صاحب الحمار / قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ابراهيم درغوثي
    نائب رئيس اتحاد الكتاب التونسيين
    أبو غسان
    مستشار في ملتقى الترجمة
    • 22-06-2008
    • 356

    صاحب الحمار / قصة قصيرة / ابراهيم درغوثي

    صاحب الحمار
    قصة قصيرة
    ابراهيم درغوثي / تونس


    إلى زكريا تامر



    سار الحمار يشق شوارع مدينة المهدية وئيدا ، فقد كان راكبه يشد على اللجام بين الفينة والأخرى ليكبح جماحه .

    هو حمار أشهب شبيه بالبغل إلا أنه أقصر منه بقليل . وكان الرجل الراكب على ظهره قد قارب الخمسين . كان يلبس جبة من الصوف ، على اللحم ، ويغطي رأسه بلحاف أبيض ، ويحمل في يده عصا غليظة قدت من غصن شجرة زيتون . وكان يحمل بارودة أم طلقتين من النوع الذي تراه معلقا على جدران البيوت التركية في متحف باردو في تونس العاصمة .
    جال الحمار مدة طويلة براكبه . زار الجامع الكبير ، ووقف أمام السور ذاهلا . رأى البنائين وهم يصلحون الحجارة القديمة ، ويضعون الملاط في الشقوق التي حفرتها السنون . ثم وقف طويلا أمام أحد أبواب السور .
    قال : ها هنا دققت بعصايا ذات يوم . وهاهنا علق جنود الخليفة الفاطمي جلدي المحشو تبنا بعدما رموا لحمي لكلاب جوعوها مدة سبعة أيام .
    ثم عاد أدراجه إلى سوق المدينة العتيقة . أوقف الحمار قرب مقهى ، وذهب يجلس في ركن قصي بعيدا عن الرواد الذين تركوا أوراق اللعب وحجر الديمنو ، وراحوا يحملقون في وجهه باستغراب .
    كان إذا قام يعرج قليلا . وكانت بندقيته تكاد تلامس الأرض كلما حرك رجله اليسرى . الرجل الأقصر قليلا من أختها .
    ظل الرجل ساكتا إلى أن جاء النادل ، فمسح الطاولة ، وسأله إن كان يريد مشروبا .
    قال انه عطشان وانه يود لو يعطيه شربة ماء باردة في كوز . جاءه بالماء وبقارورة كوكاكولا . وجلس بقربه . ترقبه حتى أنهى شربه ، وحمد الله وأثنى على نبيه ، ثم سأله عن أحواله :
    قال : الدنيا تغيرت كثيرا منذ أن غادرتها .
    وسكت ...إلى أن جاءه ثلاثة من الجند يتمنطقون السيوف ، ويحملون في أيديهم الرماح . اقترب قائدهم من الرجل ، وطلب منه أوراق هويته . أعطاه بطاقة تعريفه الوطنية ، فقرأ :
    - مخلد بن كيد .
    وردد الضابط وراءه : مخلد بن كيداد ؟
    فقال له الرجل : ألم تقرأ في المدرسة عن ثورة صاحب الحمار ؟
    أنا صاحب الحمار .
    ابتسم الضابط وقال له :
    - تعال معي إلى مركز الشرطة . أنت مطلوب للعدالة .
    سأله صاحب الحمار :
    - وماذا فعلت لكم يا ابن أخي ؟
    - هي شكاية من المواطنين القاطنين قرب السور . لقد ادعوا أن الكلاب التي أكلت من لحم جثتك أصابها سعار شديد فصارت تعض كل من اعترض طريقها ، ولم ينفع الذين عضتهم مصل باستور ، فأصيبوا بداء الكلب .
    وتوارث الأحفاد عن الأجداد الداء إلى هذا اليوم .
    قال صاحب الحمار :
    - وما ذنبي أنا يا سيدي ؟ فتلك قصة قديمة . ألم ينسها التاريخ ؟
    رد الضابط :
    - أنا عبد مأمور يا شيخي . تعال معي أجب دعوة القاضي ، فربما تجد تفسيرا لديه .
    وأخرج له من جيب معطفه بطاقة جلب مدموغة بطابع الأمير .
    اتكأ صاحب الحمار على عصاه ، وذهب يعرج باتجاه حماره الأشهب الشبيه بالبغل ، وهو يردد بينه وبين نفسه :
    - لقد ظننت أن التاريخ نسيني بعد هذه المدة الطويلة .
    ... بعد ثلاثة أشهر من الإيقاف التحفظي ، حكمت المحكمة حضوريا على المدعو مخلد بن كيداد والملقب بصاحب الحمار بالنباح مع الكلاب المسعورة التي أكلت من لحمه منذ ألف عام ، فاستأنف محاميه الحكم ، وطلب من المحكمة الموقرة مراعاة سن الرجل ، وتمكينه من ظروف التخفيف القصوى .
    والى ذلك الحين ، سينبح صاحب الحمار ، وسيجري مع الكلاب المسعورة في ظلام ليل الأبدية ... الطويل .



    dargouthibahi@yahoo.fr
  • محمود مغربى
    الفرعون العاشق
    • 22-02-2008
    • 694

    #2
    الرائع والمبدع الكبير
    ابراهيم درغوثى
    سعيد بتواجدك الرائع هنا
    وشكرا لابداعك المتميز
    دمت مجددا
    محبتى
    محمود مغربى
    مدوناتى ونشرف بكم:
    http://magraby1962.maktoobblog.com


    http://mahmoudmagraby.blogspot.com
    للتواصل
    m.magraby@yahoo.com
    magrapy2007@hotmail.com

    تعليق

    • ابراهيم درغوثي
      نائب رئيس اتحاد الكتاب التونسيين
      أبو غسان
      مستشار في ملتقى الترجمة
      • 22-06-2008
      • 356

      #3
      العزيز محمود مغربي
      شكرا على التعليق
      شكرا على التقدير
      لك ودي الدائم

      تعليق

      • م. زياد صيدم
        كاتب وقاص
        • 16-05-2007
        • 3505

        #4
        اخى الرائع ابراهيم..

        ** ابراهيم................

        قص بليغ المعانى ويفتح كثير من الاثراء للجوانب السياسية السائدة فى اقطارنا كلها دون استثناء..
        نعم.

        تحياتى العطرة...............
        أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
        http://zsaidam.maktoobblog.com

        تعليق

        • ابراهيم درغوثي
          نائب رئيس اتحاد الكتاب التونسيين
          أبو غسان
          مستشار في ملتقى الترجمة
          • 22-06-2008
          • 356

          #5
          العزيز زياد

          أجدد لك مودتي و تقديري
          دم متألقا

          تعليق

          • علاء الدين حسو
            عضو الملتقى
            • 08-12-2007
            • 124

            #6
            هناك كتاب تقرأ لهم لمعرفة ما يكتبون وهناك كتاب تقرأ لهم لتعرف كيف يكتبون وهناك كتاب تقرأ لهم لتتعلم ..
            وابراهيم الدرغوثي مدرسة في توظيف التاريخ والزمن فتاتي كتابته اشبه بالحلم تحكي الكثير في زمن قصير ..
            مودتي

            تعليق

            • ابراهيم درغوثي
              نائب رئيس اتحاد الكتاب التونسيين
              أبو غسان
              مستشار في ملتقى الترجمة
              • 22-06-2008
              • 356

              #7
              عزيزنا علاء
              تقديرك يخيفني
              حتى لا أخيب رجاءك في القادم

              لك ودي الدائم

              تعليق

              يعمل...
              X