هدهد سليمان ليس طائرا
(1-2)
بقلم: محمود خليفة
إن التفاسير المشهورة (ابن كثير, والبيضاوي, والقرطبي، والطبري، والجلالين, وحتى تفسير الشهيد سيد قطب في ظلال القرآن)، تتفق على أن الهدهد الوارد ذكره في سورة النمل هو طائر الهدهد، والحقيقة غير ذلك.
وحتى النملة الوارد ذكرها في سورة النمل، تتفق التفاسير على أنها حشرة، والحقيقة أيضا غير ذلك، والله أعلم.
وشخصيات قصة سيدنا سليمان -عليه السلام- كما أُوردت في سورة النمل هي:
1- سليمان عليه السلام.
2- جيش سليمان الذي يتكون من الإنس والجن والطير.
3- النملة وقومها.
4- الهدهد.
5- ملكة بلقيس وقومها.
وهذه لقطات قصة سيدنا سليمان في سورة النمل:
اللقطة الأولى (وراثة العلم):
قال تعالى: { وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) }.
يقول سيد قطب في الظلال:
"هذه هي إشارة البدء في القصة، وإعلان الافتتاح؛ خبر تقريري عن أبرز النعم التي أنعم الله بها على داود وسليمان - عليهما السلام - نعمة العلم؛ فأما عن داود فقد ورد تفصيل ما آتاه الله من العلم في سور أخرى، منها تعليمه الترتيل بمقاطع الزبور، ترتيلا يتجاوب به الكون من حوله، وو... ، ومنها تعليمه القضاء بين الناس، مما شاركه فيه سليمان".
"وورث سليمان داود" والمفهوم أنها وراثة العلم، لأنه هو القيمة العليا التي تستأهل الذكر.
اللقطة الثانية (موكب الجيش السليماني):
قال تعالى: { وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) }.
فالآية تتحدث عن جيش سليمان والذي يتكون من ثلاثة أصناف:
الإنس والجن والطير، وهو حشد منظم منضبط.
{ فَهُمْ يُوزَعُونَ } أَيْ يُكَفّ أَوَّلهمْ عَلَى آخِرهمْ لِئَلَّا يَتَقَدَّم أَحَد عَنْ مَنْزِلَته الَّتِي هِيَ مُرَتَّبَة لَهُ، كما يقول ابن كثير في تفسيره.
اللقطة الثالثة ( وادي النمل):
يقول تعالى: { حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) }.
في تفسير البيضاوي:
يتحدث عن النمل وواد النمل الكثير بالشام، وَتَبَسَّمَ سليمان ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها تعجباً من حذرها وتحذيرها واهتدائها إلى مصالحها، وسروراً بما خصه الله تعالى به من إدراك همسها وفهم غرضها ولذلك سأل توفيق شكره.
وهنا تساؤل:
لم يذكر القرآن الكريم أن سليمان -عليه السلام- عُلم منطق الحشرات، إنما عُلم منطق الطير، والنمل ليس طائرا، إنما هو من فصيلة الحشرات؛ إذن مغزى هذه الآية -والله أعلم- ليس المقصود منه حشرة النملة وقومها.
اللقطة الرابعة (تفقد الطير والسؤال عن الهدهد):
يقول تعالى: { وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21) }
وفي كل التفاسير التي قرأتها تتحدث عن طائر.
صفات الهدهد كما أُوردت في سورة النمل:
1- الهدهد (بألف ولام):
فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ، ولم يقل هدهد؛ إذن هو هدهد معين، وقد غاب عن الوقوف مع الجيش السليماني في الحشد الذي ذُكر في أول القصة.
2- الهدهد (صفة) رجل من كتيبة الطير:
أذكر في السبعينات أن أحد لاعبي كرة القدم كان لقبه (حمامة)، فهو قد أطلق عليه هذا اللقب من سرعته، وأيضا توجد أسماء طيور وحيوانات لكثير من الناس مثل الأسد والنمر والديب والباز.
والرجل الهدهد في قصة سليمان اكتسب صفات الطائر مثل (تهديد سليمان له { أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ (21) }، وقول الرجل الهدهد ناكرا عبادة ملكة سبأ للشمس { ألَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ (24) }، و(الخبء) كما يقول الطبري في تفسيره:
يخرج الخبء المخبوء في السموات والأرض من غيث السماء، ونبات في الأرض.
(فالهدهد) صفة لرجل ذي مواهب خاصة في كتيبة الطير.
3- الهدهد رجل استطلاع:
الهدهد رجل استطلاع (أو مخابرات بالتعبير الحديث) من كتيبة الطير، ولكنه تأخر في مهمته؛ لذلك أنكر سليمان غيبته.
وكتيبة الطير ذاتها من المتوقع أن يكون بها حمام زاجل وهداهد وطيور وإنس وجن من المشهورين بقدرات خاصة ومنها السرعة وركوب بساط الريح وحتى الطيران؛ فحينما طلب سيدنا سليمان عرش بلقيس، قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، وكان مقام سليمان من الصبح حتى الظهر، وقال رجل من الذين عندهم علم الكتاب، أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك (أي في ثانية)، كما ورد في سورة النمل في الآيتين 39 و 40.
4- الهدهد يعرف الجغرافيا جيدا:
لو كان الطائر في حدود مصر مع ليبيا، هل سيعرف أنه لو طار غربا أكثر فسيكون في حدود ليبيا؟!
فكف عرف الطائر الهدهد أنه في سبأ؟ هل درس الهدهد الجغرافيا وحدودها؟!
إذن فهو رجل استطلاع من كتيبة الطير، وليس طائرا.
5- الهدهد يعرف نظام الحكم:
قال تعالى: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ (23) }.
كيف عرف الطائر أن نظام الحكم ملكي؟ ولماذا لم يكن إمبراطوريا أو فرعونيا مثلا؟ وكيف عرف أن ملكة هي التي تملكهم؟ ما أدراه أن تلك الملكة هي الحاكمة؟ هل يعرف (صقر) عظيم أن الدولة التي يطير في أجوائها يحكمها ملك معين أو ملكة أو رئيس؟!
6- يعلم أن العرش عظيم:
قال تعالى: { وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) }.
وكيف عرف الهدهد أن العرش عظيم؟ وهل المقصود من العرش هو حجم الكرسي الذي تجلس عليه ملكة سبأ؟ أو المقصود هو تاج الملكة عظيم الحجم؟ أم المقصود أن نظام الحكم ذاته هو سلطان قوي وشديد البأس ويُهاب الجانب؛ لدرجة أن ملكة سبأ أخضعت بابل وما حولها لحكمها.
فهذه المعرفة لم تأتِ إلا بعدما مكث رجل الاستطلاع (الهدهد) فترة كبيرة مكنته من الإلمام بنظام الحكم وقوته وعظمته.
وهل يوجد طائر يعلم قوة أو ضعف العرش؟
7- يعلم قوة نظام ملكة سبأ (أوتيت من كل شيء):
قال تعالى: { وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (23) }.
هل يوجد طائر في العالم يعلم قوة نظام يحكم؟
8- يعلم عقائد الناس:
يقول تعالى: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24)}.
هل يوجد طائر يعرف عقيدة الناس؟ ويعرف الشيطان الذي يزين الشِرك أو الشر؟ ولو كان الهدهد طائرا، فكيف عرف أنهم يسجدون للشمس وليس لله؟! هل الهدهد يستطيع أن يدخل في ضمائر ونيات الناس؟
وكيف عرف الطائر أن الشيطان هو الذي أضلهم؟ ولماذا لا تكون الملكة هي التي أضلتهم (مثلا) كما فعل فرعون مع قومه حينما قال في سورة القصص { يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي (38) }؟
وهل الطيور تعرف الشياطين أصلا؟!
طبعا، الحقيقة تدل على أن رجل الاستطلاع (الهدهد)، هو الذي لاحظ ودرس وتيقن من عقيدة أهل سبأ، وأتي بهذا النبأ اليقين لقائده سليمان عليه السلام وقال له: { فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) }.
9- هل الطيور تكذب؟:
قال تعالى: { قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) }.
وفي الجزء الثاني، سنتحدث بإذنه تعالى عن باقي لقطات قصة سليمان -عليه السلام- في سورة النمل، وحقيقة النملة التي قالت لقومها (ادخلوا مساكنكم).
تعليق