ممنوعة أنتِ
أغطيتي بيضاء والوقت والساعات والأيام .. كلها بيضاء ..."
كنت تغنينها بصوتك الخرافي، أسترق السمع إليك ثم أباغتك بصوتي النشاز عابثا بالكلمات: "وحبيبتي ستلبس الطرحة البيضاء وأيامنا كلها بيضاء ... "
لا أنسى تلك الابتسامة الخجولة فوق ثغرك يا نورا ....
في هذه الغرفة لا نافذة لتتسرب منها الذكريات بعيدا،لا طريق خلف هذا الباب الحديديّ يسلكه النسيان وصولا إليّ، فقط قبضة من الطراز القديم، في كل مكان، ويد لا هوية لها تستفز عجزي ... تطرق ... وتطرق... اللا أبواب.
استحضر صوتك وأشغل نفسي بمراقبة ثغرك كيف يغلق تارة ويتفتح تارة، كزهرة يتعاقب عليها الليل والنهار وأعلنته وسيلتي في هذا المكان المعزول عن الوجود، للتمييز بين الصباح والمساء!
"أطلب أقلاما فلا يعطونني أقلام ...أطلب أيامي التي ليس لها أيام... "
تعلمت منك يا نورا كيف أحصل على ما يمنعونه عنّي، وأن أهرّب الضوء إلى قلبي كما أهرّبك كل ليل وآت بك إليّ، دون أن يلاحظ الحراس أو يهتز سوط الجلاد.
وأقول لك: لا تنسي وشاحك المعطر ...
أسدليه فوق كتفيك بدون خوف، أنا حارسه، والليل قارورة محكمة الاختناق، فكيف تخترقه رصاصة؟!
وعندما تصلين، سنرقص كما الأمس، وتنحني الجدران لنا جانبا ، لتباركنا السماء ويحيطنا بذراعيه القمر ...
لكن ليتك تلبسين لي الفستان الأبيض، لم لا تعطينني شرف أن أرفع الطرحة عن وجهك، كذلك لا تضعين الكحل العربيّ كما كنت تعفعلين، كأنّك تعاقبينني يا حبيبتي، أأستحق كلّ هذا العقاب؟
وأذكر ما رددته بحزن آخر مرّة "الأبيض ليس لنا يا أحمد ... "
أمسكتُ بخصلة شعرك - التي كانت تذكرني دائما بالدالية في دارنا القديم، وأتخيل أمي أمامي وعناقيد السنين- وأجبتك: فعلا...الأبيض ليس لنا... الأبيض لك وحدك..
ولكني لم أعرف أن هذه الجدران الصامتة، يمكن لها أن تعطي دروسا لرجل مثلي ما كان لينصت أبدا لجدار، وهو الذي ولدته أمه في الكرم،حين باغتها الطلق ليولد كما الطيور، مظللا بالسماء، محمولا فوق الرياح.
رجل ما كان ليسأل يوما جدارا عن وصفة البكاء!
نعم الأبيض لون الموت أيضا، لون الفراق، وبطريقة عجيبة وفلسفية ... لون الظلام!
كل ما بيننا أبيض اليوم، وفي هزيع هذا الليل سأبقى صامتا، لأسمعك تغنين: أغطيتي بيضاء والوقت والساعات والأيام كلها بيضاء....
وأظل أراقب ثغرك كيف يقلّب بين بياضين ... "صباح ومساء" ..
وإني أبكي ... أعزل أنا وكلّ البنادق في يدي:صوتك، وجهك، عطرك ... وأغنيتك المترددة كل سكون!
أعزل يا حبيبتي ، والبكاء لا يمكن وضعه في معادلة مع الرجال ...
أخطأت أمي حين قالت لا تبك لأنك رجل ..
كان عليها أن تقول لا تبك لأن البكاء لا يجدي ...
كذبت حين علّمتني في صغري أن نيسان ككل الفصول يأتي كل عام ...
موعد زفافنا في نيسان ... ومنذ أعوام لم يأت نيسان ...
هل تبقّى في الرزنامة موعد للفرح؟ وهل ما زلت تشترين الجرائد ككل يوم؟
ماذا قالت عنّي الجريدة يا نورا؟ أوضعتني تحت لائحة المخربّين؟ أم المناضلين؟
أعرفتِ اسم سجّاني؟ أم ترينه مثلي كل يوم، تشتمين رائحته الغريبة، تسمعين صوته المزعج ، يناديك ولا تعرفين ما اسمه؟
ماذا قالوا عنّي يا نورا؟ ماذا صدّقّت أمّي؟
كنت ذاهبا إلى السوق ، إلى السوق فقط، لأشتري لك عقدا أطّوق به عنقك يوم زفافنا.
عقدا ليس باهظ الثمن، لكني عملت من أجله لشهور طويلة ...
ولا أدري ماذا حدث حين دخلتُ زحام السوق ، واخترقني الضجيج هناك، والعبث..
وجوه أعرفها ولا أعرفها،شعارات أفهمها ولا أفهمها
أحجار تطايرت وأحذية، وطلقات رصاص.
لحظة وصولي كان أحد الناس يصافح آخر، يقّبل خديّه، يضحك معه
لكن سرعان ما تحوّلت المصافحة بعدها إلى قتال وملاكمة ،والسلام إلى شتائم.
وأقبلت جماعات جديدة، وجوه ملثّمة، وأخرى ترتدي ثيابا قتالية ...
- أردت فقط أن أشتري عقدا يا حبيبتي ...
- من أنت ؟
- أحمد ... أريد أن أشتري عقدا...
- من أنت؟
- عاشق أراد أن يفرح حبيبته ...
وأخذوني منك يا حبيبتي، لأني اعترفت بأنني عاشق ... ولستُ همجيا يقاتل ...
سجّاني يتحدّث بلهجة بلادي ، لكنه لا يحمل شيئا من سمائها ولا يخالط دمه بحرها، يتناوب على حراستي، وعلى وضع الأقنعة.
يخاف أن أهرب، وأشتري عقدا لك، يخشى من عودة نيسان، من أن يراقص الناس بعضهم في زفافي ...
يجلس قبالتي يسألني ويسألني ... وحين أجيب يضربني ..... وحين أكذب يلعني ... وحين أصمت يشتمني ....
اسأله من هو ... فيرفع مسدسه ..... ولولا أني أعلم بأنك اشتريت ثوب زفافنا لطلبت أن يقتلني ......
- أنت خائن ... أنت عميل ...
- لا ، أنا مواطن ... أنا عاشق ... وحبيبتي تنتظرني ...
يسألني في السياسة وكل ما أعرفه أن بلدي هو الأغلى ...
- سيدي لا أنتمي إلى أي حزب .... وكسرت شاشة التلفاز لما تعارك شقيقاي بعد نشرة أخبار !
سيدي هل أنت من الدولة ؟ أم ...؟ ... سيدي أخبرني أين أنا؟ هل مازلت في بلادي؟ وأي منفعة ترجوها منّي ؟
لكن سيدي لا يجيب يا نورا، لأنه أكثر عبودية مما أعرف في قرارة نفسي ...
وربما هو مثلي ... لا يعطونه اسما ، بل رقما و يميزونه عنّي بسلاح وألف وجه وصوت ...
" فهل من الممكن أن تضعي شيئا من الأحمر فوق الشفة الملساء ... "
غنّي يا نورا ... واقتربي ... اقترب أكثر ...
البسي الفستان الأبيض ... أسدلي فوق رأسك الطرحة ..... واقتربي ..
احملي دمية ... أو وردا ... ضعي خاتما أو وشما ... واقتربي ..
اقتربي ... قبل أن يدخل السجان إلى رأسي ككل ليلية ، ويسمعك تغنين ...
اقتربي ... قبل أن يأتي ويسخر مني ...
اقتربي .. قبل أن يذكّرني .. بأنّ هذه الأغنية، قصيدة عنوانها ... ممنوعة أنتِ !
.
.
بسمة الصيادي
همسة: الأغنية " ممنوعة أنت" غنّاها الفنان كاظم الساهر وهي قصيدة للشاعر نزار قباني
وقد اقتبست منها بعض المقاطع
تعليق