فهو كان من أهم الذين كتبوا في السياسة والتحليل السياسي العقلاني المنطقي البعيد عن أية خلفية حزبية
وصفات متنوّعة لـ "طبق السلطة"
دخلت "الملتقى" أتفقّد مواضيعي و مشاركاتي ، أراجعها و أراجع ما حظيت به من تعليقات ، ثم درتُ هنا و هناك في أرجاءه أبحث عن المواضيع الجديدة ، و التعليقات على ما سبقها من مواضيع ، أتابع كتّابا بأعينهم ، ثم أبحث عن أقلام جديدة دخلت للتو إلى "الملتقى" ببدلتها الزرقاء كلون الحبر ، بالمناسبة اختيار اللّون الأزرق (الحبري ) للأقلام الجديدية اختيار موفق ، ليذكّرهم بقدسية دورهم ، حتى و لو أن شعورا ينتابني بين الفينة و الأخرى بأنّه لون "نيلي" ، لينبهنا بأن نأخذ حذرنا ممن هو جاهز ليجعل أيامنا "متنيلة بستين نيلة" على رأي أحبابنا المصريين ...
لا أخفي عليكم أنّني منذ شهرين ، أبدأ بالبحث عن ما جدّ في الشأن السوري تحديدا ، بصفتي فلسطيني و فلسطين جزء من بلاد الشام ، و الشام احتكرها السوريون عاصمة لهم ، سيرا على خطى الأمويين (ربّما) ، و الأمويون ثارت ثائرة القبائل عليهم و (نتّفت) شَعْر معاوية كلّه حتى أصبح أصلعا أقرعا..
توترت .. و الله صدقا توترت .. ارتفعت النبضات عددا و قوة خلف ضلوعي ... كتمتها ( آه منك يا قلبي اللعين.. يحبّ الياسمين و الدوريّ و شقائق النّعمان !! ) لم يطاوعني لساني لأقول "بلا نعمان بلا بطّيخ" ، فكتمت أنفاسي و مضيت... ضغطّ زر الخروج حسب نصيحة الموجي ، و لماّ أتى ذكره على بالي ، مَثُل أمامي معلّقا في السقف ، يتدلّى مثل "البتاع" الذي يتدرّب عليه الملاكمون ، شمّرت عن ساعديّ دون تردّد و دون ارتداء القفازات الخاصة ، أخذت أسدّد اللّكمات ، واحدة تلو الأخرى ، و هو يتأرجح أمامي و أنا أفرّغ في "البتاع" بتاع الملاكمين ، غضب الياسمين ، و حنق عصافير الدوري ، إلى أن تصبّب عرقي و انقطعت أنفاسي ..
درت في البيت كالملدوغ ... تعلّمت من السابقين ، أن الملدوغ يُشدّ له رباطا قويّا فوق موضع اللّدغة ، كي لا يسري السّم في البدن.. بحثت لأحدد مكان اللدغة فلم أجده.. و إذا بي أسمع صراخ اسماعيل الناطور : أنظر ..هنا هنا.. ألا ترى ؟ مكان اللّدغة هنا .. هنا .. " وَلَكْ " يا "بني" آدم إطّلَع هون .. هون.
و أنا لا أرى رأس إصبعه إلى أين يشير ، فيعلو صراخه .. و يعلو حتى ظننت أن انفجارات تطوّقني من جميع الجهات ، فأدور و أتعثّر في نفسي كمن غرق في فنجان ، يدخل محمد سليم ، قائلا بهدوء : ارجعوا يا اخونا ، ارجعوا كمان .. كمان ، الله ينوّر عليكم ، خلوا النور يدخل علينا ، شويت نور لو سمحتوا .. شويت نور ، خلينا نشوف الحنش (لدغ) الراجل فين ..
دون فائدة ، ما زلت لا أرى إلا برجيس يقف خلف النافذة ، يضع نظارات شمسية ضخمة ابتلعت ثلثي وجهه ، يبتسم و يقرأ بهدوء من كتاب "فلسفة الثورة " كأنّه لقمان الحكيم ، يتلو نصائحه على أصغر أولاده : على الجماهير أن تعي أين مكان اللّدغة ، بالعزيمة و الإرادة الحرّة ُ، تحدّد مكان اللّدغَةِ مهتدية بالألم المنبعث منه ،
و يظلّ يعيد ثم يزيد ، كأن الكتاب ليس فيه إلاّ هذه الجماهير الواعية المهتدية ، إلى أن انتبهت ، ففهمت قصده ممّا يقول: أشعر بمرارة شديدة و بكلمات انفرط عقدها ، فصارت حشرجات و همهمات.. تسد حلقي حتى أكاد أختنق ، هذا مكان الألم ، يعني عنقي هو مكان اللّدغة ، إذن عليّ أن أربط عنقي ...؟؟؟!! "يا سليم .. يا موجي ، قولوا للراجل أبو نظارات شمس ، يمشي و يسيبني و يسيب شباكي بحالوا ... هو لابس نظرات شمس ليه و الدنيا زلمة و أنا مش شايف ؟؟
يا سيادة العميد ، الموقّر ، على رأي أخي يسري الغزاوي (هل في غزّة ياسمين و عصافير الدوري يا يسري ؟) .. يا سيادة العميد عملت بنصائحك و ضغطتُ زر الخروج ، و ها أنا في بيتي لا في ملتقاك ، فماذا يفعل كلّ هؤلاء عندي .. ؟ أنا ضغطت الزّر و خرجت فلماذا يتبعني كلّ هؤلاء ؟ كيف سأخرجهم منّي؟؟ أنا أطالبك بأن تركّب زرا آخر لكل عضو ، تحت ذقنه أو تحت إبطه ، حين يضغطه ، يمسح آثار الملتقى من (ألبه من جوّا ، عدم المُؤخزه ) و يُخرج الأعضاء مِنْهُ ، يعني يجعلهم في خبر كان ، و كأنّهم لم يكونوا ، و إلا سأرفع ضدك قضية اعتداء و تحرّش ..
كلّ هذا لم يفدني في شيء ، قررت أن أعود ثانية "للملتقى" و أضغط زر الدّخول .. فازددت سوءا و توترا ...ففررتُ ثانية كدوريّ شاميّ طردوه عن ياسمينه الدّمشقي.. و بينما أنا هكذا هائم على وجهي .. و الموجي يتدلّى أمامي كجلمودِ صَخْرٍ حطّهُ السَّيْل من علِ ، جلمود أيه ؟! مثل "البتاع" بتاع الملاكمين ، أسير هائما و أسدّد اللكمات و أقول له : هذي يدي عن بني مصرٍ تصافحُكم فصافحوها تُصافحُ نفسها العربُ .. أضرب و أقول ثانية هذي يدي ... أهيم و أضرب و أعيد ، هذي يدي ... و لا أدري أين "المفرُّ" ، أنهكت فتهاويت على مقعد خشبي قرب شجرة كستناء تفوح رائحة لحاء جذعها ، امتلأ أنفي برائحة الكستناء المشوي ، على أرصفة الشام العتيقة ، في مساءات شتاء زمهريري ، و البائع يبلحق بي مستهجننا كيف أزاحم حبّات الكستناء على تنوره الصغير ، أخرج لبّ واحدة ما تكاد أصابعي المرتجفة أن تضعها بين أسناني ، حتى انتبهت لشاميّة ترشقني بنظرة في طرفها حَوَرُ ، من على شرفة لو مددت أصابعي لقطفت بعض فلّها .. (نطّ ) قلبي و جلس في لب حبّة الكستناء ،كلّما حاولت قضمها اعتصرني الألم ، فتسمّرت على الرصيف و الكستناء بين أسناني و عيناي معلقتان على الشرفّة الشامية ، إلى أن هطل المطر ، فسرت مبتعدا بين مياه المزاريب التي تنشج من كلّ جهة ، و لم يتركني الموجي حتى في لحظة الخلوة هذه ، نفضت رأسي (لأصفّيه) ..
قرصني الجوع فتذكرت أمي و هي تقدّم لي طبق السلطة الشهي ، كانت تضع الطماطم و البصل اليابس المفروم و ملعقتين من الماء و قليل من الملح و زيت الزيتون ... لذيذة كانت تلك السلطة.
و لأنّني فعلا جائع ... و محبط و يائس ، أمعنت في الفرار إلى السلطة علّها تخفّف عني.. فتذكرت عمّتي و سلطتها المختلفة ، كانت تضيف البقدونس للسلطة التي تحضّرها أمي ، أما خالتي كانت لها هي الأخرى لمساتها الخاصّة ، تضيف أيضا نقطتين من اللّيمون .
أم ّ أحمد جارتنا على اليمين ، تضيف للسلطة " البقلة " ، يوم عزمتنا بمناسبة ختان وحيدها الذّكر ، قدمت لنا طبق من السلطة أضافت له الخس البلدي... فكانت مناسبة فريدة ، تقوّلت بشأنها كلّ القرية و القرى المجاورة ، حتى كدنا نسمي ذلك اليوم ، بيوم الخس البلدي ، لكننا عجزنا عن تفسير الرّابط بين الخس البلدي و الختان ، فتراجعنا عن التّسمية ، خوفا من التّفسيرات المغرضة ، أو التي تخدش الحياء !!
و لما حضرتُ عرس حسنية على جارنا جمال ، كانت أطباق السلطة قد أضيف لها الخيار .. لم يعلّق أحد على الخيار المّضاف إلى السلطة يوم العرس ، و لم يسأل أحد عن الرّابط بينهما ، لأنّ السلطة كلّها لم تكن موفقة ، من يقدّم سلطة في الأعراس؟؟!! عندما تغربتُ في بلاد الله الواسعة ، رأيت عَرَبا من بلدان غير بلدي ، يضيفون للسلطة اللّبن ، و آخرون يضيفون "الطحينة" المجبولة بزيت السمسم . أما الأجانب الإفرنجة ، فكانوا يضيفون المايونيز و "يبرشون" الجزر الأحمر فوق الطبق .
أمّا الأجانب من غير الإفرنجة ، كانوا يضيفون قطع البطاطا المسلوقة ، إلاّ الروس ، يزيّنون وجه الطبق بالبيض المسلوق..
بعد عقد من الزمن ، تعرفت على فرنسي شتم أمامي السلطة الروسية بالبيض المسلوق ، لأنها غير أصليّة (!) ، ، هذه بدعة ، اسمها "سيزر سلاط" ، فالسلطة الروسية الأصليّة فيها بازيلاء .. أين البازيلاء ..؟ يمسكني من كتفي و يهزه بعنف ، و هو يكاد يصرخ : أين البازيلاء لنقول عنها سلطة روسية .. و يدفعني ثم يجذبني نحوه و هو يقول : ضف لها البزيلاء لنقول أنّها روسية ... أنا سأقدم لك السلطة الروسية الأصلية .. ستأكل أصابعك معها ... و لم أعرف أنّه يمازحني إلا حين بدأ يقهقه ، كنت متأكدا أنه استشاط غضبا و سيضربني لا محالة ..
أوف يا إلهي ... كلّ هذا نقاش .. الحمد لله .. الحمد لله ..كلّ هذا فقط للسلطة و عالمها...
و ما العجب يا حكيم.. فكل أيامنا أصبحت سلطة... ألم ترى الطاقة الابداعية الكامنة فيها ؟؟ (فيها) الضمير يعود للسلطة ، يعني ، في السلطة ،
نعم حتى السلطة ابداع!!!!!
لا تحزن... شرقنا كان فاتنا و مقدسا ... وصار سلطة.
و السلطة قوة تتسلل لكل شيء ، عند المفكر ، أي شيء يمكن أن يقال ، كما يمكنك أن تضيف أي شيء لأي شيء كي تُحضّر طبقا من السلطة .
أدباؤنا شعراؤنا فنانونا مروبونا معلمونا مناهجنا إذاعاتنا جرائدنا كتبنا مثقفينا كلهم يصنعون في معظم الأوقات أطباق السلطة ... و هل الذُ و أشهى ؟!و هل أكثر عبقرية من أن تضيف أي شيء لأي شيء فيصبح طبق سلطة من نوع جديد ، سيموت صديقي الفرنسي قبل أن يتمكّن من فهمه و تعلّمه ، فمناقشته من زاوية الاصالة و اللّغط بين الـ"السيزر سلاط " و السلطة الروسية ... خاصة إذا قُدّمت السلطة ، المُخْتَرَع الجديد ، في أطباق أصيلة من عمق التراث الفولكلوري .
فُرجت ... فُرجت .. و أخذت أعدو في الشارع كالمجنون .. و أنا أصرخ ... فُرجت ... فُرجت.. و كأني أرخميدس عندما خرج من مسبحه عاريا يصرخ كالمجنون : وجدتها ... وجدتها...
سأضغط زر الدّخول و أقدّم لكم طبقا جديدا من السلطة الشهية ... فلا يسألني أحد عن المقادير ، كي لا يفسد الشهيّة .. هنيئا مريئا ..
لا أخفي عليكم أنّني منذ شهرين ، أبدأ بالبحث عن ما جدّ في الشأن السوري تحديدا ، بصفتي فلسطيني و فلسطين جزء من بلاد الشام ، و الشام احتكرها السوريون عاصمة لهم ، سيرا على خطى الأمويين (ربّما) ، و الأمويون ثارت ثائرة القبائل عليهم و (نتّفت) شَعْر معاوية كلّه حتى أصبح أصلعا أقرعا..
توترت .. و الله صدقا توترت .. ارتفعت النبضات عددا و قوة خلف ضلوعي ... كتمتها ( آه منك يا قلبي اللعين.. يحبّ الياسمين و الدوريّ و شقائق النّعمان !! ) لم يطاوعني لساني لأقول "بلا نعمان بلا بطّيخ" ، فكتمت أنفاسي و مضيت... ضغطّ زر الخروج حسب نصيحة الموجي ، و لماّ أتى ذكره على بالي ، مَثُل أمامي معلّقا في السقف ، يتدلّى مثل "البتاع" الذي يتدرّب عليه الملاكمون ، شمّرت عن ساعديّ دون تردّد و دون ارتداء القفازات الخاصة ، أخذت أسدّد اللّكمات ، واحدة تلو الأخرى ، و هو يتأرجح أمامي و أنا أفرّغ في "البتاع" بتاع الملاكمين ، غضب الياسمين ، و حنق عصافير الدوري ، إلى أن تصبّب عرقي و انقطعت أنفاسي ..
درت في البيت كالملدوغ ... تعلّمت من السابقين ، أن الملدوغ يُشدّ له رباطا قويّا فوق موضع اللّدغة ، كي لا يسري السّم في البدن.. بحثت لأحدد مكان اللدغة فلم أجده.. و إذا بي أسمع صراخ اسماعيل الناطور : أنظر ..هنا هنا.. ألا ترى ؟ مكان اللّدغة هنا .. هنا .. " وَلَكْ " يا "بني" آدم إطّلَع هون .. هون.
و أنا لا أرى رأس إصبعه إلى أين يشير ، فيعلو صراخه .. و يعلو حتى ظننت أن انفجارات تطوّقني من جميع الجهات ، فأدور و أتعثّر في نفسي كمن غرق في فنجان ، يدخل محمد سليم ، قائلا بهدوء : ارجعوا يا اخونا ، ارجعوا كمان .. كمان ، الله ينوّر عليكم ، خلوا النور يدخل علينا ، شويت نور لو سمحتوا .. شويت نور ، خلينا نشوف الحنش (لدغ) الراجل فين ..
دون فائدة ، ما زلت لا أرى إلا برجيس يقف خلف النافذة ، يضع نظارات شمسية ضخمة ابتلعت ثلثي وجهه ، يبتسم و يقرأ بهدوء من كتاب "فلسفة الثورة " كأنّه لقمان الحكيم ، يتلو نصائحه على أصغر أولاده : على الجماهير أن تعي أين مكان اللّدغة ، بالعزيمة و الإرادة الحرّة ُ، تحدّد مكان اللّدغَةِ مهتدية بالألم المنبعث منه ،
و يظلّ يعيد ثم يزيد ، كأن الكتاب ليس فيه إلاّ هذه الجماهير الواعية المهتدية ، إلى أن انتبهت ، ففهمت قصده ممّا يقول: أشعر بمرارة شديدة و بكلمات انفرط عقدها ، فصارت حشرجات و همهمات.. تسد حلقي حتى أكاد أختنق ، هذا مكان الألم ، يعني عنقي هو مكان اللّدغة ، إذن عليّ أن أربط عنقي ...؟؟؟!! "يا سليم .. يا موجي ، قولوا للراجل أبو نظارات شمس ، يمشي و يسيبني و يسيب شباكي بحالوا ... هو لابس نظرات شمس ليه و الدنيا زلمة و أنا مش شايف ؟؟
يا سيادة العميد ، الموقّر ، على رأي أخي يسري الغزاوي (هل في غزّة ياسمين و عصافير الدوري يا يسري ؟) .. يا سيادة العميد عملت بنصائحك و ضغطتُ زر الخروج ، و ها أنا في بيتي لا في ملتقاك ، فماذا يفعل كلّ هؤلاء عندي .. ؟ أنا ضغطت الزّر و خرجت فلماذا يتبعني كلّ هؤلاء ؟ كيف سأخرجهم منّي؟؟ أنا أطالبك بأن تركّب زرا آخر لكل عضو ، تحت ذقنه أو تحت إبطه ، حين يضغطه ، يمسح آثار الملتقى من (ألبه من جوّا ، عدم المُؤخزه ) و يُخرج الأعضاء مِنْهُ ، يعني يجعلهم في خبر كان ، و كأنّهم لم يكونوا ، و إلا سأرفع ضدك قضية اعتداء و تحرّش ..
كلّ هذا لم يفدني في شيء ، قررت أن أعود ثانية "للملتقى" و أضغط زر الدّخول .. فازددت سوءا و توترا ...ففررتُ ثانية كدوريّ شاميّ طردوه عن ياسمينه الدّمشقي.. و بينما أنا هكذا هائم على وجهي .. و الموجي يتدلّى أمامي كجلمودِ صَخْرٍ حطّهُ السَّيْل من علِ ، جلمود أيه ؟! مثل "البتاع" بتاع الملاكمين ، أسير هائما و أسدّد اللكمات و أقول له : هذي يدي عن بني مصرٍ تصافحُكم فصافحوها تُصافحُ نفسها العربُ .. أضرب و أقول ثانية هذي يدي ... أهيم و أضرب و أعيد ، هذي يدي ... و لا أدري أين "المفرُّ" ، أنهكت فتهاويت على مقعد خشبي قرب شجرة كستناء تفوح رائحة لحاء جذعها ، امتلأ أنفي برائحة الكستناء المشوي ، على أرصفة الشام العتيقة ، في مساءات شتاء زمهريري ، و البائع يبلحق بي مستهجننا كيف أزاحم حبّات الكستناء على تنوره الصغير ، أخرج لبّ واحدة ما تكاد أصابعي المرتجفة أن تضعها بين أسناني ، حتى انتبهت لشاميّة ترشقني بنظرة في طرفها حَوَرُ ، من على شرفة لو مددت أصابعي لقطفت بعض فلّها .. (نطّ ) قلبي و جلس في لب حبّة الكستناء ،كلّما حاولت قضمها اعتصرني الألم ، فتسمّرت على الرصيف و الكستناء بين أسناني و عيناي معلقتان على الشرفّة الشامية ، إلى أن هطل المطر ، فسرت مبتعدا بين مياه المزاريب التي تنشج من كلّ جهة ، و لم يتركني الموجي حتى في لحظة الخلوة هذه ، نفضت رأسي (لأصفّيه) ..
قرصني الجوع فتذكرت أمي و هي تقدّم لي طبق السلطة الشهي ، كانت تضع الطماطم و البصل اليابس المفروم و ملعقتين من الماء و قليل من الملح و زيت الزيتون ... لذيذة كانت تلك السلطة.
و لأنّني فعلا جائع ... و محبط و يائس ، أمعنت في الفرار إلى السلطة علّها تخفّف عني.. فتذكرت عمّتي و سلطتها المختلفة ، كانت تضيف البقدونس للسلطة التي تحضّرها أمي ، أما خالتي كانت لها هي الأخرى لمساتها الخاصّة ، تضيف أيضا نقطتين من اللّيمون .
أم ّ أحمد جارتنا على اليمين ، تضيف للسلطة " البقلة " ، يوم عزمتنا بمناسبة ختان وحيدها الذّكر ، قدمت لنا طبق من السلطة أضافت له الخس البلدي... فكانت مناسبة فريدة ، تقوّلت بشأنها كلّ القرية و القرى المجاورة ، حتى كدنا نسمي ذلك اليوم ، بيوم الخس البلدي ، لكننا عجزنا عن تفسير الرّابط بين الخس البلدي و الختان ، فتراجعنا عن التّسمية ، خوفا من التّفسيرات المغرضة ، أو التي تخدش الحياء !!
و لما حضرتُ عرس حسنية على جارنا جمال ، كانت أطباق السلطة قد أضيف لها الخيار .. لم يعلّق أحد على الخيار المّضاف إلى السلطة يوم العرس ، و لم يسأل أحد عن الرّابط بينهما ، لأنّ السلطة كلّها لم تكن موفقة ، من يقدّم سلطة في الأعراس؟؟!! عندما تغربتُ في بلاد الله الواسعة ، رأيت عَرَبا من بلدان غير بلدي ، يضيفون للسلطة اللّبن ، و آخرون يضيفون "الطحينة" المجبولة بزيت السمسم . أما الأجانب الإفرنجة ، فكانوا يضيفون المايونيز و "يبرشون" الجزر الأحمر فوق الطبق .
أمّا الأجانب من غير الإفرنجة ، كانوا يضيفون قطع البطاطا المسلوقة ، إلاّ الروس ، يزيّنون وجه الطبق بالبيض المسلوق..
بعد عقد من الزمن ، تعرفت على فرنسي شتم أمامي السلطة الروسية بالبيض المسلوق ، لأنها غير أصليّة (!) ، ، هذه بدعة ، اسمها "سيزر سلاط" ، فالسلطة الروسية الأصليّة فيها بازيلاء .. أين البازيلاء ..؟ يمسكني من كتفي و يهزه بعنف ، و هو يكاد يصرخ : أين البازيلاء لنقول عنها سلطة روسية .. و يدفعني ثم يجذبني نحوه و هو يقول : ضف لها البزيلاء لنقول أنّها روسية ... أنا سأقدم لك السلطة الروسية الأصلية .. ستأكل أصابعك معها ... و لم أعرف أنّه يمازحني إلا حين بدأ يقهقه ، كنت متأكدا أنه استشاط غضبا و سيضربني لا محالة ..
أوف يا إلهي ... كلّ هذا نقاش .. الحمد لله .. الحمد لله ..كلّ هذا فقط للسلطة و عالمها...
و ما العجب يا حكيم.. فكل أيامنا أصبحت سلطة... ألم ترى الطاقة الابداعية الكامنة فيها ؟؟ (فيها) الضمير يعود للسلطة ، يعني ، في السلطة ،
نعم حتى السلطة ابداع!!!!!
لا تحزن... شرقنا كان فاتنا و مقدسا ... وصار سلطة.
و السلطة قوة تتسلل لكل شيء ، عند المفكر ، أي شيء يمكن أن يقال ، كما يمكنك أن تضيف أي شيء لأي شيء كي تُحضّر طبقا من السلطة .
أدباؤنا شعراؤنا فنانونا مروبونا معلمونا مناهجنا إذاعاتنا جرائدنا كتبنا مثقفينا كلهم يصنعون في معظم الأوقات أطباق السلطة ... و هل الذُ و أشهى ؟!و هل أكثر عبقرية من أن تضيف أي شيء لأي شيء فيصبح طبق سلطة من نوع جديد ، سيموت صديقي الفرنسي قبل أن يتمكّن من فهمه و تعلّمه ، فمناقشته من زاوية الاصالة و اللّغط بين الـ"السيزر سلاط " و السلطة الروسية ... خاصة إذا قُدّمت السلطة ، المُخْتَرَع الجديد ، في أطباق أصيلة من عمق التراث الفولكلوري .
فُرجت ... فُرجت .. و أخذت أعدو في الشارع كالمجنون .. و أنا أصرخ ... فُرجت ... فُرجت.. و كأني أرخميدس عندما خرج من مسبحه عاريا يصرخ كالمجنون : وجدتها ... وجدتها...
سأضغط زر الدّخول و أقدّم لكم طبقا جديدا من السلطة الشهية ... فلا يسألني أحد عن المقادير ، كي لا يفسد الشهيّة .. هنيئا مريئا ..
ملاحظة : أرجو المعذرة ممن وردت أسماءهم في النّص ، لا غرض من ذلك إلاّ الضرورة الفنية .. لهم كلّ الاحترام و التّقدير .
اترك تعليق: