الرب واحد والأبواب كثيرة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فوزي سليم بيترو
    مستشار أدبي
    • 03-06-2009
    • 10949

    الرب واحد والأبواب كثيرة

    الرب واحد والأبواب كثيرة


    لمشهد القمر المطل على نوافذ غرف المستشفيات ولزمهرير الشتاء وقيظ الصيف مسرّات لا يعرفها القاطنون في
    بيوتٍ مكيّفة الهواء تُفقِد اللحظة مذاقها ، فنَبيتُ كمن يشتهي فواكه الصيف في عز البرد .
    وإذا كان الليل من شرور المكان ، فرب شرٍّ أورث خيرا . لأن العتمة تجلب النعاس وتحفّز العقل الباطن كي يجترّ
    الحلو والمر من الأيام . ما يؤرقني ويرعبني هو الوحدة ووحشة الأمكنة .
    اختاروا لي مكانا أسلخ فيه المتبقي من حياتي دون جزع ولا خوف .
    أصرَّ أبنائي على أن أقيم في غرفة من غرف الدرجة الأولى رغم تكلفتها مرتفعة القيمة .
    إلا أنهم اضطروا أن يجاروني في رغبتي عندما شاهدوا الدمع يكاد يفر من عينيّ توسلا .


    كان يرمقني بنظرات تحمل من العتاب الممزوج بالغيرة والحسد أكثر مما تحمل من الحزن . حاله مثل حالي ،
    نخر ذاك المرض جسدينا واستوطن ، ومع كل يوم يمر كانت الحالة تزداد سوءا ، فكان لا بد من مسح الجبين
    بالزيت وتناول القربان المقدس .
    الليل يتقدّم وأنا أتقلّب في فراشي أقلّب تاريخ حياتي من أولها إلى آخرها عندما نقر الخوري باب الغرفة مستأذنا الدخول .
    صعد قلبي إلى فمي فرحا وهممت بتقبيل يده وكان في عينيه العسليتين نورا يشع يبعث الطمأنينة في القلوب رغم علمي
    أنها زيارة عمل ، كغذاء العمل الذي تُبرَم فيه الصفقات . وضع يده فوق رأسي وبدأ في تلاوة الصلاة .
    ندت عن جاري في الغرفة آهة مكتومة ، لم يتمالك نفسه وأجهش في البكاء فبلّلت الدموع شاربه وشعر لحيته
    همس الخوري في أذني متسائلا : ــ ما باله جارك ؟ هل يشكو من أمر ما ؟ هل أطلب له الممرضة كي تسعفه ؟
    ــ لا يا أبونا . جاري حزين على حاله . لم يزره أحد منذ دخوله المستشفى ، في حين أن زيارات الأهل والأصحاب لي لا تنقطع .


    غاب الألم الذي كان يناوش بدني في اللحظة التي تهيّأ بها الخوري للمغادرة . ودّعني منصرفا ومضى يتلمس طريقه نحو الباب
    فإذا بجاري ينهض عن سريره وانداحت همهمة بين شفتيه مخاطبا الخوري :
    ــ يا شيخ .. يا شيخ أليس الرب واحدا ؟!
    فأجابه الخوري بهدوء :
    ــ أيها العم العزيز نم مطمئنا فالرب واحد والأبواب كثيرة .
    نزلت الكلمات سكينة على قلبه مما شجعه للقول :
    ــ صلّي من أجلي كما فعلت مع هذا السيّد .
    الحقيقة هذه أول مرة أسمع فيها صوت زميلي في الغرفة ، فهو صامت دائما وعابس ، لا يتكلم حتى ظننته أخرسا .
    وتجلى في الغرفة صمت مفعم بالانفعالات حتى تمتم الخوري بصلاته ــ ربي اغفر له خطاياه إن كانت بالقول أو بالفعل أو بالفكر .


    في صباح اليوم التالي استيقظت كعادتي مع زقزقة العصافير ، نظرت إلى جاري فشدني وجهه البهي المبتسم وكأنه أبى أن يموت
    إلا بعد أن تصالح مع الحياة .


    ملاحظة :
    فكرة القصة مستوحاة من موعظة ل " أبونا مودي " راعي كنيسة الروم الكاثوليك في جبل الحسين \ عمان \ الأردن
  • سما الروسان
    أديب وكاتب
    • 11-10-2008
    • 761

    #2
    نعم الرب واحد عند اصفياء القلوب والسريرة

    سرد جميل ونهاية متفائلة

    دمت بصحة وسعادة اخي فوزي

    محبتي

    تعليق

    • فوزي سليم بيترو
      مستشار أدبي
      • 03-06-2009
      • 10949

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة سما الروسان مشاهدة المشاركة
      نعم الرب واحد عند اصفياء القلوب والسريرة

      سرد جميل ونهاية متفائلة

      دمت بصحة وسعادة اخي فوزي

      محبتي
      صدقت يا أخت سما الروسان ، الرب واحد عند اصفياء القلوب والسريرة
      لكن ماذا نقول لمن يختارون ربا على مقاسهم كي يلبي " طموحاتهم " بعيدا عن باقي الناس ؟!
      الله يهديهم
      تحياتي
      فوزي بيترو

      تعليق

      • بسباس عبدالرزاق
        أديب وكاتب
        • 01-09-2012
        • 2008

        #4
        في لحظة الحقيقة
        يغدو السؤال الذي كنا نتجاهله طوال حياتنا ضرورة ملحة
        كذلك فعل جار البطل في الغرفة، فتعجل في سؤاله ليطمئن و ليموت مسرورا

        لغة جميلة موظفة لخدمة جو اللحظة التي كنت تدخرها للقفلة
        تقديــري استاذ فوزي
        السؤال مصباح عنيد
        لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

        تعليق

        • فوزي سليم بيترو
          مستشار أدبي
          • 03-06-2009
          • 10949

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة بسباس عبدالرزاق مشاهدة المشاركة
          في لحظة الحقيقة
          يغدو السؤال الذي كنا نتجاهله طوال حياتنا ضرورة ملحة
          كذلك فعل جار البطل في الغرفة، فتعجل في سؤاله ليطمئن و ليموت مسرورا

          لغة جميلة موظفة لخدمة جو اللحظة التي كنت تدخرها للقفلة
          تقديــري استاذ فوزي
          أحسنت أخي بسباس أنك أشرت إلى القفلة
          التصالح مع الحياة يجلب السعادة
          أشكرك للمرور والتعليق
          مودتي
          فوزي بيترو

          تعليق

          يعمل...
          X