأخير و القصير جدا، و كما تتأبط السماء الشمس؛ إرتديتها كمعطف دافئ، و أنا أتابع أين يمكن أن تأخذني مباغتاتها الطارئة، هي امرأة لا تعترف بالترتيبات المسبقة، تشبه كثيرا غيوم الصيف؛ عندما تغالط حدسي، فتأتي محملة بالزوابع؛ تفجرني كفقاعة صابون تدرك هشاشة جدرانها.
كنت أتوقع أن اللحظة القادمة ستكون بداخل مطعم هادئ، ينعم بموسيقى فرنسية رومانسية، أو ألحان شعبية و ربما يكون العندليب من يوزع أشجانه على زوايا القلوب العاشقة.تابعت المسير بجانبها، غير مدرك أينا يقود الآخر.
لم تنتظر السماء مطولا، لتأكد فوضى الأحداث التي تصاحب وجودها، فأرسلت ندف الثلج؛ تتهادى على رؤوسنا بمهل، تعيد تصفيف رؤوس الشجر؛ لتجعله ذا وقار و هيبة، تتشبث بثيابنا، تتغلغل بين المعاطف؛ لتذوب بداخلها مبللة أكتافنا. عيون الناس تسابق بعضها، تحيي منظر الثلوج المتساقطة. النساء تتابع المشهد بعيون متلهفة، و قلوب معلقة على مشجب الأماني الضائعة، الأطفال وحدهم كانوا ستمتعون، يحضرون أحذيتهم لغد يبدو أبيض الملامح، و الرجال يمارسون طقوس الصلاة في قلوبهم: الحمد لله ...عام خير.
قالت و هي تصافح الثلوج:
-الثلج؛ مطر يرتدي برنسه الأبيض، مثل فارس أحلام يلبي دعوة فتاة تنتظر عند نافذتها؛ يقبل شفاه الأرض بلطف، يفارق موطنه العالي ليصبح في متناول حبيبته. هل تحب أن نذهب خارج المدينة؟.
-بل نحتمي من البرد في مكان دافئ و هادئ.
نظرت نحو السماء؛ و كأنها تسلمت بطاقة للمعايدة:
-هناك فقط يمكن أن ننعم بالدفء، بعيدا عن ضوضاء الحضارة.
-و كأنك تبحثين عن الهروب من المدينة
-ربما..أيوجد مكان يساعدنا على الاستيقاظ بهدوء؟.
-عفوا؟
-الناس نيام إن هم ماتوا أفاقوا، كذلك نحن؛ نستيقظ من الإسمنت فقط؛ عندما نكون في ضيافة الطبيعة، أريده مكانا ذا طبيعة عذراء.
-الوادي البارد أو وادي الصفصاف.
-أسماء جميلة و كلاهما يغري بالسفر.
- غدا سأصحبك لأي مكان منهما.
-لا يمكن أن نفوت دعوة الثلوج العاجلة. اليوم...أنا مصرة.
-إذن؛ فليكن وادي الصفصاف؛ فهو أقرب إلى مدينتنا.
-و غدا عندما نستيقظ هناك نحمل أحلامنا نحو الوادي البارد.
نزلنا عند صديقي محمد؛ غير بعيد عن الوادي، و كم كانت فرحته كبيرة باللقاء بعد مدة طويلة؛ أيام طواها الزمن بين إبطيه. الذكريات علبة سوداء، تشبه تلك الموجودة بالطائرة، و عندما نعثر عليها بين ركام الذاكرة، نحاول تجميعها لنكون صورة تلاشت في تلابيب الوقت، كذلك صديقي؛ كان كمن حصل على كنز مخبأ.
بعد تناولنا لإناء لبن مع كسرة مخمرة- تلك المنقرضة في المطابخ- استأذنا محمد للذهاب نحو الوادي.
*******
استندت على صخرة؛ تراقب مياه الوادي بشغف و نشوة غريبة، و كأنها توصلت لطريقة للتواصل معه، تبتسم، ثم تعود لوجهها ملامح الحزن التي لم تستطع تغييب جمالها الآسر، بدت و كأنها تصغي لحديثه المخبأ بين طيات الزمن. بدت للحظة أنها استطاعت أن تجبره على البوح بأسراره الكثيرة، عن قصص العشاق و التائهين على أطرافه، هو يحفظ نغمات الناي و "القصبة” و يعرف جميع الرعاة في المنطقة، فأصبحت تطارده بصمتها الصارخ بالأسئلة.
كنت أتساءل بداخلي عن سبب تواجدي هنا، هل كانت هي أم الطبيعة؟، أم هو هروب نحو نقطة لا أعرفها؟.
المكان تغطيه طبقة خفيفة من الثلج، لم تمنع الماء من الجريان، أحيانا يسقط بعض الثلج المتراكم على الأشجار، و كأنه ركام أحلام يتهاوى على أجسادنا المتعبة.
خطوت خطوات عنها، لتفاجئني بكومة ثلج على ظهري، ثم ارتدت طفولتها و طيشها، و واصلت رشقي بحبيب البراري...واحد.. اثنين .. ثلاث.. لم تكن تنتظر مني أن أبادلها اللعب؛ بل كانت تنقب عن سبيل للتحرر من القفص الذي يأسرها، فأحيانا نرتكب الحماقات لندرك حريتنا، لنهدم واقعنا، و ربما لنصمم عالما يليق بنا و بأحجامنا.
لم يكن يعنيني اللعب بقدر مواصلة المغامرة، كنت ملزما بمجاراة حماقاتها و عبثها البريء ببعض جنوني، تناولتها بين ذراعي، و ألقيتها على بساط الثلج؛ لتتدحرج عليه مثل ظبي بري يجيد التمرغ، بعفوية استسلمت للسقوط؛ و كأنه أجمل سقوط يحدث لها، و ربما هو سقوط نحو الأعلى، تتدحرج على حبيبات الثلج و تغريني أن أجرب ظاهرة الانهيارات الثلجية، لوهلة صدقت أن الثلوج تعبر عن سعادتها بانهيار فوضوي.
الشمس هي ساعة مستبدة، تلزمنا بالعودة للمنازل، حين تصبح الحياة أجمل، اصطحبتها للعودة و للتحضير للذهاب نحو الواد البارد غدا، عودتنا كانت بدافع الخوف من ذئاب الغابة البشرية- تلك المخلوقات التي نسمعها تعوي بعض الكلام الذي نكرره بدورنا يوميا-كلاما يشبه الله أكبر – و كأنها تتلو مراسيم النحر. فكثيرا ما وقع بعض الشباب فريسة لهم، بعضهم يتداول في نكاح حبيبته و كأنهن سجائر تداس في الطريق، و بعضهم يتخذ قربانا للجنة، و كأن الطريق نحو الجنة رصيف من الجثث..
تحدثت بنبرة حزينة تغلف وجهها مثل المعطف الأسود الذي ترتديه:
-أحس بصراخ البنات يملأ الوادي، و كأن أشباحا تسكنه و ترفض الرحيل، هل تبحث عن سبب يقنعها بالنوم؟. أم هو ترحيب بنا.
و كأنني وافقتها شعورها؛ قلت:
-قد نكون أول زوار يستمدون قوتهم منهن؟.
يبدو أن حديثي أنجب بداخلها فقاعة ألم؛ انفجرت بداخلها كعبوة نسفت كل الأسئلة دفعة واحدة:
-هل كن ضريبة وطنية يدفعها الحب؟. أم كن جرائم ضرورية لندرك قيمة الأنثى؟
طأطأت رأسي، و أنا أصمم ردا يليق بوجاهة تساؤلاتها:
-الأمكنة تمتلك ذاكرة قوية، وحدها تستطيع الحفاظ على توازنها، وحدها ترفض النسيان؛ هذا المرض الذي يصيب البشر، داء يلازمنا به منذ ولادتنا، فنحن ننسى لنستطيع المواصلة، و هي تحافظ على تاريخنا بعيدا عن زحمة عبثياتنا، و هن كن إكليل أزهار يوضع على نعش الحب.
قبل العودة ؛أوقفتني عند التل المطل على الواد قائلة:
-أيمكننا أن نصلي لهن؟ فنقرأ الفاتحة على أرواحهن.
**************************
وادي الصفصاف و الوادي البارد هما مكانان ساحران في منطقة سطيف.
****************
لست بحاجة للأدب بعد الآن؛ لتصميم موعد يليق بمفاجآتها، تلزمني علبة سجائر محلية الصنع، و خطوات عشوائية أوزعها بطرقات المدينة، تماما كما أربكني حضورها الأخير.
بعد حديثنا الأخير و القصير جدا، و كما تتأبط السماء الشمس؛ إرتديتها كمعطف دافئ، و أنا أتابع أين يمكن أن تأخذني مباغتاتها الطارئة، هي امرأة لا تعترف بالترتيبات المسبقة، تشبه كثيرا غيوم الصيف؛ عندما تغالط حدسي، فتأتي محملة بالزوابع؛ تفجرني كفقاعة صابون تدرك هشاشة جدرانها.
كنت أتوقع أن اللحظة القادمة ستكون بداخل مطعم هادئ، ينعم بموسيقى فرنسية رومانسية، أو ألحان شعبية و ربما يكون العندليب من يوزع أشجانه على زوايا القلوب العاشقة.تابعت المسير بجانبها، غير مدرك أينا يقود الآخر.
لم تنتظر السماء مطولا، لتأكد فوضى الأحداث التي تصاحب وجودها، فأرسلت ندف الثلج؛ تتهادى على رؤوسنا بمهل، تعيد تصفيف رؤوس الشجر؛ لتجعله ذا وقار و هيبة، تتشبث بثيابنا، تتغلغل بين المعاطف؛ لتذوب بداخلها مبللة أكتافنا. عيون الناس تسابق بعضها، تحيي منظر الثلوج المتساقطة. النساء تتابع المشهد بعيون متلهفة، و قلوب معلقة على مشجب الأماني الضائعة، الأطفال وحدهم كانوا ستمتعون، يحضرون أحذيتهم لغد يبدو أبيض الملامح، و الرجال يمارسون طقوس الصلاة في قلوبهم: الحمد لله ...عام خير.
قالت و هي تصافح الثلوج:
-الثلج؛ مطر يرتدي برنسه الأبيض، مثل فارس أحلام يلبي دعوة فتاة تنتظر عند نافذتها؛ يقبل شفاه الأرض بلطف، يفارق موطنه العالي ليصبح في متناول حبيبته. هل تحب أن نذهب خارج المدينة؟.
-بل نحتمي من البرد في مكان دافئ و هادئ.
نظرت نحو السماء؛ و كأنها تسلمت بطاقة للمعايدة:
-هناك فقط يمكن أن ننعم بالدفء، بعيدا عن ضوضاء الحضارة.
-و كأنك تبحثين عن الهروب من المدينة
-ربما..أيوجد مكان يساعدنا على الاستيقاظ بهدوء؟.
-عفوا؟
-الناس نيام إن هم ماتوا أفاقوا، كذلك نحن؛ نستيقظ من الإسمنت فقط؛ عندما نكون في ضيافة الطبيعة، أريده مكانا ذا طبيعة عذراء.
-الوادي البارد أو وادي الصفصاف.
-أسماء جميلة و كلاهما يغري بالسفر.
- غدا سأصحبك لأي مكان منهما.
-لا يمكن أن نفوت دعوة الثلوج العاجلة. اليوم...أنا مصرة.
-إذن؛ فليكن وادي الصفصاف؛ فهو أقرب إلى مدينتنا.
-و غدا عندما نستيقظ هناك نحمل أحلامنا نحو الوادي البارد.
نزلنا عند صديقي محمد؛ غير بعيد عن الوادي، و كم كانت فرحته كبيرة باللقاء بعد مدة طويلة؛ أيام طواها الزمن بين إبطيه. الذكريات علبة سوداء، تشبه تلك الموجودة بالطائرة، و عندما نعثر عليها بين ركام الذاكرة، نحاول تجميعها لنكون صورة تلاشت في تلابيب الوقت، كذلك صديقي؛ كان كمن حصل على كنز مخبأ.
بعد تناولنا لإناء لبن مع كسرة مخمرة- تلك المنقرضة في المطابخ- استأذنا محمد للذهاب نحو الوادي.
*******
استندت على صخرة؛ تراقب مياه الوادي بشغف و نشوة غريبة، و كأنها توصلت لطريقة للتواصل معه، تبتسم، ثم تعود لوجهها ملامح الحزن التي لم تستطع تغييب جمالها الآسر، بدت و كأنها تصغي لحديثه المخبأ بين طيات الزمن. بدت للحظة أنها استطاعت أن تجبره على البوح بأسراره الكثيرة، عن قصص العشاق و التائهين على أطرافه، هو يحفظ نغمات الناي و "القصبة” و يعرف جميع الرعاة في المنطقة، فأصبحت تطارده بصمتها الصارخ بالأسئلة.
كنت أتساءل بداخلي عن سبب تواجدي هنا، هل كانت هي أم الطبيعة؟، أم هو هروب نحو نقطة لا أعرفها؟.
المكان تغطيه طبقة خفيفة من الثلج، لم تمنع الماء من الجريان، أحيانا يسقط بعض الثلج المتراكم على الأشجار، و كأنه ركام أحلام يتهاوى على أجسادنا المتعبة.
خطوت خطوات عنها، لتفاجئني بكومة ثلج على ظهري، ثم ارتدت طفولتها و طيشها، و واصلت رشقي بحبيب البراري...واحد.. اثنين .. ثلاث.. لم تكن تنتظر مني أن أبادلها اللعب؛ بل كانت تنقب عن سبيل للتحرر من القفص الذي يأسرها، فأحيانا نرتكب الحماقات لندرك حريتنا، لنهدم واقعنا، و ربما لنصمم عالما يليق بنا و بأحجامنا.
لم يكن يعنيني اللعب بقدر مواصلة المغامرة، كنت ملزما بمجاراة حماقاتها و عبثها البريء ببعض جنوني، تناولتها بين ذراعي، و ألقيتها على بساط الثلج؛ لتتدحرج عليه مثل ظبي بري يجيد التمرغ، بعفوية استسلمت للسقوط؛ و كأنه أجمل سقوط يحدث لها، و ربما هو سقوط نحو الأعلى، تتدحرج على حبيبات الثلج و تغريني أن أجرب ظاهرة الانهيارات الثلجية، لوهلة صدقت أن الثلوج تعبر عن سعادتها بانهيار فوضوي.
الشمس هي ساعة مستبدة، تلزمنا بالعودة للمنازل، حين تصبح الحياة أجمل، اصطحبتها للعودة و للتحضير للذهاب نحو الواد البارد غدا، عودتنا كانت بدافع الخوف من ذئاب الغابة البشرية- تلك المخلوقات التي نسمعها تعوي بعض الكلام الذي نكرره بدورنا يوميا-كلاما يشبه الله أكبر – و كأنها تتلو مراسيم النحر. فكثيرا ما وقع بعض الشباب فريسة لهم، بعضهم يتداول في نكاح حبيبته و كأنهن سجائر تداس في الطريق، و بعضهم يتخذ قربانا للجنة، و كأن الطريق نحو الجنة رصيف من الجثث..
تحدثت بنبرة حزينة تغلف وجهها مثل المعطف الأسود الذي ترتديه:
-أحس بصراخ البنات يملأ الوادي، و كأن أشباحا تسكنه و ترفض الرحيل، هل تبحث عن سبب يقنعها بالنوم؟. أم هو ترحيب بنا.
و كأنني وافقتها شعورها؛ قلت:
-قد نكون أول زوار يستمدون قوتهم منهن؟.
يبدو أن حديثي أنجب بداخلها فقاعة ألم؛ انفجرت بداخلها كعبوة نسفت كل الأسئلة دفعة واحدة:
-هل كن ضريبة وطنية يدفعها الحب؟. أم كن جرائم ضرورية لندرك قيمة الأنثى؟
طأطأت رأسي، و أنا أصمم ردا يليق بوجاهة تساؤلاتها:
-الأمكنة تمتلك ذاكرة قوية، وحدها تستطيع الحفاظ على توازنها، وحدها ترفض النسيان؛ هذا المرض الذي يصيب البشر، داء يلازمنا به منذ ولادتنا، فنحن ننسى لنستطيع المواصلة، و هي تحافظ على تاريخنا بعيدا عن زحمة عبثياتنا، و هن كن إكليل أزهار يوضع على نعش الحب.
قبل العودة ؛أوقفتني عند التل المطل على الواد قائلة:
-أيمكننا أن نصلي لهن؟ فنقرأ الفاتحة على أرواحهن.
**************************
وادي الصفصاف و الوادي البارد هما مكانان ساحران في منطقة سطيف.
تعليق