من روائع حجة العرب وأمير البيان

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • رحاب فارس بريك
    رد
    لقد عدت بي إلى عشرين سنة مضت

    حين تلقيت أول زهرة ممن أحب

    فحفظتها بكتابي , مرت سنوات وما زالت

    الزهرة متواجدة بين أوراق نفس الكتاب

    ما أروعك وما أروع هذا الأديب ......

    متابعة لك ولكل ما تنشرين , لعلنا نعود لنقاء حب زمان

    ونعود لطهر أيام زمان بحبنا وبراءة الطفولة التي نسيناها بين صفحات الزمن

    اترك تعليق:


  • بنت الشهباء
    رد
    المشاركة الأصلية بواسطة رحاب فارس بريك مشاهدة المشاركة
    أختي ابنة الشهباء
    ما أجمل كلامك , أكيد هي أوراق الورد
    فماذا نتوقع من شاعر غير هذه التسمية
    إن ما قصدته بأن رسائله قوية لدرجة أنها بقيت
    وكأنها حفرت بالصخر , وها أنت قد جدت بوصفا شاملا
    فدمجت رقة الورد بصمود الصخر , فأجدت الوصف..
    تحيتي لك أختي الغالية

    غاليتي رحاب
    كنت أنوي أن أبدأ بتدوين مقتطفات من رسائل الأحزان
    لكن بعد أن قرأت عبق ردك كان يجب عليّ أن لا أتجاوزه ، بل أن أعود لـ أوراق الورد وأضيف مما قاله الرافعي - رحمه الله - بخصوص الزهرة النديّة التي أخذت بمجموع بعض بعضه ...
    وما أجمل جوابها وما أشدّ ألمه
    حينما أرسلت إليه كتابا احتوى داخله زهرة يابسة أصابها الذبول وحين لمسها شعر برقة معانيها ، وجمال عبقها ليضمها لصدره ويشعر بزلزلة ريّان أنسامها .. وإننا نراه في هذا الوصف الذي أبدع فيه قد أوحى للمحبين بأن الزهرة حتى ولو تعاورتها السنين والأيام لكنها ستبقى الذكرى الجميلة التي تدفع بالمحبين إلى مزيد من حرقة الشوق
    ومما نثره لنا تحت عنوان :

    جواب الزهرة اليابسة


    [frame="1 98"]

    (( وتلّقى منها ذات يوم كتابا ، فلما فضّ غلافه لم يجد فيه إلا زهرة يابسة ، فكتب إليها )) :
    قرأت يا حبيبتي هذا الكتاب الذي لم تكتبيه ... ونسمت شفتاي ذلك السرّ الذي فيه ، وكدت أقول إنها هي نسمات عطرها

    سحرتها في هذه الأوراق بسحرها ، ولكني تأملّت الأوراق الذابلة فخيّل إليّ من ذواها وطيبها ، أنها أجسام قبلات حارة احترقت على شفتي حبيبها ...!
    وفهمت من العطر أن الرسالة مكاشفة بالحب أو مناسمة : ولكني فهمت من الذبول أنها معاتبة أو مخاصمة !.
    ****
    وقالت لي الزهرة يا حبيبي :
    (( بل أنا كوكب عطر من يدها الجميلة في فلك زهري غض ، ثمانتثرت من فلكي وذبلت لأني انتثرت من فلكي ...!
    وقد نشأت في روضتي على أملود ناعم ريّان ، فلما صرت في أناملها على أغصان اللحم والدم في روضة الجمال ، أحسست أني بتّ قلبا يحب ويعشق ، ومرضت لأني بتّ قلبا يحبّ ويعشق ...!
    (( وكنت أنفح بالعطر والشذى الفياح ، فلما لمستني شفتاها لمسة عدت أفوح بالحب ، وهجرتني لأني عدت أفوح بالحب ...))
    ****
    وقلت للزهرة يا حبيبتي :
    إنما أنت كلمة أيتها الزهرة الذابلة ، وما ذبولك إلا سحابة على نور معنى من المعاني .
    أفمن لغة القبلة أنت ، وقد جئت رسالة من شفتيها إليّ فانكمشت من حياء وخفر؟
    أم من لغة الابتسام ، وقد جئت تحية من وجهها وفيك ذلك المعنى من غموض الدلال ، فأنت موجهّة إليّ ولست موجهة إليّ ؟
    أم أنت من لغة اللمس ، وقد جئت سلاما من يدها وهذا التجعيد فيك شدّة حب وضغطة شوق ؟
    أم أنت من لغة النظر ، وقد جئت ذابلة متناعسة لأن فيك نظرة من غرامها تنظر ولا تنظر ؟
    أم أنت من مادة العناق وقد جئت هالكة ضما من انطباق صدرين تحتهما زلزلتا قلبين ترجفان ؟
    أم أنت ...! آه ! أم أنت من لغة النسيان ، وجئت رسالة هجر منها ، وهذا الذبول الذي فيك هو مرض الجفاء ترسله إلى قلبي ؟
    *****
    ولكن ماذا قلت أنت للزهرة يا حبيبتي ؟
    أما إنك قلت لها : إن كتابة العطر لا تقرأ ...؟
    إن كلام النية لا يتكلم ...!
    إني أضن عليه بكلمة ...!
    [/frame]

    اترك تعليق:


  • رحاب فارس بريك
    رد
    أختي ابنة الشهباء
    ما أجمل كلامك , أكيد هي أوراق الورد
    فماذا نتوقع من شاعر غير هذه التسمية
    إن ما قصدته بأن رسائله قوية لدرجة أنها بقيت
    وكأنها حفرت بالصخر , وها أنت قد جدت بوصفا شاملا
    فدمجت رقة الورد بصمود الصخر , فأجدت الوصف..
    تحيتي لك أختي الغالية

    اترك تعليق:


  • بنت الشهباء
    رد
    المشاركة الأصلية بواسطة رحاب فارس بريك مشاهدة المشاركة
    ألغالية بنت الشهباء

    نشكرك لنشر هذه المادة التي إن عبرت عن شيء
    إنما تعبر عن مدى أهمية الرسالة المكتوبة ..
    فللرسالة المكتوبة طعما آخر ولونا آخر .....
    قرأت الفقرة الأولى عن

    روائع حجة العرب وأمير البيان
    وسبب تسمية الرسائل " بأوراق الورد "
    مع أن أوراق الورد هشة تذبل ولا تدوم
    إلا أن هذه الرسائل بقيت كأنها محفورة فوق صخرة
    لا يمحوها زمن ولا عبور دهور .........
    سأعود بالتأكيد لقراءة الفقرات التالية .......
    فقد أحسنت باختيارك لهذه الرسائل
    تحيتي لتميزك.......

    رحاب بريك
    وكيف لا تبقى أوراق الورد يافعة ومزهرة بأطايب عبقها وهو يرعاها ويسقيها من مداد روحه وقلبه لئلا تذبل وتذوب بعدما أيقن أنها ستبقى مزدانة بربيع المحبين المخلصين الذين لم يعهد فيهم إلا الوفاء والمودة وجلال سمو الحب !!!؟؟....
    لذلك يا رحاب غاليتي ستبقى أوراق الورد محفورة فوق صخرة لا يعتريها الجفاء ولا قسوة المحبين مع مرور الزمن بالرغم من الرياح الهوجاء والعواصف العاتية التي من كل ناحية تحيط بها ...
    وما أحوجنا لئن نعود إلى ملك الرسائل الأدبية وأمير البيان ورائد أئمة الأدب العربي مصطفى صادق الرافعي – رحمه الله - لننهل من كنوز كلمه متعة فلسفة الجمال والحب التي لم تكن تجتمع إلا في رسائله الأدبية الرائعة ...

    اترك تعليق:


  • بنت الشهباء
    رد
    المشاركة الأصلية بواسطة طه محمد عاصم مشاهدة المشاركة
    سيدتي
    لقد جدت بما تمنينا وزيادة
    ولي عودة فلم أنتهِ بعد
    وأكيد أنني آت بحول الله ومشيئته
    وأنا أنتظر عودتك يا أخي طه لنبحر معا مع هذا الفن الأصيل من الجنس الأدبي المميّز والتي لا يمكن لمن قرأ مجموعة رسائل الرافعي الأدبية إلا وهو يريد أن ينهل من ينبوع روائعها وكنوزها المزيد والمزيد ليرتقي مع سمو أدبها وبديع أصالة فنها ...

    اترك تعليق:


  • رحاب فارس بريك
    رد
    ألغالية بنت الشهباء

    نشكرك لنشر هذه المادة التي إن عبرت عن شيء
    إنما تعبر عن مدى أهمية الرسالة المكتوبة ..
    فللرسالة المكتوبة طعما آخر ولونا آخر .....
    قرأت الفقرة الأولى عن

    روائع حجة العرب وأمير البيان
    وسبب تسمية الرسائل " بأوراق الورد "
    مع أن أوراق الورد هشة تذبل ولا تدوم
    إلا أن هذه الرسائل بقيت كأنها محفورة فوق صخرة
    لا يمحوها زمن ولا عبور دهور .........
    سأعود بالتأكيد لقراءة الفقرات التالية .......
    فقد أحسنت باختيارك لهذه الرسائل
    تحيتي لتميزك.......

    رحاب بريك

    اترك تعليق:


  • طه محمد عاصم
    رد
    سيدتي
    لقد جدت بما تمنينا وزيادة
    ولي عودة فلم أنتهِ بعد
    وأكيد أنني آت بحول الله ومشيئته

    اترك تعليق:


  • بنت الشهباء
    رد
    [align=center]ومن روائع أمير القلم واللسان اخترت لكم
    قطعة فريدة



    من التاريخ الغزلي

    في فنها البديع تترجم لنا ما تملّك قلب صديقه العاشق من لجام الهجر ولوعة مرارته ، والتي أوحت إليه بهذه الرسائل الأدبية البديعة والمزدانة بأسلوب رائع ورصين لتكون منارة مضيئة لمن أراد أن يفهم أسرار هذا الفن ويتمكن من سلامة صنعة القلم فيملك جمال بيانه ومعجزة بلاغته ...
    وإن من يقف أمام محراب كلماته وأسلوب سجعه وروعة بيانه ، ويعرف ويتذوق بلاغة لغة روحه يدرك أنه أمام رائد من أئمة الفكر العربي الذي لا يمكن أن ينال منه نائل مهما بلغ مبلغه من فنون الأدب ..
    ومع رسائل الأحزان هذه نجد الرافعي - رحمه الله - كان حريصا أن يحافظ على اللغة وأصالتها بأسلوب بلاغي منقطع النظير وهو يروي لنا نفحات الحبّ التي خطفت روحه ؛ وكأنها تاريخ حزن ألبسه بعض بعضه بعد أن وصل به العمر لعقد الأربعين فيزداد حكمة وإنسانية ، ويعترف بأن مصيبة كل رجل ما علم أنه كان طفلاَ كما جاء في مقدمة كتابه :

    قال لي هذا الصديق يوما : إني قد بلغت أربعة عقود ولكنها فيما عانيت كأنما تضاعفت إلى أربعين عقدا ؛ وقد انتهيت من دهري إلى السنّ التي ينقلب فيها الآدميّ من وَفرة قوة الحكمة ليثاً ويرجع من قوة الحكمة نبيّاً ويعود من تمام العقل إنساناً . غير أن هذه الأربعين بما تَعَاوَرتْ عليّ قد هدم فيّ بعضها بعضاً ، فإن أكن بناءً فذلك صرْحٌ ممرّد عمل فيه أربعون مِعولاَ فما أبقت حجراً على حجر ؛ وإن أكن حومة فقد اعترك فيها للأقدار جيشاً فما تؤرّخ بنصر ولا هزيمة . يا ويلتا من هذه الدنيا . إنّ مصيبة كل رجل فيها حين يصير رجلا أنه كان فيها طفلاً وما علم أنه كان طفلاً .


    ومن ثم يتابع في مقدمة رائعة رسائل الأحزان ليبيّن لنا تجربة صديقه في الحب فيستمطر سحب مشاعره الجيّاشة ، وعواطفه الملتهبة التي أقامت لها صرحا شامخا في قلبه لتبني بعض أركانه المتهدمة ، ومن ثم مرة أخرى تعود فتهدم ما بقي منه فيحار في وصف سحرها ويعترف بأن ثلاث صفات ألبسه حبه لها :

    هدمت الأقدار هذا الصديق حتى انحط ما فيه من العزم والقوة فجاءت (هي) تبنيه وتشدّ منه وترمّم بعض نواحيه المتداعية وتقيمه بسحرها بناءً جديداً وتحفتْ به عنايتها زمناً حتى صَلُحَ على ذلك شيئاً فأيسرت روحه من فقرها إلى الجمال والحبّ . ويقول صديقي :
    (( إنه ليس على الأرض من يشعر كيف ولدته أمه ولكني رأيت بنفسي كيف ولدت تلك الحبيبة نفسي ؛ مرّت بيديها على أركاني المتهدمة وأعانتها الأقدار على إقامتي وبنائي ، غير أن هذه الأقدار لم تدعها تبني إلا لتعود هي نفسها بعد ذلك فتهدمني مرة أخرى )) .
    يصف حبيبته في هذه الرسائل كأنه مسحور بها فيجيء بكلام عُلوي مشرق كتسبيح الملائكة يمازجه أحياناً شيء يحار فيه الفهم لأن أحدنا إنما يرسل فكره وراء قلمه ، أما هو فيرسل نفسه وراء فكره ويستمد قلمه منهما . فمنزلته أن يكتب ثلاث كلمات ومنزلتنا أن نفهم كلمتين ، والإنسان منا كاتب مفكر ؛ أما هو فقد زاد بصاحبته فكان كاتباً مفكراً وملهَماً .




    وأجمل ما كان في خاتمة مقدمة كتابه حينما أوجد لصديقه العاشق صنفين من النساء ليختم قوله بأجمل وأعظم الكلم :

    يا صديقي المسكين لا يحزُنْكَ فإن آخر الحبّ آخرٌ لأشياء كثيرة .. وأن من بين النساء نساءٌ أولّهن كالشباب وآخرهن من أشياء كالهرم والضجر والضعف والموت .
    ويا جمال النساء إن كان في الأشياء ما هو أحسن وأجمل فإن في الأشياء ما هو أنفع وأجدى ، وقد تكون الجدوى والمنفعة من الجمال في بغضه أحياناً أكثر مما تكون في حبّه .
    ويارحمة الله من فوق سبع سماواته لقد علمّتنا بما نجده فيسرّنا ، وما ننساه فلا يضرّنا ، أن لا نيأس منكِ أبداً ولو كنا من الهمّ تحت سبع أراضيه.


    [/align]
    [/COLOR]

    اترك تعليق:


  • بنت الشهباء
    رد
    ومرة ثالثة أعود إلى

    حديث القمر

    ومع الفصل الرابع لحجة العرب وأمير البيان وهو ما زال يسامره ، ويرصد لنا سحر جمال الطبيعة ليبين لنا
    وجه الاختلاف ما بين الشاعر الصحيح وهو يطلق عليه أجل الأسماء وأسماها فيصفه بـ" رجل الكمال الإنساني " ذلك لأنه يستلّ جمال شعره من الطبيعة الفاتنة التي تفيض بنور الفجر ، وبهاء الحكمة ، وألحان الملائكة ، ومناغاة وشدو الطيور ..وبين الشاعر الزائف الذي أصابه جنون العظمة ، وطيش الكلمة التي اصطبغ لونها بالغرور والكبر فانحدرت يمنة ويسرة لتزيين الباطل وتزويقه ، وذمّ الحق وتقبيحه ولم يع هذا المغرور أن كلمته ستكون وبالا عليه بعد أن زاغ بصره ، وتاه عن مهمة أداء وواجب رسالته ...
    لنسمع معا ما قاله أمير البيان " مصطفى صادق الرافعي " :



    (( أنت يا قمري الجميل راية السلام الإلهية البيضاء ، لا ترفع للنهار حتى يُغمِد حسامَ الضياء في جفنه الأسود ، وتسكن غمغمة الحرب التي يتقاتل أهلها على الحياة ، وتنطبق أجفان الناس فكأن كل جفنين إنما يمثلان حياة امرئ زمّت شفتيها كيلا تنزعج ملائكة السماء بهذه الأصوات الوحشية المنكرة التي تنبعث من فم النهار فتُقبل على التسبيح لله ، وتقبل الطيور وهي ملائكة الطبيعة على المناغاة ، ويقبل العشاق وهم ملائكة الناس على الفكر والنجوى ، ويقبل الشعراء من وراء أولئك جميعاً فينظمون الشعر الإلهي الذي تمتزج فيه ألحان الملائكة بأنغام الطيور وآهات العشاق ، فيمتلئ من أسرار الفكر والعاطفة والقلب ويكاد يُخلق منه العقل ، وترى فيه الروح باباً من أبواب السماء كأنه الطهارة ، وكِنّاً من أكنان الطبيعة كأنه القناعة ، ومنفذاً من منافذ القلوب كأنه الحبّ فإذا هي بالسماء والأرض بين كلمات ، وإذا كلمات تملأ بين السماء والأرض ، ثم ترى الفكر الإنساني قد استحال إلى أمواج من الخيال ويجري فيها القلب كأنه زورق من الزوارق فتثيب إليه وما هو إلا أن يحتويها حتى تتناول مِجدافه البديع المصنوع من جواهر العواطف والذي لا يبرح ملتصقاً به كأنه يد الحسناء على قلب عاشقها ، ومن ثم يجري بها في بحر الجمال الذي تشبه السماء كلها موجة من أمواجه الأبدية ، الذي لا ساحل له إلا نور الفجر والذي يخيّل إليّ أنك أنت أيها القمر جزيرة تلوح فيه على بعد .
    لا كهذا الشعر البارد الثقيل الذي تفرغه ...أفواه بعض شعرائنا ..المشهورين ...وكأنّ ألفاظه قضقضة الأسنان من شدّة البرد ، وكأنّ معانيه العذبة ماء يستساغ على الريق ، وإذا بلغت به الحماسة المنطقية ....رأيته فاتراً كأنّما يتثاءبون به ، وإذا أراد أحدهم أن يضع روحه في بيت من الأبيات ولو انطرح بعده جثة باردة ....خرج هذا البيت رغم أنفك حارّاً كما شاء وانصرف عن أنفك وأنت تتنسم كأنّ ما فيه من روح إنما خرج إليه من تحت إبطه ..




    الشاعر الصحيح رجل الكمال السماوي ، لأن الشعر إذا لم يكن مع الشرائع كان عليها ، وفي ذلك فساد كبير ، والشعراء أنفسهم كالشرائع تكون لمن يشاء أن تكون لها ، وهم يحكمون النفوس بالحب ...


    فالشاعر الزائف كالدينار الزائف : كلاهما لا يجوز على أحد إلا مع الغفلة ، وكلاهما رذيلة في نفسه بالغش ومصيبة على غيره بالخسارة .
    وإنّ الذباب ليقع على الزهر كما يقع النحل ليجني العسل ، وإنه ليطّنُ في الروض كما تغرّد الطيور لترقيص قلوبها الصغيرة ، ثم يطير عن الزهرة ذباباً كما وقع ويسكت ذباباً كما طنّ ، وكيفما نظرت إليه لا تراه إلا ذباباً ، ولكنه من الطير ، ولكنهم من الشعراء !.



    وإني كما أغمض عيني حين يوجهني الإعصار الأحمق الذي ينفض بساط الأرض في وجه السابلة أراني منذ الساعة قد أغمضت عيناً في قلبي تطلّع على الحقيقة ، فإنّي لم أكد أرفع كأس الحكمة المعسولة لأحتسيها ولم تكد تقارب شفتيّ حتى تهافت عليها ذباب تلك الأخلاق ، فأحرزتها جانباً لتسكن نفسي بعد أن خبُثت من منظر هذه الظلال السوداء التي هي أجسام نفسِها وظلالها معاً.
    فاحمل إليّ أيّها القمر قطرة من ندى الروح الجميلة الذي ينسكب في أنفاس تلك الحبيبة وأرسلها إلى كأسي في قناة من أشعتك السحرية حتى تمنزج بالحكمة على شفتي فكأني أتناول هذه الحكمة من ثغرها البسّام .


    اترك تعليق:


  • بنت الشهباء
    رد
    وما زلنا مع

    حديث القمر


    مقتطفات من روائع حجة العرب وأمير البيان

    ومما اخترته لكم من الفصل السادس وهو ينثر لنا درره عن معاني الطبيعة الفاتنة الخلاّبة التي أحالت محاسنها ليبدو لنا وجهها أضوأ من القمر فتبدو وكأنها حورية فاتنة انثنى جمال الكون أمام بابها ليهنأ ويسعد به كل من دخل معبدها ..
    ونراه يعجب من جماعة الملحدين الذين لا يرون فتنة الطبيعة وجمالها فيقول :
    (( يقول الملحدون إن الطبيعة الجميلة تغضب وتحنَق ، لأنهم لا يريدونها إلا خادمة فلا ينظرون إلى جمالها ، بل إلى أفعالها ، ويقول المؤمنون الذين لا يرون في كل شيء مظهرا للإيمان ، إن غضب الجميل نوع من جماله ، فلتغضب الطبيعة ولتتورد الوجنات وليتطاير السّحر من اللحظات ولينبعث الصوتُ الصارخ الرهيب من الروح بدون أن يصفيه القلب ، ليكن ذلك وما أشبه ذلك من روعة الغضب ، فإننا نريد أن نبصر الحسن كيف يتحول في غضبه جليلاً بديعاً ، كما رأيناه في الرضى ليناً وديعاً ، وكيف تظهر فيه الروح قلقةً لا تطمئن ، كما ظهر فيه القلب يتأوه أو يَئن ، ونريد أن نرى ولو مرة واحدة انطباق صفتين جميلتين لم يفارقهما الابتسام ، فإن ذلك منهما ولا غرْو ابتسامٌ جديد .))

    ومن ثم نراه يفرد لنا تفسيرا لمصطلح الجمال ، ويبين لنا وصفا رائعا له:

    (( الطبيعة جميلة ، بل هي فوق أن تكون جميلة ، لأن هذه اللفظة ( الجمال )واحدة من الاصطلاحات المبهمة التي تمثل قصور الإنسان اللغوي ، فقد تعاون أفراد هذا الإنسان الضعيف على أن يخلقوا الطبيعة خلقة معنوية فصوّروها باللغة وضبطوها على عِظمها كما يضبط تاجر اللؤلؤ حساب ما في حقيبته الصغيرة لا حساب ما في البحار ، وجَروَا في أكثر المعاني السامية هذا المجرى . فربّ معنى تجده ملءَ السموات والأرض وما تجد له صفة تحدّ إلا وهي حدّ لصفة أخرى ، ومع ذلك تراهم يدمجونه في لفظة واحدة مقتضبة لا ليعرف بها معرفة صحيحة تصفُه كما هو ! ولكن ليؤثر التأثير الذي يقوم في الإنسان مقام المعرفة الصحيحة ، فإن الناس يعيشون بهذا التأثير في معظم أمورهم ويعتدّونه علما وإحاطة .وهذه اللغة الناقصة التي تصوّر الطبيعة وتحدّها ، هي في ذلك كالعين التي ترى الطبيعة لتصفها باللغة – وما اللغة في الحقيقة إلا نظر عقلي بل هي ألفاظ النظر – وما العين من الطبيعة إلا كالمرآة التي تقابلك بالشيء كما هو لتفهمه أنت كما تريد .))

    وما أجلّ ما أتى به وهو يخاطب الإنسان ليرى جمال الطبيعة كما هي :

    (( إذا أردت أيها الإنسان أن ترى جمال شيء من الطبيعة فاجعل عينيك أقرب إليه من فكرك ، بل انزع فكرك هذا ، إلا الخفيف منه كما تنضو ثيابك إذا طلبت السباحة في البحر ، وإلا الطاهر منه كما تخلع نعليك إذا أردت الصلاة في المسجد ، وإلا الصافي منه كما تخلع نعليك إذا أردت الصلاة في المسجد ، وإلا الصافي منه كما تطرح شغل قلبك إذا وقفت بين يدي الله ، فإن أنت سبحت بثيابك فإنها تمثل الإلحاد ، وإن واجهت ربك وأنت مشغول بنفسك عنه فإنما تمثل نفاق الشيطان ، وإن نظرت إلى الطبيعة من فكرك الماديّ فإنما تمثل العَمى الطبيعي ..))

    وبعدها نراه يبين لنا قيمة الجمال من خلال النفوس التي لا تعرف في قاموسها إلا الحب والخير

    (( فلولا النفوس التي تدرك قيمة الجمال ما وجدت على الأرض نفوس تدرك قيمة الخير ، وهل الخير إ‘لا بعض من جمال النفس ؟
    لله أنت أيتها الطبيعة الجميلة ، ولله جمالك الفتان الذي يترك من حسنه بقية في كل عين تحدّق إليه فتجعل كل شيء تصادفه جميلا ، كما يثبت المرء عينه في ساطع من النور هنيهة ثم يلتفت يمنة ويسرة فإذا كل شيء فيه شعاع من ذلك النور .
    ولله ابتسامتك الذي ترتوي منه النفوس ويخلق منه الحب والخير ، وأراه في كل زهرة تفوح , وفي كل نجم يلوح ، وفي هذا القمر الذي يتصبى الروح كأنه طلعة حبيبة الروح ، وأراه في غير ذلك من صفات الجمال التي تفيض عليها هذه النعمة السماوية لتنطق منها بأبلغ ما تفهمه النفوس من المعاني كما تنطق الحسناء حين تبتسم وهي لم تتكلم .
    ولكن آه أيها القمر ! إن لهذا الابتسام روحا هي الخالص النقي منه ، بل الذي لا يقال في غيره خالص أو نقي ، فإذا أردت أن تشهد روح الابتسام يتلألأ في غرّتك فانظر إلى تلك التي لم تلبس من حريرك الأبيض غانية أجمل منها في ليلة من ليالي الحب ، وتأمل بربك أيها القمر كيف تتحرك بروح الابتسام في شفتيها الرقيقتين حياة الهوى .))

    اترك تعليق:


  • بنت الشهباء
    رد
    المشاركة الأصلية بواسطة د. وسام البكري مشاهدة المشاركة
    عنوان رائع ... ينطبق تمام الانطباق على المضمون، ويعترف بحجته في البيان.

    ودمتِ بخير أديبتنا الرائعة بنت الشهباء وجزاك الله خيراً.
    أجل والله يا أستاذنا الفاضل
    الدكتور وسام بكري
    إن مثل هذا العلم الشامخ من أعلام الأدب العربي يعترف له بحجة البيان ، وإن كل من يدخل دوحة رياض روائعه يتوه مع براعة حروفه ، وجنة عباراته ..
    وما أحوجنا يا أستاذنا الفاضل أن نعود إلى مثل هؤلاء الأدباء ونحن نأمل أن نتعلّم وننهل من مدارسهم علوم وأصول لغتنا العربية الأمّ!!....

    اترك تعليق:


  • د. وسام البكري
    رد
    عنوان رائع ... ينطبق تمام الانطباق على المضمون، ويعترف بحجته في البيان.

    ودمتِ بخير أديبتنا الرائعة بنت الشهباء وجزاك الله خيراً.

    اترك تعليق:


  • بنت الشهباء
    رد
    المشاركة الأصلية بواسطة د. وسام البكري مشاهدة المشاركة
    رائع ما قدّمتيه أديبتنا الفاضلة بنت الشهباء

    فالرسائل فن أدبي راقٍ أجادهُ الرافعي رحمه الله، فكان فارسهُ الذي لا يُجارى، ولا يُبارى؛ ونتمنى أن يمرّ الأدباء عليها قراءةً وتذوّقاً وتدقيقاً.

    ولي وجهة نظر متواضعة، وهي: تغيير عنوان المقتطفات من (من مكتبتي اخترتُ لكم) إلى أي عنوان آخر يُفهَم منه أنه في الرسائل الأدبية، لتكون مرجعاً لمن لم يقرأها من قبل أو أراد الاستزاد من قراءتها ثانية وثالثة.

    وجزاك الله خيراً
    أستاذنا الفاضل
    الدكتور وسام البكري
    أحاول في هذه الصفحة أن أنثر ملخصا عن فن الرسائل الأدبية التي تربّع على عرشها حجة العرب وأمير البيان واللسان , والأديب العملاق
    مصطفى صادق الرافعي – رحمه الله –
    ولا يمكن لمن دخل دوحتها إلا وينعم بسحرها المتألّق , وبيانها البديع الذي استطاع هذا الأديب أن يملك ناصيته لينثر لنا وللأجيال من بعدنا دررا وجواهر مضيئة في فن المكاتبات والمراسلات حينما نراه يطوف بأحاسيسه ومشاعره المرهفة فيهنأ ويسعد بها كل من قرأها على مسامع قلبه وفكره ....
    ولن أتوقف – بإذن الله – عن هذه الصفحة التي كان لي جولات وصولات معها – وما زلت – وكم كنت أتمنى ومنذ نعومة أظفاري أن أصل ولو لجزء يسير مما وصل إليه عملاق الأدب العربي

    وسأعمل جاهدة أن أنقل مقتطفات أخرى من حديث القمر , قبل أن أبدأ مع رسائل الأحزان ليكون مرجعا لنا ولكل من أراد أن ينهل من علوم فن الرسائل الأدبية
    وأسأل الله أن يوفقني لهذا العمل
    والحق معك يا أستاذنا الفاضل الدكتور وسام في تغيير العنوان
    وأتمنى أن ينال إعجابك العنوان الذي تصدّر صفحة أمير البيان واللسان
    ولك خالص الشكر والتقدير لهذا المرور الكريم والطيب الذي أسعدني
    ودمت بألف خير

    اترك تعليق:


  • د. وسام البكري
    رد
    رائع ما قدّمتيه أديبتنا الفاضلة بنت الشهباء

    فالرسائل فن أدبي راقٍ أجادهُ الرافعي رحمه الله، فكان فارسهُ الذي لا يُجارى، ولا يُبارى؛ ونتمنى أن يمرّ الأدباء عليها قراءةً وتذوّقاً وتدقيقاً.

    ولي وجهة نظر متواضعة، وهي: تغيير عنوان المقتطفات من (من مكتبتي اخترتُ لكم) إلى أي عنوان آخر يُفهَم منه أنه في الرسائل الأدبية، لتكون مرجعاً لمن لم يقرأها من قبل أو أراد الاستزاد من قراءتها ثانية وثالثة.

    وجزاك الله خيراً

    اترك تعليق:


  • بنت الشهباء
    رد
    الأديب محمد عبد القادر المازني :
    كتب عنه غداة وفاته يقول :

    " لقد كان يوصف في حياته بأنه حجة العرب ، وهذا صحيح وغير قليل من أدب الرافعي سيبقى على الأيام ، ما بقي للأدب ذكر ومقام .. وأحسبني لا أبالغ حين أقول إن له من آثاره ما لا يرقى إليه قلم في القديم أو الحديث ، وإن له صفحات عديدة في كل كتاب له ، يبلغ فيها ذروة البلاغة .. وقد كان رأيي فيه دائماً ، أنه أعلم أهل العربية ، وأوسع أدبائها اطلاعاً على علوم الدين .."


    ولمن أراد أن يملك ناصية الإبداع , وموهبة الإنشاء , ويتقن فن الرسائل الأدبية
    فما عليه إلا أن يدخل واحة حجة العرب , وأمير البيان
    ومما اخترته لكم اليوم
    " حديث القمر "

    بقلم
    مصطفى صادق الرافعي
    لنطوف مع خيالاته و أحلامه , وكيف كان يساهر القمر ويناجيه , ويشدو أعذب وأرق الألحان معه فيذوب طربا مع بلاغته وبديع أٍسلوبه من خلال تجواله مع لألئ وكنوز حروفه , وينثر لنا في مقدمة كتابه الغرض والهدف من هذه الرسالة التي دعته إلى أن يصرف وجه الحديث للقمر ويسامره ..


    (( كتبتها وأنا أرجو أن تكون الطبيعة قد أوحت إليّ بقطعة من مناجاة الأنبياء التي كانت تستهلّ في سكون الليل فيَعيها كأنه ذاكرة الدهر , وأن تكون قد بثت في ألفاظي صدى من تلك النغمات الأولى التي كان يتغنّى بها أطفال الإنسانية فتخرج من أفواههم ممزوجة بحلاوة الإيمان الفطري , وتذهب السماء متهادية كأنها طائرة بروح من اطمئنان قلوبهم , وتسيل في ضوء الصباح وظلّ الشمس ونور القمر كأنها في جمال الطبيعة أفكار طيور مغردّة تدور على ألسنتها ...
    ....وكتبتها وأنا أطمع أن تكون الطبيعة قد نفخت فيها نسمة الحياة للعواطف الميتة المدرجة في أكفان الحوادث الدنيئة , فإن هموم العيش لا تميت عواطف القلوب إلا تلك التي لا تعرف كيف تستمد الحياة من روح الطبيعة , وإنما يكون استمدادها من مادتها فتحيا بخير وتموت بخير ...
    ... وكتبتها أتناول ألفاظها من تحت لساني وأكشف من قلبي معانيها وأنفض عليها ألوان الطبيعة التي تصوّر أحلام النفس وخيالاتها , وأنا أرجو أن أكون قد وضعت لطلبة الإنشاء المتطلعين لهذا الأسلوب أمثلة من علم التصوّر الكتابي الذي توضع أمثلته ولا توضع قواعده , لأن هذه القواعد في جملتها إلهام ينتهي إلى الإحساس , وإحساس ينتهي إلى الذوق , وذوق يفيض الإحساس , والإلهام على الكتابة جميعا فيترك فيها حياة كحياة الجمال , لا تداخل الروح حتى تستبد بها , ولا تتصل بالقلب حتى تستحوذ عليه فتكون له كأنها فكرة في ذاته .))

    ويتابع أمير البيان مع فصول حديث سمره مع القمر لنشهد معه صفحة السماء كيف طرحت لنا أشعتها , والكون لبس قدسية حسنها حينما أشرق القمر وتربّع على صدرها
    ((..... والآن وقد رقّت صفحة السماء رقّة المنديل , أبلته قُبَل العاشق في بعاد طويل , أو هجر غير جميل , وتلألأت النجوم كالابتسام الحائر على شفتي الحسناء البخيلة حيرة القطرة من الندى إذ تلمع في نور الضحى بين ورقتين من الورد , وأقبل الفضاء يشرق من أحد جوانبه كالقلب الحزين حين ينبع فيه الأمل , ومرّت النسمات بليلة كأنه قطع رقيقة تناثرت في الهواء من غمامة ممزقة وأقبلت كل نفس شجية ترسل آمالها إلى نفس أخرى كأن الآمال بينها أحلام اليقظة , ونظر الحزين في نفسه , والعاشق في قلبه , ونام قوم قد خلت جنوبهم فليس لهم نفوس ولا قلوب , ولبس الكون تاجه العظيم فأشرق القمر ..))

    ونراه في الفصل الثاني يجود علينا بتحفة نفيسة أعظم هداياها صفات الرجل الإلهي الذي لا يهاب ولا يخشى استبداد الملوك والطغاة , ولا يستسلم لأدعياء المنافقين والعملاء ..
    (( أفتدري من هو هذا الرجل الإلهي ؟ هو الذي لا تعرفه الحياة ولا يعرفه الموت فلا يذلّ لأحدهما , تتبرّج له الحياة فلا تغرّه , ويتجهّم له الموت فلا يضرّه , ويُبتلى بكل ما يسوءُ ويسرّ فلا يسوؤه ولا يسرّه ...
    هذا هو الرجل الإلهي الذي لا ينثني لأنه الحقّ , ولا ينحرف لأنه العدل , ولا يخاف لأنه البأس , ولا يضعف لأنه القوة , ولا يحيف لأنه الإنصاف , ولو تعلّق به أهل الأرض جميعا لمشى بهم مطمئنا لأنه في نفسه كقطعة من نظام السماء الذي يجذب الأرض في فضائها .))


    ومن ثم نراه يدرس طبائع الفئة الباغية من الملحدين حينما يعلوها الكبر والغرور , وتفقد سيطرتها على نفسها وتخسر كل ما لديها وكأنها أسراب من الخفافيش لا تبصر الطبيعة بعينها الإلهية لأنها صماء قد أصابها الجنون من حرفة سخافتها فيقول :
    (( لله منكِ أيتها الفئة الباغية ! العلم الذي لا يخلق ذبابة ولا أحقر من ذبابة ولكنه يجدها فيتفلسف ويقول لنا : كيف خلقت ؟ هو الذي يريدكم على أن تكذبوا بالخالق .
    والعلم الذي ينتهي في كل شيء إلى حدّ من الجهل يريد أن يجعل القلب الذي هو سرّ الإنسان بلا نظام ؟
    وقد زعموا أنهم أنشطوا الفكر من عقاله فكان من ذلك ما انتهوا إليه , وكأنهم يقولون : الدين الفلسفي هو في الحقيقة الرجل الحر فما بالهم إذن ينسون أن هذه الكلمة عينها تخرج لهم لو عقلوا أن الحرية هي في الحقيقة فلسفة الدين ؟
    إن المتوحشين يقرّون بإله ولكنهم يعملون على أن يكونوا آلهته كما أنه إلههم , ويحاولون في كل شيء أن يتعبدوه بما يخيّل لهم أنه من السحر , والملحدون لا يبتغون ذلك فحسب ولكنهم يريدون أن يمحوه بتّة , أفليس هذا منتهى التوحش في القياس ؟)).


    ومع الفصل قبل الأخير نجد أمير البيان وحجة العرب ينادي على القمر بحرقة وألم وهو يصف لنا الشرق المريض الذي طرحه الهم والفرقة والتجزئة , وانقلبت موازين المبادئ والقيم في حسابه , وانصدع الشمل بين الأصدقاء والأهل فنجده يقول :

    [poem=font=",6,,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="http://www.almolltaqa.com/vb/mwaextraedit2/backgrounds/2.gif" border="none,6," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    ربّوا لذا الشرق يا قومي ممرّضة = تحنو عليه بإحساس ووجدان
    تطبّه روحها مما ألمّ به = إذ تلعّب أهلوه بالأديان
    ربوا له الأمّ يا قومي فلو وُجدت = في الشرق ما طاح في ذلّ ولا هوان
    تلك التي ترفع الدنيا وتخفضها = بطفلها فهو والدنيا , بميزان [/poem]

    [poem=font=",6,,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="http://www.almolltaqa.com/vb/mwaextraedit2/backgrounds/2.gif" border="none,6," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    يا بانياًً بقلوب الناس يجعلها = قصر الحياة , تبصّر أيها الباني
    أسس على الحب , لا تلق القلوب سدى = وضعْ لكل فؤاد شكله الثاني
    فلست تبني سوى دار إذا خربت = أركانها خربت من كل عمران[/poem]


    ونراه يختم فصول حديثه مع القمر الجانح إلى المغيب مع أرق نسمات الفجر العليل في طلعته البهية وهو يهمس لنا أجمل وأعذب سيمفونية عرفها تاريخ المحبين فيرسم لنا أجلّ صور الحب التي لا يمكن أن يعرفها إلا من استلت روحه كل جوانبها ..
    (( أيها القمر الذي هو تاريخ النور على الأرض والذي يشرق على الطبيعة بجلال وهيبة وكأنه يرسل إلى هذه الأرض في كل شعاع نظرة ملك من الملائكة لتعزية قلب من القلوب المتألمة المحزونة .
    أيها القمر الجانح إلى المغيب في نسمات الفجر كأنه جناح الحب يخفق به في الفضاء على هواء عليل من الزفرات والتنهد .
    أيها القمر ! أيها القمر ! ليس شيء أقوى من الحق , ولكن الشريعة في يد الظالم تجعل الباطل أقوى منه , وليس شيء أعنف من البغض , ولكن الجمال الذي يتولاه اصطلاح الناس يجعل الحب أقسى منه .
    فبالله كم تحلم قوة الإنسان بالحرية وكم يحلم شبابه بالحب ثم يستيقظ الإنسان لطالعة من الحوادث فلا يجد من نفسه وقلبه إلا ما يحدّه ويصفه أهل التشريع وأهل التشريح , وتغيب تلك الأحلام الإلهية كلها بغياب الوجه الجميل الذي بعث فيه القوة من عينيه والشباب في فمه , كما تغيب الآن كل أحلام السعداء معك أيها القمر بعد أن طلع عليها الصبح كأنه أشعة الحياة التي جمعها الليل من أعين النائمين !)).


    من إعداد وتقديم : أمينة أحمد خشفة
    بنت الشهباء

    اترك تعليق:

يعمل...
X