أجود الشِّعر، أكذبه
يقال في نقد الشعر العربي القديم:"أجود الشِّعر أكذبه" بمعنى أن أحسنَ الشِّعْرِ الشِّعْرُ المبالغ فيه في الوصف أو في التعبير عن المشاعر ؛ و"الكذب" هنا ليس بالمعنى الأخلاقي المرذول بل بمعناه الفني المقبول، فالكذب هو نقل الواقع بغير الصورة الحقيقية التي هو عليها، و إن المبالغة في وصف الواقع أو وصف المشاعر تعتبر كذبا لأنها تزييف لذلكم الواقع، فما المبالغة إذن ؟
"المبالغة" مفاعلة من الفعل الثلاثي المزيد بحرف "بالغ" من "بلغ" ومنه بلغ المكان أي وصل إليه أو أشرف عليه، و المبالغة في الشعر خصوصا أو في الأدب عموما هي بذل الجهد لإيصال المعنى و عدم التقصير فيه، وأحسب هذا المعنى هو المقصود في قولهم "أجود الشعر أكذبه" أو إن شئنا لقلنا "أجود الشعر أبلغه" لأن الشاعر يبذل جهده ليفهمنا ما يريد قوله أو ما يريد التعبير عنه من مشاعره، فما الشعر إلا التعبير عن المشاعر، فيبالغ في الوصف حتى يخرج من حد الاعتدال إلى حد ... الكذب.
و هذا الكذب، كما سبقت الإشارة إليه، ليس بمعناه الأخلاقي المرذول بل بمعنهاه الفني المقبول، فليس عجبا إذن إن كان الشعر المبالغ فيه جدا مضحوكا منه أو مستهجنا، فالشعراء عادة يبالغون في وصفهم وإنهم ليقولون مالا يفعلون مصداقا لقول الله تعالى:{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} (الشعراء/من 224 إلى 227).
فلو جاء أحد النقاد و قال لشاعر ما "أنت تكذب في وصفك هذا" لم يكن هذا الاتهام ثالبا للشاعر إن كان ذلك الناقد يقصد "المبالغة" في التعبير أو في الوصف، و قوله هذا يساوي قوله "أنت تبالغ في وصفك" أي "إنك لا تصف الواقع كما هو بل تزيفه"، فما النقد إذن إن لم يكن تمييز الصحيح من القول من زائفه كما يميز صحيح النقود من زائفها، وما سمي النقد الأدبي نقدا إلا من هذا، تمييز النقود، ولهذا: تمييز الصحيح من القول من ... كاذبه.
هذه خاطرة عنَّت لي في صبيحة هذا اليوم الجميل آخر أيام الخريف والسماء زرقاء تبعث البهجة في النفس فانشرحت نفسي للحديث الأدبي الشارح.
تعليق