إعدام ميت*
الفارق كبير بين ميّتنا الذي انقطعت أخباره منذ نصف قرن، وضاع في أرض الله الواسعة، وبين منصور بطل الفيلم الحقيقي الذي وقع في شباك الموساد، وحكمت عليه المحكمة بالإعدام، وعند التنفيذ أصرّ والده أن ينفذ حكم الإعدام على ابنه العميل بنفسه.
ميّتنا المرحوم بعكس منصور، لم يعمل لصالح دولة، وليس له في السياسة عير أو نفير.
ضاع مرتين، حين حملته الرياح قبل نصف قرن، وألقت به بين فكي الطوفان، والمرة الثانية بعد أن مات على مسارب الأيام.
حين خرج لم يقل أنه لن يعود، وحين عاد، كان عليه أن يقسم بكل الكتب السماوية، وغير السماوية، ويغتسل بمياه كل بحار العالم، ومحيطاته، ليقنع رب الفردوس الأصغر انه هو، هو بنفسه حتى وإن كان ميتاّ!
قال ربّ الفردوس الأصغر يخاطب الجسد: لم يبق لك مكان بيننا، أخرج من الأرض،ولا تطأها حيا أو ميتا.
انتفضت الجثة بغضب لا يخلُ من ألم أو عتب، وانفتحت أبواب السماء من بشاعة الظلم، لم يتعود الميت الرجاء، أو التملق، فتح الميت عينيه، تأمّل الوجوه التي تخفي حزنها وقال:
- كيف أخرج من ارض وأنا منها وإليها!؟؟
أجابه صوت مجهول متخف بين الجمهور المتحلِّق حول الجثة:
- لقد صدر قرار المجلس الأعلى، وقرارات المجلس الأعلى لا تُرد ولا تناقش!
اسودّ وجه السماء.. وراح صوت الميت يهز أعماقه، فخيل له انه يسمعه يتردد بين وديان الأرض وجبالها.
كيف لربّ الفردوس الأصغر أن يطردني وأنا من رعاياه!؟؟
- أجابه صوت آخر يختبئ بين الجمهور:
- ألا تعرف لماذا يطردك ربّ الفردوس الأصغر وملائكته!؟
- كلا. لا اعرف. ولا أعرف من أين هذا الإجماع على الطرد.
قال صوت من بعيد:
- لأنك تفكر.
- وهل رب الفردوس الأصغر يكره التفكير!!؟؟...وربّ الفردوس الأعلى خلق للإنسان عقلا وقال له " لا خير فيك إن لم تفكر، فكر فأنت موجود"
- ربّ الفردوس الأصغر يكره من يفكر في حضرته، ويكره من يحب ويحلم، أو يحزن أو يفرح أو يقرأ أو يكتب أو حتى من يأكل ويشرب.
لمعت عينا الميت بدموع الحزن الممزوج بالغضب وقال:
- ما أكثر ما تَجرحون، انه تشويه، لا أكاد اصدق كيف يشوه إنسان عاقل ميتا قبل أن يدفن!
- لا يهم صدّقت أو لم تصدّق، طالما أنت خارج الزمان والمكان.
رفع نظره إلى أبواب السماء بانطفاء، والدمع يلمع في عينيه وقال:
لم ترفضني يا وطني وأنت الساكن في أعماقي، كنت لي الدنيا بما فيها!؟؟؟؟؟
- لن يفيدك البكاء على الوطن، لأنك صرت خارجه.
- هذا إعدام ميت! وإعدام الميت جريمة دينية قبل أن تكون جريمة إنسانية أو أخلاقية.
- هذا كلام والكلام غير الإيمان.
- لكنه حق.
- حق تنقصه القوة.
- وحكم ينقصه المنطق.
- المنطق كله في كلام ربّ الفردوس الأصغر
- للمرة الثانية أقول لكم أن هذا إعدام ميت.
- لستَ الأول في بلد يعدم أمواته.
رفع نظره إلى أبواب السماء بانطفاء، والدمع يلمع في عينيه وقال:
أشفق عليك يا وطني، أشفق عليك لأنني أحببتك أكثر من نفسي، وأحببتني أقل مما تحب مغتصباً..ستحمل ذنبي يا وطني وأنت حي، وأنت في الملكوت الأعلى، افتحي أبوابك أيتها السماء، لم يعد "على هذه الأرض ما يستحق البقاء" صار إعدام الميت حقيقة لا مجرد تمثيل أو حيلة سينمائية!!
30تشرين الأول 2014
· ليعذرني الكاتب والسينارست والمنتج والمخرج والقراء والممثلون وجمهور المتفرجين في صالات العرض، أينما كانواوأنا "أسطو" على عنوان فيلم "إعدام ميت".
تعليق