صاحب الحمار
قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس
إلى زكريا تامر
سار الحمار يشق شوارع مدينة المهدية وئيدا ، فقد كان راكبه يشد على اللجام بين الفينة والأخرى ليكبح جماحه .
هو حمار أشهب شبيه بالبغل إلا أنه أقصر منه بقليل . وكان الرجل الراكب على ظهره قد قارب الخمسين . كان يلبس جبة من الصوف ، على اللحم ، ويغطي رأسه بلحاف أبيض ، ويحمل في يده عصا غليظة قدت من غصن شجرة زيتون . وكان يحمل بارودة أم طلقتين من النوع الذي تراه معلقا على جدران البيوت التركية في متحف باردو في تونس العاصمة .
جال الحمار مدة طويلة براكبه . زار الجامع الكبير ، ووقف أمام السور ذاهلا . رأى البنائين وهم يصلحون الحجارة القديمة ، ويضعون الملاط في الشقوق التي حفرتها السنون . ثم وقف طويلا أمام أحد أبواب السور .
قال : ها هنا دققت بعصايا ذات يوم . وهاهنا علق جنود الخليفة الفاطمي جلدي المحشو تبنا بعدما رموا لحمي لكلاب جوعوها مدة سبعة أيام .
ثم عاد أدراجه إلى سوق المدينة العتيقة . أوقف الحمار قرب مقهى ، وذهب يجلس في ركن قصي بعيدا عن الرواد الذين تركوا أوراق اللعب وحجر الديمنو ، وراحوا يحملقون في وجهه باستغراب .
كان إذا قام يعرج قليلا . وكانت بندقيته تكاد تلامس الأرض كلما حرك رجله اليسرى . الرجل الأقصر قليلا من أختها .
ظل الرجل ساكتا إلى أن جاء النادل ، فمسح الطاولة ، وسأله إن كان يريد مشروبا .
قال انه عطشان وانه يود لو يعطيه شربة ماء باردة في كوز . جاءه بالماء وبقارورة كوكاكولا . وجلس بقربه . ترقبه حتى أنهى شربه ، وحمد الله وأثنى على نبيه ، ثم سأله عن أحواله :
قال : الدنيا تغيرت كثيرا منذ أن غادرتها .
وسكت ...إلى أن جاءه ثلاثة من الجند يتمنطقون السيوف ، ويحملون في أيديهم الرماح . اقترب قائدهم من الرجل ، وطلب منه أوراق هويته . أعطاه بطاقة تعريفه الوطنية ، فقرأ :
- مخلد بن كيد .
وردد الضابط وراءه : مخلد بن كيداد ؟
فقال له الرجل : ألم تقرأ في المدرسة عن ثورة صاحب الحمار ؟
أنا صاحب الحمار .
ابتسم الضابط وقال له :
- تعال معي إلى مركز الشرطة . أنت مطلوب للعدالة .
سأله صاحب الحمار :
- وماذا فعلت لكم يا ابن أخي ؟
- هي شكاية من المواطنين القاطنين قرب السور . لقد ادعوا أن الكلاب التي أكلت من لحم جثتك أصابها سعار شديد فصارت تعض كل من اعترض طريقها ، ولم ينفع الذين عضتهم مصل باستور ، فأصيبوا بداء الكلب .
وتوارث الأحفاد عن الأجداد الداء إلى هذا اليوم .
قال صاحب الحمار :
- وما ذنبي أنا يا سيدي ؟ فتلك قصة قديمة . ألم ينسها التاريخ ؟
رد الضابط :
- أنا عبد مأمور يا شيخي . تعال معي أجب دعوة القاضي ، فربما تجد تفسيرا لديه .
وأخرج له من جيب معطفه بطاقة جلب مدموغة بطابع الأمير .
اتكأ صاحب الحمار على عصاه ، وذهب يعرج باتجاه حماره الأشهب الشبيه بالبغل ، وهو يردد بينه وبين نفسه :
- لقد ظننت أن التاريخ نسيني بعد هذه المدة الطويلة .
... بعد ثلاثة أشهر من الإيقاف التحفظي ، حكمت المحكمة حضوريا على المدعو مخلد بن كيداد والملقب بصاحب الحمار بالنباح مع الكلاب المسعورة التي أكلت من لحمه منذ ألف عام ، فاستأنف محاميه الحكم ، وطلب من المحكمة الموقرة مراعاة سن الرجل ، وتمكينه من ظروف التخفيف القصوى .
والى ذلك الحين ، سينبح صاحب الحمار ، وسيجري مع الكلاب المسعورة في ظلام ليل الأبدية ... الطويل .
dargouthibahi@yahoo.fr
قصة قصيرة
ابراهيم درغوثي / تونس
إلى زكريا تامر
سار الحمار يشق شوارع مدينة المهدية وئيدا ، فقد كان راكبه يشد على اللجام بين الفينة والأخرى ليكبح جماحه .
هو حمار أشهب شبيه بالبغل إلا أنه أقصر منه بقليل . وكان الرجل الراكب على ظهره قد قارب الخمسين . كان يلبس جبة من الصوف ، على اللحم ، ويغطي رأسه بلحاف أبيض ، ويحمل في يده عصا غليظة قدت من غصن شجرة زيتون . وكان يحمل بارودة أم طلقتين من النوع الذي تراه معلقا على جدران البيوت التركية في متحف باردو في تونس العاصمة .
جال الحمار مدة طويلة براكبه . زار الجامع الكبير ، ووقف أمام السور ذاهلا . رأى البنائين وهم يصلحون الحجارة القديمة ، ويضعون الملاط في الشقوق التي حفرتها السنون . ثم وقف طويلا أمام أحد أبواب السور .
قال : ها هنا دققت بعصايا ذات يوم . وهاهنا علق جنود الخليفة الفاطمي جلدي المحشو تبنا بعدما رموا لحمي لكلاب جوعوها مدة سبعة أيام .
ثم عاد أدراجه إلى سوق المدينة العتيقة . أوقف الحمار قرب مقهى ، وذهب يجلس في ركن قصي بعيدا عن الرواد الذين تركوا أوراق اللعب وحجر الديمنو ، وراحوا يحملقون في وجهه باستغراب .
كان إذا قام يعرج قليلا . وكانت بندقيته تكاد تلامس الأرض كلما حرك رجله اليسرى . الرجل الأقصر قليلا من أختها .
ظل الرجل ساكتا إلى أن جاء النادل ، فمسح الطاولة ، وسأله إن كان يريد مشروبا .
قال انه عطشان وانه يود لو يعطيه شربة ماء باردة في كوز . جاءه بالماء وبقارورة كوكاكولا . وجلس بقربه . ترقبه حتى أنهى شربه ، وحمد الله وأثنى على نبيه ، ثم سأله عن أحواله :
قال : الدنيا تغيرت كثيرا منذ أن غادرتها .
وسكت ...إلى أن جاءه ثلاثة من الجند يتمنطقون السيوف ، ويحملون في أيديهم الرماح . اقترب قائدهم من الرجل ، وطلب منه أوراق هويته . أعطاه بطاقة تعريفه الوطنية ، فقرأ :
- مخلد بن كيد .
وردد الضابط وراءه : مخلد بن كيداد ؟
فقال له الرجل : ألم تقرأ في المدرسة عن ثورة صاحب الحمار ؟
أنا صاحب الحمار .
ابتسم الضابط وقال له :
- تعال معي إلى مركز الشرطة . أنت مطلوب للعدالة .
سأله صاحب الحمار :
- وماذا فعلت لكم يا ابن أخي ؟
- هي شكاية من المواطنين القاطنين قرب السور . لقد ادعوا أن الكلاب التي أكلت من لحم جثتك أصابها سعار شديد فصارت تعض كل من اعترض طريقها ، ولم ينفع الذين عضتهم مصل باستور ، فأصيبوا بداء الكلب .
وتوارث الأحفاد عن الأجداد الداء إلى هذا اليوم .
قال صاحب الحمار :
- وما ذنبي أنا يا سيدي ؟ فتلك قصة قديمة . ألم ينسها التاريخ ؟
رد الضابط :
- أنا عبد مأمور يا شيخي . تعال معي أجب دعوة القاضي ، فربما تجد تفسيرا لديه .
وأخرج له من جيب معطفه بطاقة جلب مدموغة بطابع الأمير .
اتكأ صاحب الحمار على عصاه ، وذهب يعرج باتجاه حماره الأشهب الشبيه بالبغل ، وهو يردد بينه وبين نفسه :
- لقد ظننت أن التاريخ نسيني بعد هذه المدة الطويلة .
... بعد ثلاثة أشهر من الإيقاف التحفظي ، حكمت المحكمة حضوريا على المدعو مخلد بن كيداد والملقب بصاحب الحمار بالنباح مع الكلاب المسعورة التي أكلت من لحمه منذ ألف عام ، فاستأنف محاميه الحكم ، وطلب من المحكمة الموقرة مراعاة سن الرجل ، وتمكينه من ظروف التخفيف القصوى .
والى ذلك الحين ، سينبح صاحب الحمار ، وسيجري مع الكلاب المسعورة في ظلام ليل الأبدية ... الطويل .
dargouthibahi@yahoo.fr
تعليق