![]() |
إضغط هنا لرؤية الصورة بحجمها الطبيعي. |

لا يزال هذا الصمت يعذب روحي كأنه ليل يسدل سواده على عالمي الملون ، لم أعد أطيق المكوت بين جنبات الهدوء وأشتاق لوقع
الخطى تعبث بخيوط الصدى ، كأنها نشيد يرن مع كل خطوة ..أقلب تفاصيل الأيام وأعود بها إلى عهد مضى على عجل كأنه حلم خجل لا
يظهر إلا في المنامات والرؤى..سبحان الله كأني أسمع رنين
الخطوات وهي صامتة ، هناك في حيي البعيد حيث الزقاق يحتفل ببزوغ الصباح وعبث القلوب الحالمة ، تقطع السكون الممل سردين
يصيح ذلك البائع المتجول فتستقبله النوافذ بعيون تفترس مقاسات الأحجام وتتهاطل الأيدي تحمل سطلا ثم يختفي عن خيالي المشهد مع
ظهور ذلك الشيخ الذي يبيع كل أنواع الحلوى ، فبعد الحلوى لا شيء يبهر الطفل ، جموع الأطفال تلون المشهد بألوان الطيف حلويات
من كل لون وشكل طابور من الأحلام يصطف قبالة الشيخ ، يعود الصمت خجلا بعد أن ينتصف النهار ولا يلبث أن يعود الصدى يرن
بخطوات العائدين من العمل ، أجساد ظلت طوال ساعات النهار تكد ؛لأجل لقمة عيش ، تعود حاملة بين أيديها بعض الأماني وكثير مما
جاد به القدر،ينساب الأطفال إلى أحضان الآباء كأنهم طيور تأوي إلى عشها الدافئ بعد يوم طويل من الأحلام الحلوة،مرت الأيام في
حيي كأنها شريط فيلم لا تعرف له بداية إلا حين تداهمك النهاية الحزينة .
تفرقت الطيور وغادرت أعشاشها ورحلت بعض القلوب التي
كانت ترن بين جنبات الحي وتنشر الحب بين أزقته الضيقة ،حتى البيوت القديمة البسيطة التهمتها شواهق المباني وغزت الظلال كل
بقعة في الحي ،في أحد الأيام عدت إلى حيي ، فرأيت حيي وهو يبكي أطلال الأرواح التي غادرته ، أحسسته يكلمني ويعانق خطواتي
ليشكو إلي في شوق ووله من مروا على أزقته يوما ومن عمروا جنباته ،عن طفولة كانت تلهو بين ثناياه ، عن أناس رحلوا في صمت وحل
بدلا منهم الصمت البارد والمباني العالية التي تحجب عيون الشمس ، عن الظلال القاسية والخرسانة البكماء التي لا ترن على وقعها الخطوات
، عن باعة متجولين كانوا يعبثون بخيوط الصباح ويبيعون الأماني والسعادة ، عن شرفات تنسج القصص والحكايا والعيون ترقب كل نفس
يتحرك في الزقاق ووشوشات النسوة خلف الستائر المخملية وليالي الأنس والشاي ..لم تعد تلكم النوافذ غير قلاع مسيجة بالحديد
والخوف رحل الناس وبقيت ترواحهم تهيم بين الأزقة ..غادرت حيي ودموع القلب تطرق جفوني لتسقي حنيني الذي يسكن كل نفس
من أنفاسي وكل نبض من قلبي
تعليق