العفن في طبق بِلَّوْرٍ
وفي النادي مقهى يجلس فيه الأدباء يتبادلون الأحاديث وما استجد من أحداث في الساحة الأدبية أو الحياة الثقافية و غيرها، انتهزت كاتبة معروفة في الأوساط الأدبية بكتاباتها الجريئة في تناول بعض المواضيع الشاذة شكلا ومضمونا فرصة لقائها بأديب قديم سائلة إياه:
- أستاذي، هل قرأت ما كتبته مؤخرا؟
- قرأت بعضه.
- فما رأيك، أستاذي؟
- و هل يهمك رأيي؟
- نعم، جدا، و إلا لما سألتك.
- بصراحة، و ليس لك عندي غيرها، لا أقرأ ما تكتبين إلا نادرا، وقد لا أكمل ما أبدأ في قراءته لأنه يزعجني أو قولي، إن شئت، يقلقني.
- لِمَ؟ ألا تعجبك كتابتي؟
- الكتابة الأدبية، يا سيدة، فن وعلم، و ليست فنا وحده و لا هي علم وحده.
- و كيف ذلك، أستاذي، كنت أحسب الكتابة الأدبية فنا فقط.
- هي من حيث المعالجة فن، نعم، لكنه فن يرتكز على علم أو معرفة.
- و ماذا لا يعجبك في كتابتي؟
- الكتابة الأدبية ليست رصف الكلمات أو الجمل أو العبارات بل هي رسالة تؤدى إلى المتلقي ليستفيد منها لغة وفنا وأدبا بالمفهوم الأخلاقي طبعا.
- ألا تجد هذا في كتاباتي، أستاذي؟
- صراحة، لا ! أنت تملكين قدرات تعبيرية كبيرة لكنك، للأسف، توظفينها فيما لا جدوى منه، و أراك تهدرين قدراتك في "الفاضي" كما يقولون.
- مثل ماذا ؟ مع أنك قلت لي أنك لم تقرأ كل ما كتبته و أنَّ ما تشرع في قراءته لا تُكْمِلُه.
- اعتراضك هذا صحيح نسبيا، لأنني كنت أقرأ لك ثم بعد تيقني أن كتاباتك تكرر نفسها، أو قولي، هو موضوع واحد لا ثاني له، تكررينه حد الهوس في قوالب مختلفة فلم أعد أقرأ لك كأنك تسوقين بضاعة واحدة في أغلفة مختلفة، و يكفيني أن أقرأ اسمك في جريدة أو كتاب لأعرف موضوعك.
- و ما الفن إذن، إن لم يكن تصوير المشهد الواحد من زوايا مختلفة؟
- لا، يا سيدة، الأمر ليس كذلك، في حياة الإنسان قضايا كثيرة يمكننا التحدث عنها بشكل أو بآخر، لكن أن نركز على قضية واحدة و نكتب فيها دائما فإنها في النهاية تُمَلُّ بل تُستهجَن بل تعاف، أنت تفهمينني طبعا.
- ألهذا الحد كتاباتي هابطة عندك؟
- نعم، إن أصررت على الكتابة بهذا الشكل.
- أرى أنك تظلمني بنقدك الجارح هذا، إن لي قراءً كُثُرا يجدون كتاباتي ممتازة بل إن منهم من يخصص لها المقالات المنوهة المعجَبة والمشجِّعة على مواصلة الكتابة بهذا الشكل.
- قد يكون ما تقولينه صحيحا، ألم تسمعي قول القائل:"الطيور على أشكالها تقع"؟ إنك تجدين حتما من تعجبه كتابتك و هذا وارد جدا، لكنني أتحدث عن نفسي أنا و ليس عن غيري.
- أنا منزعجة فعلا من كلامك هذا، أنت تظلمني حقيقة.
- لم أقصد إزعاجك ولا إغضابك لكنني وعدتك بالصراحة و في الأمثال يقال "اسمع الرأي الذي يبكيك ولا تسمع الرأي الذي يضحكك"، أليس كذلك؟
- بلى، هو كذلك، لكنك تظلمني فعلا.
- لو تدبرت كلامي جيدا لوجدت أنني أنصفتك بقولي"إنك تملكين قدرات كتابية كبيرة"، وهذا اعتراف مني لك صريح لكنك لا تريدين سماع إلا ما يسرك فقط و يطربك، و هذا عيب آخر، لأن الكاتب إذا لم يقبل آراء القراء بمختلف أصنافهم فيه كاتب قد حكم على نفسه بالفشل حتى وإن كان عند نفسه و عند من يشاكلونه عبقريا أو أديبا كبيرا أو ممتازا، و قد تتضاءل الحدود بين الفن و العفن فلا يمكن تمييزها بسهولة.
- أشكر لك صراحتك بيد أنني أرفض نقدك الظالم هذا، لست كما تظنني، الوداع.
- العفو، ما قلت إلا ما أراه و لستِ ملزمة بقبوله، إلى اللقاء.
غادرت الكاتبةُ الجريئةُ الطَّاولةَ و هي تلعن النقد والناقد معا و تقول:"ماذا يعرف هذا المتخلف عن الكتابة الحقيقية؟".
و بقي هو جالسا يقول في نفسه "خدعوها بقولهم أديبة، و يبقى العفن عفنا حتى وإن قدم في طبق من البِلَّورِ وأعجب نُقَّادَ الزُّورِ".
________
تنظر قصة "المُلْهِبة L'allumeuse (قصة عن الجنس في الأدب العربي "النتي")"
و "هواية الكتابة في مثلث الـعـ..ـة (؟!!!)"
تنظر قصة "المُلْهِبة L'allumeuse (قصة عن الجنس في الأدب العربي "النتي")"
و "هواية الكتابة في مثلث الـعـ..ـة (؟!!!)"
تعليق