الرب واحد والأبواب كثيرة
لمشهد القمر المطل على نوافذ غرف المستشفيات ولزمهرير الشتاء وقيظ الصيف مسرّات لا يعرفها القاطنون في
بيوتٍ مكيّفة الهواء تُفقِد اللحظة مذاقها ، فنَبيتُ كمن يشتهي فواكه الصيف في عز البرد .
وإذا كان الليل من شرور المكان ، فرب شرٍّ أورث خيرا . لأن العتمة تجلب النعاس وتحفّز العقل الباطن كي يجترّ
الحلو والمر من الأيام . ما يؤرقني ويرعبني هو الوحدة ووحشة الأمكنة .
اختاروا لي مكانا أسلخ فيه المتبقي من حياتي دون جزع ولا خوف .
أصرَّ أبنائي على أن أقيم في غرفة من غرف الدرجة الأولى رغم تكلفتها مرتفعة القيمة .
إلا أنهم اضطروا أن يجاروني في رغبتي عندما شاهدوا الدمع يكاد يفر من عينيّ توسلا .
كان يرمقني بنظرات تحمل من العتاب الممزوج بالغيرة والحسد أكثر مما تحمل من الحزن . حاله مثل حالي ،
نخر ذاك المرض جسدينا واستوطن ، ومع كل يوم يمر كانت الحالة تزداد سوءا ، فكان لا بد من مسح الجبين
بالزيت وتناول القربان المقدس .
الليل يتقدّم وأنا أتقلّب في فراشي أقلّب تاريخ حياتي من أولها إلى آخرها عندما نقر الخوري باب الغرفة مستأذنا الدخول .
صعد قلبي إلى فمي فرحا وهممت بتقبيل يده وكان في عينيه العسليتين نورا يشع يبعث الطمأنينة في القلوب رغم علمي
أنها زيارة عمل ، كغذاء العمل الذي تُبرَم فيه الصفقات . وضع يده فوق رأسي وبدأ في تلاوة الصلاة .
ندت عن جاري في الغرفة آهة مكتومة ، لم يتمالك نفسه وأجهش في البكاء فبلّلت الدموع شاربه وشعر لحيته
همس الخوري في أذني متسائلا : ــ ما باله جارك ؟ هل يشكو من أمر ما ؟ هل أطلب له الممرضة كي تسعفه ؟
ــ لا يا أبونا . جاري حزين على حاله . لم يزره أحد منذ دخوله المستشفى ، في حين أن زيارات الأهل والأصحاب لي لا تنقطع .
غاب الألم الذي كان يناوش بدني في اللحظة التي تهيّأ بها الخوري للمغادرة . ودّعني منصرفا ومضى يتلمس طريقه نحو الباب
فإذا بجاري ينهض عن سريره وانداحت همهمة بين شفتيه مخاطبا الخوري :
ــ يا شيخ .. يا شيخ أليس الرب واحدا ؟!
فأجابه الخوري بهدوء :
ــ أيها العم العزيز نم مطمئنا فالرب واحد والأبواب كثيرة .
نزلت الكلمات سكينة على قلبه مما شجعه للقول :
ــ صلّي من أجلي كما فعلت مع هذا السيّد .
الحقيقة هذه أول مرة أسمع فيها صوت زميلي في الغرفة ، فهو صامت دائما وعابس ، لا يتكلم حتى ظننته أخرسا .
وتجلى في الغرفة صمت مفعم بالانفعالات حتى تمتم الخوري بصلاته ــ ربي اغفر له خطاياه إن كانت بالقول أو بالفعل أو بالفكر .
في صباح اليوم التالي استيقظت كعادتي مع زقزقة العصافير ، نظرت إلى جاري فشدني وجهه البهي المبتسم وكأنه أبى أن يموت
إلا بعد أن تصالح مع الحياة .
لمشهد القمر المطل على نوافذ غرف المستشفيات ولزمهرير الشتاء وقيظ الصيف مسرّات لا يعرفها القاطنون في
بيوتٍ مكيّفة الهواء تُفقِد اللحظة مذاقها ، فنَبيتُ كمن يشتهي فواكه الصيف في عز البرد .
وإذا كان الليل من شرور المكان ، فرب شرٍّ أورث خيرا . لأن العتمة تجلب النعاس وتحفّز العقل الباطن كي يجترّ
الحلو والمر من الأيام . ما يؤرقني ويرعبني هو الوحدة ووحشة الأمكنة .
اختاروا لي مكانا أسلخ فيه المتبقي من حياتي دون جزع ولا خوف .
أصرَّ أبنائي على أن أقيم في غرفة من غرف الدرجة الأولى رغم تكلفتها مرتفعة القيمة .
إلا أنهم اضطروا أن يجاروني في رغبتي عندما شاهدوا الدمع يكاد يفر من عينيّ توسلا .
كان يرمقني بنظرات تحمل من العتاب الممزوج بالغيرة والحسد أكثر مما تحمل من الحزن . حاله مثل حالي ،
نخر ذاك المرض جسدينا واستوطن ، ومع كل يوم يمر كانت الحالة تزداد سوءا ، فكان لا بد من مسح الجبين
بالزيت وتناول القربان المقدس .
الليل يتقدّم وأنا أتقلّب في فراشي أقلّب تاريخ حياتي من أولها إلى آخرها عندما نقر الخوري باب الغرفة مستأذنا الدخول .
صعد قلبي إلى فمي فرحا وهممت بتقبيل يده وكان في عينيه العسليتين نورا يشع يبعث الطمأنينة في القلوب رغم علمي
أنها زيارة عمل ، كغذاء العمل الذي تُبرَم فيه الصفقات . وضع يده فوق رأسي وبدأ في تلاوة الصلاة .
ندت عن جاري في الغرفة آهة مكتومة ، لم يتمالك نفسه وأجهش في البكاء فبلّلت الدموع شاربه وشعر لحيته
همس الخوري في أذني متسائلا : ــ ما باله جارك ؟ هل يشكو من أمر ما ؟ هل أطلب له الممرضة كي تسعفه ؟
ــ لا يا أبونا . جاري حزين على حاله . لم يزره أحد منذ دخوله المستشفى ، في حين أن زيارات الأهل والأصحاب لي لا تنقطع .
غاب الألم الذي كان يناوش بدني في اللحظة التي تهيّأ بها الخوري للمغادرة . ودّعني منصرفا ومضى يتلمس طريقه نحو الباب
فإذا بجاري ينهض عن سريره وانداحت همهمة بين شفتيه مخاطبا الخوري :
ــ يا شيخ .. يا شيخ أليس الرب واحدا ؟!
فأجابه الخوري بهدوء :
ــ أيها العم العزيز نم مطمئنا فالرب واحد والأبواب كثيرة .
نزلت الكلمات سكينة على قلبه مما شجعه للقول :
ــ صلّي من أجلي كما فعلت مع هذا السيّد .
الحقيقة هذه أول مرة أسمع فيها صوت زميلي في الغرفة ، فهو صامت دائما وعابس ، لا يتكلم حتى ظننته أخرسا .
وتجلى في الغرفة صمت مفعم بالانفعالات حتى تمتم الخوري بصلاته ــ ربي اغفر له خطاياه إن كانت بالقول أو بالفعل أو بالفكر .
في صباح اليوم التالي استيقظت كعادتي مع زقزقة العصافير ، نظرت إلى جاري فشدني وجهه البهي المبتسم وكأنه أبى أن يموت
إلا بعد أن تصالح مع الحياة .
ملاحظة :
فكرة القصة مستوحاة من موعظة ل " أبونا مودي " راعي كنيسة الروم الكاثوليك في جبل الحسين \ عمان \ الأردن
تعليق